الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سلطان يوك

سلطان يوك

” كما كان الاقتصاد ورقة أردوغان وحزبه الرابحة أصبح الآن كارت الخسارة والتراجع. أما مواقف أردوغان الخارجية فلم يهتم الأتراك إلا بتبعاتها الداخلية، وفي مقدمتها بالطبع موقفه من الصراع في سوريا وممالأته للجماعات الإرهابية والمتشددة وتذبذب علاقاته مع إيران من ناحية ودول الخليج من ناحية أخرى. ورغم أن الأتراك متدينون في أغلبهم، إلا أن ما يؤثر في حياتهم وتحسين سبل معيشتهم يتقدم عند اختيارهم لحكامهم.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النتيجة الرئيسية للانتخابات العامة التركية هي أن رغبة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزبه “العدالة والتنمية”، في تغيير النظام الأساسي للجمهورية التركية أصبحت بعيدة المنال إلى حد ما الآن. ذلك التغيير الذي أراد به أردوغان تحقيق أحلامه “السلطانية” بتحويل تركيا إلى النظام الرئاسي المطلق بدلا من مشاركة البرلمان الرئيسية في السلطة. وكان أردوغان بدأ في السنوات الأخيرة التمهيد لذلك، بإضعاف نفوذ المؤسسة العسكرية ـ التي ظلت الحامي الرئيسي لتركيا الأتاتوركية لعقود ـ ثم التخلص من “رجل الدولة” الوحيد في حزبه عبد الله غل. وافتعل معارك وهمية مع منافسه السلفي “عبد الله غولن” لتهيئة الأجواء لأن أردوغان وحزبه يعتبران نفسيهما هما “الإسلام المعتدل” الذي يحمي الأمن القومي ومصالح البلاد لكنهم بحاجة لسلطة مطلقة.
ومنذ صعد حزب التنمية والعدالة للسلطة مطلع القرن، واردوغان يعد نفسه لليوم الذي يصبح فيه “سلطانا عثمانيا”، ولا ننسى الرمزية الواضحة في قراره في فترة رئاسته الأولى للحكومة بعد انتخابات 2002 ببناء مكتب له في “دولمه بهجة” قصر السلطان عبد الحميد على البوسفور في اسطنبول. وظل اردوغان يعمل من اسطنبول اكثر مما يعمل من انقرة، العاصمة السياسية الرسمية للبلاد. وانتقل اردوغان من رئاسة الحكومة لرئاسة البلاد، مزيحا عبد الله غل من الحزب والسلطة ومصعدا احمد داود أوغلو في الحزب ولرئاسة الوزارة. كان رهان أردوغان على استمرار الزيادة في شعبية حزبه ليتمكن من تعديل الدستور دون الحاجة للدعوة لاستفتاء بموافقة ثلثي نواب البرلمان، لكن الآن لن يكون بالامكان تعديل الدستور من البرلمان باغلبية حزب العدالة والتنمية، وحتى إشعار آخر فأردوغان “سلطان يوك” ـ أي لا سلطان.
يتندر البعض بأن تجاوز أردوغان بالدعاية لحزبه، بينما هو رئيس للبلاد كان يتعين عليه النأي بنفسه عن الحزبية، ساهم في تراجع شعبية الحزب لصالح المعارضين. لكن الحقيقة أن الزخم الذي بدا به حزب العدالة والتنمية اكتساح وتسيد الساحة السياسية التركية منذ مطلع القرن أخذ في الفتور لأسباب عديدة. ولا تتعلق المسألة بكون الحزب “حزب مبادئ وأخلاق” كما يقول زعماؤه، وبالتالي أن الاتراك بدأت تتراجع مبادئهم وأخلاقهم. ولا حتى ما يتصور البعض من تأييد الحزب للإخوان في المنطقة وسعيه لفرضهم في دولهم. إنما أهم أسباب التراجع تركية داخلية بالأساس، دون أن ينفي ذلك بعض عوامل السياسة الخارجية بالطبع. أول تلك الأسباب هو للمفارقة العجيبة السبب الذي جعل شعبية حزب أردوغان في تصاعد لأكثر من عقد من الزمن وهو الاقتصاد. فقد حقق الاقتصاد التركي قفزات هائلة منذ مطلع القرن ليصبح الانجاز الأهم للحزب انتخابيا. فقد تولى أردوغان السلطة والاقتصاد التركي في الحضيض وتمكن عبر قرارات اتسمت بالجرأة من قلب الآية تماما ليصبح واحدا من أسرع الاقتصادات نموا في دول الاقتصادات الصاعدة. وعندما حدثت الأزمة المالية العالمية قبل نحو ست سنوات لم يتأثر بها الاقتصاد التركي، بل على العكس كانت الاستثمارات (الأموال الساخنة) تفر من دول العالم إلى البورصة التركية.
لكن النمو الاقتصادي السريع اعتمد على جذب استثمارات هائلة عبر بيع الأصول أكثر منه على بناء قاعدة اقتصادية منوعة وقوية، وكان لهذا اثر سياسي آني كبير لكنه غير مستدام. فقد تحولت الطبقة الوسطى إلى مشاريع “رجال أعمال” حيث يطمح الكل للثروة السريعة في ظل وفرة أموال كبيرة. وحين أخذت الأمور في الاستقرار في السنوات الأخيرة، لم تعد هناك أصول للبيع وبدأت بعض الاستثمارات الطيارة في الخروج من البلاد ونتيجة سياسات نقدية مدبرة استنفد قطاع التمويل فرص تغذية الاقراض الشخصي وللأعمال. وبدأ كثيرون من الطبقة الوسطى والعمال والمزارعين يفيقون على أن المستقبل ليس ورديا تماما وأن فرص الكسب السريع والتحول لمليونيرات تتضاءل إن لم تنعدم أو تكاد. أضف إلى ذلك ان التحول الاقتصادي صاحبه فساد طال أعلى مستويات السلطة وقيادات الحزب الحاكم ما جعل الناس العادية تفقد بعض الثقة في قدرة هذه المجموعة على تحقيق آمالها وطموحاتها.
وهكذا، كما كان الاقتصاد ورقة أردوغان وحزبه الرابحة أصبح الان كارت الخسارة والتراجع. أما مواقف أردوغان الخارجية فلم يهتم الأتراك إلا بتبعاتها الداخلية، وفي مقدمته بالطبع موقفه من الصراع في سوريا وممالأته للجماعات الإرهابية والمتشددة وتذبذب علاقاته مع إيران من ناحية ودول الخليج من ناحية أخرى. ورغم أن الأتراك متدينون في أغلبهم، إلا أن ما يؤثر في حياتهم وتحسين سبل معيشتهم يتقدم عند اختيارهم لحكامهم. لذا لم تكن لمواقف أردوغان المتشددة في دعمه لجماعات كالإخوان وغيرها أثرها المرجو سياسيا له ولحزبه. فلم يشعر الأتراك إلا بأن ذلك لا يفيد اقتصاديا، بل على العكس ربما يخسرون بسببه. ومع أن حزب العدالة والتنمية يبقى المتقدم في نتائج الانتخابات، إلا أن تشكيله حكومة اقلية في الأسابيع المقبلة لن تساعد كثيرا في تحقيق طموحات أردوغان بتغيير الدستور وطرحه للاستفتاء العام.
بالطبع لن يستسلم أردوغان، وسيظل يسعى لتحقيق طموحاته، لكن من الصعب القول بأن ذلك سيكون بذات الدرجة من القبول الشعبي الذي كان ممكنا قبل عدة سنوات.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى