الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ومنا على من اتبع الهدى سلام

ومنا على من اتبع الهدى سلام

علي عقلة عرسان

” بقي شيء نقوله باختصار شديد جداً إلى أولئك الأعداء الذين يريدون قسماً من لحمنا ودمنا، من أرضنا وكياننا، من كرامتنا ووجودنا.. بتوهم أننا انتهينا، أو أننا شارفنا على الانتهاء، لأولئك نقول: ” أيها العابرون في أرضنا وفي فترة من زماننا.. نحن أمة لن تموت، وقد مر بنا الغزاة وزالوا وبقينا أمة تتجدد، الفينيق نحن، نولد كل يوم على مشارف الصباح،”
ــــــــــــــــــــــــــ

بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، وحرب الاستنزاف التي استمرت ٨١ يوماً، خاضتها سوريا وحدها ضد الاحتلال الصهيوني، وأسفرت عن استعادة ٦٢٠كم٢ من أرض الجولان بقي١٢٠٠ كم٢ من الأرض السورية في الجولان، يحتلها الكيان الصهيوني منذ عدوانه الذي عُرف بحرب حزيران ١٩٦٧. وبعد ١٤ عاماً على تلك الحرب، قرر كيان الاحتلال ” إسرائيل”، في 14 ديسمبر 1981، من خلال الكنيست، فرض ما يسمى”قانون الجولان”، على الجولان السوري المحتلة، وجاء في القانون الذي أقرته الكنيست: “فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان”، وتشير الخريطة الملحقة بهذا القرار إلى المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية من 1923 وخط الهدنة من 1974 كالمنطقة الخاضعة له.”. وقال الإرهابي مناحيم بيجن، الذي كان حينذاك رئيساً لوزراء “إسرائيل”: ” نحن نؤكد أن هضبة الجولان كانت في الماضي جزءاً لا يتجزأ من فلسطين، والذين رسموا حدود بلدان هذه المنطقة أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها رسموا حدوداً اعتباطية مع سوريا.”. وفيما أورده هذا الإرهابي العريق من رأي، عشية تصويت الكنيست على ذلك القرار، تكمن حقائق تاريخية وطبيعية وديموغرافية، أراد أن يزورها، وقصد إلى تحريف فاضح في كل ما قاله، ولكن أبت الحقيقة إلا أن تكشف عن نفسها.. فالجولان جزء من فلسطين، وفلسطين جزء من سوريا، أو هي الجزء الجنوبي من بلاد الشام التي قسمها المستعمرون إلى دول أربع ليزرعوا الكيان الصهيوني في إحداها. والتقسيم الذي تم، باتفاق سايكس – بيكو كان اعتباطياً فعلاً، وجاء على حساب الحقائق التاريخية والطبيعية والسكانية، وعلى حساب الشعب العربي في هذه البقعة من وطن العرب.. لقد أراد الإرهابي بيجن أن يقول: إن فلسطين لليهود، وأن الحلم الصهيوني، التوراتي، في دولة يهودية تمتد من النيل إلى الفرات، لم يتضمن حينذاك، وعلى أيدي البريطانيين والفرنسيين، لا الجولان شرق الأردن ولا.. ولا غيره من الأرض العربية التي يطمع فيها كيان الإرهاب العنصري، ويردها دولة له.؟!
وعلى إثر قرار الكيان الصهيوني، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم ٤٩٧ بتاريخ ١٧ ديسمبر ١٩٨١
ونص القرار على:
1 ـ اعتبار قرار إسرائيل بفرضها قوانينها وسلطاتها وإدارتها في مرتفعات الجولان السوري المحتلة ملغى وباطلا ومن دون فعالية على الصعيد الدولي .
2 ـ يطلب من إسرائيل القوة المحتلة أن تلغي قرارها فورا .
3 ـ يعلن أن جميع أحكام اتفاقية جنيف المعقودة بتاريخ 12 آب 1949 والمتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب ما زالت سارية المفعول على الأراضي السورية المحتلة من قبل إسرائيل في يونيو 1967
وفي عام 1982 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الطارئة التاسعة القرار رقم 272 ورفضت فيه قرار الضم الجائر وأكدت أنه يشكل تهديدا مستمرا للسلم والأمن.
واستمر المجلس والهيئة العامة بتأكيد هذه القرارات، منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، مطالبين “إسرائيل” بالانسحاب من الجولان.
ومنذ مؤتمر مدريد ١٩٩١ دخل موضوع الجولان على خط التفاوض بين سوريا والكيان الصهيوني، لا سيما فيما عُرف بمفاوضات “شيبردزتاون” بإشراف الولايات المتحدة الأميركية، لكي ينتهي الاحتلال ويعود الجولان إلى حضن الوطن ” سوريا”، ويصل الفلسطينيون إلى حقوقهم في وطنهم التاريخي فلسطين.. وقد أُعلن في حينه أن المفاوضات، في المسار السوري – الصهيوني، وصلت إلى اتفاق الطرفين على ما يقرب من ٨٥٪ من القضايا موضوع التفاوض.. لكن لم يصل الأمر إلى منتهاه، وكان من بين ما تم الاتفاق عليه ما تضمنته ” وثيقة رابين” التي تضمنت انسحاباً تاماً من الجولان المحتل”. وقد توقفت المفاوضات في عام ٢٠٠٠، بعد الاجتماع الشهير الذي تم في جنيف بين الرئيسين الأميركي بيل كلنتون والسوري حافظ الأسد، ولم يدم سوى دقائق.. حيث تمسكت سوريا بمطالبتها بأن تستعيد أرض الجولان كاملة، حتى الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية، وكان الرئيس كلنتون يعتقد – حسبما أحيط به من معلومات، وما نقل إليه من توصيف لأوضاع الرئيس السوري وسوريا – بأن السوريين سيقبلون بما يُعْرَض عليهم، وهو بالتأكيد أقل مما كانوا يطالبون به.؟!. وبذلك تركت قضية الجولان لأجيال قادمة.
وها نحن مع أجيال وأيام جديدة، وأوضاع ومعطيات جديدة.. فبعد حرب “الإخوة الأشاوس” في سوريا وعليها، تلك الكارثة المستمرة في حصد الأرواح، وتخريب البنيان، والإنسان، والقيم، والعلاقات بين أبناء البلد الواحد، والبيت الواحد.. حرب الجنون التي دمرت ما دمرته في سوريا والعراق وفي غيرهما من بلدان العرب، منذ نيِّفٍ وأربع سنوات؛ وألحقت بالأمة العربية شرذمةً وتهافتاً وانهياراً مروعاً، وبالأمة الإسلامية تمزقاً وخلافات منذرة بالشرور، وأشعلت فتنة مذهبية رهيبة ” سنية شيعية”، في أقطار عربية وإسلامية.. بعد ذلك الذي كان وما زالت تدور به وتطحنه رحى الحرب الدائرة، وصلت الحركة الصهيونية وحلفاؤها إلى مرحلة قطاف ثمر التآمر، وما غرسته في عقول وقلوب وأنفس وضمائر، مما هو مدمر لبلدان عربية كانت عصية، ولأمة عربية كانت على شيء من التوافق ولو في حدود دنيا.. وقد كان لإسرائيل وحلفائها وأدواتها فيه ذلك كله دور أكبر، حيث صدرت مخاوفها، وأوكلت لبعض العرب بصورة خاصة، حرباً على من وما يتهددها، فبلتهم واستراحت.. فتجرع السم بأيدي الصهاينة من تجرعه، وأدمنه من أدمنه، من العرب والسوريين والمسلمين.. وكان لذلك أسباب معروفة، واستنبت في بيئة ملائمة موبوءة.. ليس هنا مجال بسط الحديث حولها ولا في ما يتصل بها وكل ذلك كثر فيه الكلام، والتلاوم، وغابت فيه مسؤوليات وأفهام وعقول حتى أنتج ما أنتج، وما يزال ينتج… وعندما نضج ما نضج من لحوم السوريين على نار الفتنة، ونضج قبلهم ومعهم عراقيون ولبنانيون، وعرب ومسلمون آخرون.. بدأ حديث غريب مريب، هو في صميم التخطيط البعيد لمن أرادوا ويريدون بأقطارنا وأمتينا وديننا شراً.. بدأ حديث عن تفكيك سوريا، وعن دويلات على حساب الدولة، أو عن هيمنة دول على مناطق منها، يدور فيها صراع دموي، ويغيب الأمن ولا تحضر الدولة.؟! وهنا بدأ الكيان الصهيوني “يطالب بحصته من الكعكة السورية التي على المحزّ، يريد نصيبه منها: الجولان السوري المحتل الذي ضمه بقرار منه.. ويتهم العالم على لسان الرائد بينيت بالنفاق، لأنه لم يعترف بضم الجولان إلى كيان الاستيطان.”؟!
ومن حزن وأسف، ما بعدهما حد لحزن وأسف، أن هذا الذي يجري، ويغري الأعداء بنا، ويجعلهم يغالون في التطاول علينا، والتمادي في هضم حقوقنا، وفرض ما يريدون بإرادة فوق إرادتنا، وحتى يذهبون إلى” ازدرائنا”؟!.. من حزن وأسف أنه يتم، بعد أن تكشفت للعدو الصهيوني ولغيره من القوى والدول، وتكشفت أيضاً للناس، في أنحاء كثيرة من العالم، ولعرب من العرب، وللسوريين بصورة خاصة: حقائق مرعبة عن واقع الحال وسوء المآل، وبدا عارياً ما أنتجته الحرب على الأرض وما زرعته في الأنفس من كراهية وأحقاد، وما تنذر به الأحداث الدامية وتطوراتها من فظائع وكوراث قادمات أو محتملات، أو مما تضج به التهديدات المتبادلة بين أبناء الوطن، وبين المتحاربين على أرضه و” من أجله؟!”.. حقائق كان الخيال ذاته يعجز عن تصورها، بَلْهَ عن تصور حدوثها، مما هو معروف للقاصي والداني وموصوف لمن يتابع الوقائع ويعرف الظروف.
في هذا الإطار، وكبداية أو كتمهيد، لإعلان المطامع والمطالب الصهيونية، قال نائب رئيس الأركان، يئير غولان، في جامعة تل أبيب، في 2 يونيو 2015: “الجيش السوري لم يعد موجوداً فعلياً”، وبسبب ضعف الأسد وتركيز حزب الله على الحرب في سوريا، “فإن وضعنا أفضل من أي وقت آخر في الجبهة الشمالية، من الناحية الاستراتيجية”. لكن الوضع الامني ما زال يحمل في طياته الكثير من المخاطر”./هآرتس – مقال – 2/6/2015
وبعد أيام قليلة، وتحديداً في يوم الأحد ٧ يونيو ٢٠١٥، قال وزير التربية والتعليم في الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، رئيس حزب ” البيت اليهودي”، أمام مؤتمر هرتزيليا السنوي: “أنادي المجتمع الدولي “قفوا معنا واعترفوا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان الآن.. الحدود تتغير كل يوم.. سوريا لم تعد موجودة كدولة. لهذا فقد آن أوان المبادرة.”.. لمن تريدوننا أن نعطي الجولان؟! وقال: “إن على إسرائيل أن تزيد عدد المستوطنات في الجولان إلى أربعة أمثالها خلال الأعوام الخمسة المقبلة.”. وتغيير الطابع السكاني في الجولان هدف رئيس من أهداف العدو الصهيوني في الجولان، وقد دمر مئات القرى فيه، بعد تدمير القنيطرة عام ١٩٧٤، وأقام عدداً مما يسميه ” مستوطنات”، وزرع في الجولان ٢٣ ألف صهيوني منذ احتله عام ١٩٦٧.
والرائد بينيت هذا، كان رئيس مجلس المستوطنات، ورئيس ومحرض قطعان المستوطنين الوحوش في الضفة الغربية، وهو صنو نتنياهو في كل شيء تقريباً، إلا أنه، بحكم المعارضة السياسية، يزاود عليه في العنصرية، ويهرب إلى الأمام، ويتطرف بما يزيد على باروخ غولدشتاين الذي ذبح المصلين وهم سجود في المسجد الإبراهيمي في الخليل، فأقيم له تمثال في ” قريات أربع” قرب الخليل، وعلى الإرهابي مائير كاهانا، وساهما من إرهابيي الكيان العنصري الصهيوني.. فهو يعارض قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية التي تحتلها “إسرائيل”، ويريد أن يضاعف المستوطنات اليهودية فيها، وأن يضم كل المستوطنات والقدس إلى دولة يهودية صافية ” مشروع يهودية الدولة” الذي يطالبون به جميعاً.. وأن يُعطي للفلسطينيين فُتاتاً مما يتبقى لهم من الضفة الغربية، وصيغة حكم أقل من الحكم الذاتي تحت السيادة الإسرائيلية، ليزرعوا ويقلعوا ويقدموا المحصول للمحتلين، “حامدين شاكرين؟!”؟. وهذا النمط اليهودي ” نمط البيت اليهودي” وغيره، ليس شاذاً في كيان الإرهاب العنصري الصهيوني، فهم طينة واحدة برؤوس عدة هي رؤوس الأفاعي، من وايزمن إلى بينيت وما بعدهما. ومن المفيد التوقف عند بعض ما يرى الرائد بينيت، في محاولة لفهم نظريته ونظرته ونظرة غيره من أفاعي البوتقة العنصرية الإرهابية العجيبة، التي تغلي بالحقد على العرب والمسلمين، على الحقيقة والقيم والدين، في فلسطين المحتلة. الرائد بينيت يختلف مع الصهاينة ” المعتدلين” في الأسلوب، وليس في النظرة المفاهيمية الجوهرية للأمور، فالعجينة العنصرية العدوانية ومفاهيمها واحدة وثقافتها واحدة!!.. ففي حين يرى هو وأمثاله من المتطرفين أن مستقبل “إسرائيل” تقرره القوة وحدها، ويجب أن يُفرَض بالقوة على كامل أرض الحلم الصهيوني، وعلى من هم في أرض ذاك الحلم، وعلى من يطالبون بها.. يرى آخرون، ممن يسمون صهاينة معتدلين، أن مستقبلها في التنازل عن جزء مما يسمونه جميعاً ” أرض إسرائيل؟!”، في سبيل السلام ومستقبل اليهود.؟! وهذا ما أوضحته ودافعت عنه ستيبي ليفني، المكلفة بالتفاوض مع الفلسطينيين، عندما اختلفت مع بينيت عام ٢٠١٤ حول منح الفلسطينيين دولة. فقد قالت له:“هل تعرف يا بينيت؟ أنا أيضًا أعتقد في الحق التاريخي لشعب إسرائيل على كل أرض إسرائيل، ولكنني خلافًا لك، أعتقد أيضًا في حق الشباب والأجيال القادمة في العيش في دولة يهودية وديمقراطية، أ- تأمين تلك الدولة، ب- دولة ذات حدود معترف بها، ج- دولة تعتبر جزءًا من العالم الحر، وهي الدولة التي سيمكنهم أن يفخروا بها، وبالصهيونية التي أنشأتها.. اهتمامي ليس بإقامة دولة للفلسطينيين، ولكن لإعطاء شبابنا هذه الدولة، وهذا المستقبل في أرض إسرائيل.“. على أن أفضل من يعرف نمط بينيت هذا وأمثاله، هم اليهود الصهاينة المختلفون معه.. وأسوق هنا ما قاله عنه ألون بن مائير Alon Ben-MeR في ١٣ شباط ٢٠١٥”، حيث قال: من الصّعب التخيّل كيف استطاع شخص منحرف وضلاليّ ومدمّر مثل نفتالي بينيت، زعيم حزب “البيت الإسرائيلي”، أن يصعد للشهرة في حين أنّه يتبنّى علنا ً أجندة سياسيّة عنصريّة. ولا يجوز أن يوضع مصير البلد أمانة ً في أيدي منافق متواطىء مثل نفتالي بينيت. هو دجّال أجندته السياسيّة التي تشبه قوس القزح ليست سوى غطاء لخطة ماكرة تحرم الفلسطينيين من إقامة دولة ٍ لهم، ولكنه لا يدرك بأنه يدفع بذلك إسرائيل أقرب فأقرب إلى الدمار الذاتي.”. هذا قول بن مائير في بينيت.. وكل أولئك عقدة الأفاعي في بوتقة واحدة.
لكن ماذا عنا نحن، وماذا عن حروبنا، ودمائنا، وما يسبب ضعفنا وعجزنا عن قول لا ذات معنى فيما يتعلق بجولاننا، وفلسطيننا، وحقوقنا، وأسرانا، والمعتقلين في سجون الاحتلال الصهيوني من أبنائنا..؟! وماذا عن أطفالنا، ونسائنا، وعن أجيال الشباب من مواطنينا، وعن المشردين من ديارهم من ذوينا، مواطنينا.. ليس في سوريا الحبيبة وحدها، بل في وطن العرب بصورة عامة، ذاك الذي تنوشه كلاب أراذل الأمم، فلا ” يهش ولا ينش”، وتتناهبه الصراعات، وتعصف به العاصفات، فيحني للمصائب هامات؟! نتكلم عن الوطن الثري، ذي الإرث الروحي – الحضاري الأغنى من الغنى.. ذاك الذي يقتل أبناءه، أو يأكلهم أحياء، بطرق لا تبني إنساناً ولا شعباً ولا وطناً ولا تؤوس في هذه المرحلة من عمر الزمن لبناء.. الوطن الذي يمول حروباً على ذاته، وعلى ثرواته وخيراته، على حاضره ومستقبله ومآلاته، ويفعل ذلك بوحي من أعدائه أو لمصلحة أعدائه؟!.. الوطن الذي يعجز، أو يراد له أن يعجز، عن الرؤية، وعن التمييز إذا رأى، وعن تحويل المدركات إلى حسابات، وتحويل الإدراك إلى إرادة خيرة وقرار يحيي الموات، ويدفع العدوان والضيم والذل عن الذات، وعن كل فرد من أبنائه، هو جزء من تكوين الذات؟! لا شيء.. لاشيء في حديثنا اليوم عنا اليوم، فلقد قيل أكثر بكثير مما يمكن أن يقال، ومما يطول فيه المقال وتوصيف الحال.. ولم يبق ما يمكن أن يُضاف على أوصافنا الراهنة من أوصاف، ولا على شرح أوضاع أمة كريمة، يذبح بعضها بعضاً بجنون، وتفتنها الفتن، فتذهب بشراسة في مسارات نهاياتها المنون.. لم يبق إلا أن نذكر كل من يعنيه أن يتذكر، أن شعلة الأمة في الروح، كل روح، تشب، قد تفتر نارها، وقد تذبل، لكنها أبداً لن تنطفئ، وسوف تتجدد، وتنهض، وتجمع شتاتها لتكون، فتلك أمة كانت لتبقى، وستبقى لديها إرادة أن تكون.
بقي شيء نقوله باختصار شديد جداً إلى أولئك الأعداء الذين يريدون قسماً من لحمنا ودمنا، من أرضنا وكياننا، من كرامتنا ووجودنا.. بتوهم أننا انتهينا، أو أننا شارفنا على الانتهاء، لأولئك نقول: ” أيها العابرون في أرضنا وفي فترة من زماننا.. نحن أمة لن تموت، وقد مر بنا الغزاة وزالوا وبقينا أمة تتجدد، الفينيق نحن، نولد كل يوم على مشارف الصباح، وإذا مات بعضنا فإنه يحيي بعضنا.. ودمنا إذ يسيل يستنبت رجالاً ونساء وأطفالاً وشباباً.. ينبت وعياً ومستقبلاً، ويعدنا حضوراً في الحياة والتاريخ والحضارة. سورية الدولة باقية وليست نهباً للضباع، وبلاد الشام التي منها فلسطين المحتلة، باقية في الضمائر وفي مخازن الذاكرة ومساحات الوعي.. رغم حملات الترويع والتشويه، ورغم شهوات الحكام والمستبدين والظُّلام، والجولان، الجولان كله، وفلسطين.. كل فلسطين من النهر إلى البحر، عربية وستعود لنا، ونعود لها.. لم ينته التاريخ، التاريخ لا ينتهي، ولا يتوقف، وتكتبه الإرادات الحية في كل وقت.. التاريخ لا يتوقف، ولا ينتهي.. التاريخ لا ينتهي ” هل تفهمون وتدركون وتعقلون؟!”.. ولنا على مدى التاريخ تاريخ نجد فيه الكثير الكثير مما يُعْتَزُّ به، ولكم ذل مقيم في التاريخ. تعرفون.. ويعرف العارفون المنصفون أن الأمم الحية قد تسهو، وقد تغفو، وقد تكبو، وقد تنام.. لكنها لا تموت أبداً، وتتجدد دائما، وللحضارات وللحقائق جولات.. فلكم جولة الباطل، ولنا حقائق الدهر، والدهر كله جولات.. فلا يفرحَنْ جاهلكم، ولا يغرنَّكم الغرور، وعلى المفتون بالقوة منكم، وعلى من تأكله الغطرسة فيكم أن يصحو أو أن يتذكر.. فإن للباطل جولة، وإن غداً لناظره لقريب، وإننا أمة حية، جسدها العروبة وروحها الإسلام.
وبعد .. فمنا على من اتبع الهدى، سلام.

إلى الأعلى