الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / تل دوثان في فلسطين .. أهمية تاريخية ودينية
تل دوثان في فلسطين .. أهمية تاريخية ودينية

تل دوثان في فلسطين .. أهمية تاريخية ودينية

يعود إلى العصر البرونزي القديم وتوالت عليه تسع عشرة حقبة تاريخية

رام الله ـ العُمانية:
فيما يشبه لوحة فنيه غاية في الدقة وجمال الصنعة، يترامى سهل عرّابة شمال فلسطين المحتلة بمساحات تتجاور فيها الألوان الأصفر والبنّي والأخضر.على بعد عشرة كيلومترات جنوب مدينة جنين، وكيلومترين اثنين عن بلدة عرّابة، وبمحاذاة سهل عرّابة من الناحية الشرقية، يقع تل دوثان ذو الطبقات الرملية التسع عشرة، وفي أسفل التل تقع بئر الحفيرة التي تحمل من الحكايا والأسرار أجملها وأكثرها تشويقاً. فتلك البئر بحسب الروايات المتوارثة هي التي احتضنت سيدنا يوسف عليه السلام عندما قام إخوانه أبناء سيدنا يعقوب عليه السلام بإلقائه فيها قبل أن يلتقطه السيّارة القادمون من دمشق ليأخذوه معهم إلى مصر. ويقول رئيس بلدية عرّابة أحمد العارضة في تصريح له: إن كثيراً من الحفريات جرت في تل الحفيرة أو تل دوثان، وكان آخرها ما قام به طلبة المدرسة الأميركية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، إذ كشفت بحوثهم عن تَوالٍ سكني في المنطقة يشمل تسع عشرة حقبة تاريخية رئيسية، وأهمها الحقبتان البرونزية والكنعانية، حيث عُثر على قطع أثرية عديدة. ويوضح العارضة أن التل هو تل اصطناعي نشأ عن التراكمات التي خلفها السكن المتواصل للإنسان في المنطقة، وأن السبب في نشأة المدينة الكنعانية “تل دوثان” هو وفرة المياه المتدفقة من النبع الواقعة مباشرة عند نهاية سفح التل الأثري من الجهة الجنوبية. ويضيف أن النبع كانت تكفي حاجة المدينة والقوافل التجارية المارّة بالموقع، وأن قرب التل من سهل عرّابة الذي يعد من أخصب السهول الداخلية في فلسطين، والذي تبلغ مساحته 40 ألف دونم، كان سبباً مباشراً لنشأة تل دوثان. ويلفت العارضة إلى أن أهمية التل تكمن في أنه كان يشرف على أهم الطرق التاريخية التي تربط شمال فلسطين بجنوب دمشق ومدينة القدس، ومن ثم إلى مصر جنوباً، حيث تتقاطع هذه الطريق مع طريق أخرى قادمة من شرق الأردن عبر وادي الأردن باتجاه موانئ البحر المتوسط غرباً، وتحديداً ميناء قيساريه على الساحل الفلسطيني. ويدلل العارضة على ذلك بأن هذا الموقع ما زال يُعرف حتى يومنا هذا بموقع المحطة، أي الاستراحة التجارية، فهو يعد منذ العصر البرونزي محطة لاستراحة المسافرين، وقد أقيمت في العهد العثماني استراحة فيه لخط الحديد الحجازي. ورغم أن المسوحات كشفت وجود بقايا أثرية تعود إلى العصر الحجري النحاسي، إلا أن نشوء المدينة بشكل منظم يعود إلى العصر البرونزي القديم (3200 ق.م)، وقد استمرت أهمية المدينة في العصور البرونزية المتأخرة وفي العصر الحديدي، وشهدت استيطاناً جزئياً في العصرين الهلنستي والروماني، أما في العصر المملوكي فقد أقيم على أنقاضها خان تجاري وقلعة عسكرية. وعن أهم ما تم الكشف عنه في المنطقة، يقول رئيس بلدية عرّابة إن الحفريات أظهرت العديد من القطع الأثرية التي لم يتم حصرها بشكل نهائي، فعلى السفح الغربي للتل تم اكتشاف مقبرة تعود إلى العصر البرونزي المتأخر، كانت تضم العديد من الهياكل العظمية وثلاثة آلاف قطعة أثرية وأوانٍ فخارية قديمة. ويبين أن جزءاً من تلك القطع موجود اليوم في المتحف الفلسطيني في القدس المحتلة (متحف روكفلر) الذي يسيطر عليه الاحتلال الإسرائيلي، وهناك جزء آخر موجود في المتحف الوطني في جبل القلعة في العاصمة الأردنية عمّان. ويكشف العارضة أن هناك مجموعة أثرية أخرى تضم آلاف القطع ما زالت تتنقل بين مراكز الأبحاث الأثرية في الولايات المتحدة الأميركية، بهدف إجراء الفحوصات عليها، وهو ما يحرم المنطقة من تطويرها كموقع أثري مهم، خاصة أن القطع الأثرية المنتزعة من المكان تصلح لأن تكون متحفاً أثرياً كاملاً يحمل قيماً عالمية، إضافة إلى الأهمية الدينية للموقع بالنسبة للديانات السماوية الثلاث. ويقول رئيس البلدية: بالإضافة إلى وجود جُبّ يوسف، شكلت المنطقةُ الطريقَ التي سلكها سيدنا عيسى عليه السلام في طريقه إلى الناصرة والجليل ومن ثم العودة إلى بيت لحم، وهي الطريق المعروفة بمسار الحج المسيحي، حيث بدأ المسيحيون يحرصون على زيارة المكان تخليداً لذكرى الأنبياء والرسل. ويرى رئيس بلدية عرّابة أن الجريمة الكبرى بحق هذا الموقع الأثري تكمن في بسط الاحتلال سيطرته على المكان وإهماله، ما يوفر الفرصة لضعاف النفوس والساعين وراء الربح السريع إلى تدمير طبقات الموقع وسرقة آثاره وبيعها في السوق السوداء التي تؤمّنها “إسرائيل”، وبالتالي وصول هذه القطع الأثرية إلى المتاحف الإسرائيلية.

إلى الأعلى