السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (4 ـ 4)
القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (4 ـ 4)

القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية (4 ـ 4)

قراءة في ندوة :”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة”

ـ زواج غير المسلم بمسلمة محرم بلا استثناء سواء أكان الرجل كتابياً أم مشركاً وثنياً، وهذا الحكم منصوص عليه قطعياً

ـ من ضوابط التعامل الاجتماعى مع أهل الكتاب تشريع الإسلام للتعامل الخاص معهم فى مائدة الطعام والمصاهرة

ـ الحوار وسيلة من وسائل تبادل وجهات النظر ولإقناع الطرف الآخر بما اقتنع به الطرف المحاور من خلال الحجج والبراهين

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرون وباحثون من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت أوراق عمل وبحوثاً هامة.
وضمن تلك البحوث والأوراق المقدمة .. ورقة عمل بعنوان:(القواعد الكبرى للتعايش السلمي من خلال القواعد الكلية) للباحث عبد العزيز العوضي.

يقول الباحث حول المطلب الأول وهو (طعام أهل الكتاب): أبدأ بطعام أهل الكتاب حيث بدأ القرآن به حين قال تعالى:(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ) ، حيث ان الطعام على عمومه هو كل ما يطعم ويؤكل، ومنه الذبائح، ومن هذه الآية استدل البعض على أن جميع طعام أهل الكتاب من غير تمييز بين اللحم وغيره حلال للمسلمين، وهذا بالطبع يتحدد بما يحل أكله طبقاً لشريعة الإسلام، فالخمر والميتة وما فى معنى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح لغير الله مع العلم بذلك محرمة على المسلمين، وإن أكلها أهل الكتاب، ويكون الطعام أيضاً مما يستلذه أكله ويستطيبه مما أحله الله للعباد. ويستوى فى ذلك ما أحله أهل الكتاب وما حرمه على أنفسهم كالشحم، لأن المرجع للمسلمين ما أحلته شريعة الإسلام وما حرمته، ولأن شريعتهم منسوخة بشريعتنا، فسواء ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم فهو فى وقت شريعة الإسلام أمر باطل كما أكد عليه الفقيه ابن رشد (520 ـ 595هـ)، كما ان الطعام على خصوصه المقصود بهذه الآية هو الذبائح كما ذهب إليه أكثر المفسرين، أما حل سائر أطعمة أهل الكتاب غير الذبيحة فمأخوذ من إجماع المسلمين كما حكاه ابن رشد والقرطبى، لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه.
وقال: ونظراً لمعتقداتهم فقد يساور القلب الشك فيما إذا كانوا يذكرون اسم غير الله على الذبح. ومن منطلق التعامل بالظاهر لم يعثر على خلاف بين العلماء فى حل ذبائحهم عند عدم العلم بذلك، وليس من اللازم التحرى والسؤال عن هذا الأمر، ولهذا الموقف سنده من سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وذلك أن أهل خيبر أهدوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) شاة مصلية وقد سموا ذراعها وكان يعجبه الذراع فتناوله فنهش منه نهشة فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه وأثر ذلك فى ثنايا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفى أبهره وأكل منها بشر بن البراء بن معرور فمات فقتل اليهودية.
موضحاً بقوله: وإذا علمنا أنهم ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله فهنا موضع الكلام بين العلماء، وتدخل فى هذه المسألة الفروع الآتية: إذا ما ذكر عزير أو المسيح مع الله على الذبح، وإذا ذكر غيرهما مع الله، وما ذبح للكنائس والأعياد.
بالنسبة للمسألة الأولى أنه من المعلوم قرآنياً أن اليهود والنصارى يقولون فى الله بما يتنزه عنه. وهو قولهم ببنوة عزير وعيسى وأن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومع ذلك أذن الله فى طعام أهل الكتاب، وبمعتقداتهم هذه من المحتمل إن لم يكن من المؤكد أنهم يذكرون اسم عزير أو المسيح أو روح القدس مع الله عند الذبح ولذلك يقول أحد المشايخ المالكية أبو الفتح بصر بن إبراهيم النابلسى:(إن الله سبحانه أذن فى طعامهم وقد علم أنهم يسمون غيره على ذبائحهم، ولكنهم لما تمسكوا بكتاب الله وتعلقوا بذيل نبى جعلت لهم حرمة على أهل الكتاب).
وقال: ولكن لو فرض أن علمنا أنهم يذكرون اسم غير ما يعتقدون بألوهيته مع الله من الأشخاص والأشياء على ذبائحهم أو لا يذكرون اسم الله عمداً إلى جانب عزير أو المسيح فالظاهر عدم حل ذبائحهم للمسلمين حينئذ، لأنهم بذلك خرجوا عن إطار اعتقادهم المعروف إلى الشرك على نحو أبعد وبالتالى تدخل ذبيحتهم تحت قوله تعالى:(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) ، وبالنسبة لذبيحتهم للكنيسة أو الأعياد فإن الإمام مالك كرهها، والإمام الشافعى حرمها وأباحها أشهب من المالكية، وعن الإمام أحمد: إن ذبح كتابى ذبيحة وسمى الله وحده حلت، وإن علم أنه ذكر اسم غير الله عليها أو ترك التسمية عمداً فلا تحل فى رواية عنه، وفى رواية ثانية قال بالكراهة، وفى رواية ثالثة قال بالإباحة.
مؤكداً بأن سبب اختلافهم تعارض عمومى الكتاب فى هذا الباب، وذلك أن قوله تعالى:(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ)، ويحتمل أن يكون مخصصاً لقوله تعالى:(وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) . ويحتمل العكس، إذ كان كل واحد منهما يصح أن يستثنى من الآخر. فمن جعل الثانى مخصصاً للأول قال بعدم حل ما ذبح للكنائس والأعياد، ومن عكس الأمر قال بالجواز، أما القول بالكراهة فمن أجل الجذر والاحتياط، والذى يظهر لى أنه ماداموا فى إطار اعتقادهم المعروف والمنوه فى القرآن فذبائحهم للكنائس والأعياد مما أحله الله للمسلمين بالآية وإلا فلا، ولذا روى عن عمير بن الأسود أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذبح لكنيسة يقال لها جرجس أهدوه لها، أتأكل منه؟ فقال أبو الدرداء:(اللهم عفوا إنما هم أهل الكتاب، طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم وأمر بأكله). والله أعلم. وإلى هذا ذهب عبادة بن الصامت وابن عباس والزهرى ومكحول، ومما يدل على أن أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى الحديث للندب لا للوجوب ما روى أن عمر ابن الخطاب توضأ من جرة نصرانية، كما رواه الدار قطنى وصححه، ويتفرع على حل أطعمة أهل الكتاب جواز تبادل الهدايا بين مسلم وكتابى فيجوز للمسلم أن يقدم هدية لكتابى كما يجوز له قبول هدية منه ويكافئ عليها، وذلك لأن أمر الهدايا ليس بأخطر من أمر الأطعمة، من حيث إن الهدايا قد لا تكون طعاماً فلا تتسرب فى الدم يأكلها وفضلاً عن هذا ثبت أن النبى (صلى الله عليه وسلم) أهدى إليه الملوك فقبل منهم وكانوا من غير المسلمين.
وحول المطلب الثاني (التزاوج بين المسلمين وأهل الكتاب) اشار الباحث الى انه يتفرع الى نوعين هما: أولاً ـ زواج المسلم بكتابية: فليس هناك خلاف ذو بال فى جواز نكاح المسلم بكتابية من نصرانية أو يهودية، لأنه مما ثبت فى القرآن بوضوح وإن لم يصل إلى درجة الإجماع بين المسلمين. وهذا ما دعا ابن المنذر إلى القول بكل تأكيد أنه (لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك)، وصرح صاحب المغنى فى نفس الاقتناع قائلاً:(ليس بين أهل العلم بحمد الله اختلاف فى حل حرائر نساء أهل الكتاب)، كما قرر ابن رشد بأن العلماء:(اتفقوا على أنه يجوز أن ينكح الكتابية الحرة)، إذاً فالمسألة شبه إجماع وإن لم يصل إلى درجة الإجماع، لذلك لم يصرح الفقهاء بكلمة الإجماع، بل اكتفوا بكلمة تدل على اتفاق، ذلك لأن وجود القول المخالف لا يمكن إنكاره، حتى وإن صدر من القلة مع ضعف ما تستند إليه، وهو ما روى عن ابن عمر (رضى الله عنهما) وما قد يفهم خطأ من سياسة عمر بن الخطاب، ثم قول الشيعة الإمامية وبعض الزيدية، فمن القرآن هو قوله تعالى:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ)، ووجه الدلالة: ذكرت الآية أن المحصنات من أهل الكتاب تحل للمسلمين كالمحصنات المسلمات والظاهر أن المحصنات هنا هن العفائف ولسن الحرائر، إلا ان ذكرها ليس فى موضع الشرط وإنما للندب والأفضلية، كما لم تفرق الآية بين الذمية والحرية فيشمل الحل كل كتابية، وما رواه جابر بن عبد الله عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (تتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا) ، وما روى عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال فى المجوس:(سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحى نسائهم ولا آكلى ذبائحهم)، ووجه الدلالة: ذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) حل الكتابية للمسلم ونفى حل المسلمة للكتابى كما نفى حل المجوسية للمسلم، فلو لم يكن نكاح نساء أهل الكتاب جائزاً لم يكن لذكره قائدة، وحاول المعترض توجيه الاعتراض بأنه يحتمل أن إباحة الكتابيات إنما كانت فى بداية الإسلام فى زمن قلة النساء المؤمنات، ورد الاعتراض بأن الاحتمال المزعوم لا يستند إلى دليل، لأن العمل بما تفيده الآية والأحاديث جار حتى بعد انتشار الإسلام وقوة المسلمين وكثرة سوادهم.
وقال: أما النوع الثاني من المطلب الثاني للبحث فقال الباحث: هو (زواج الكتابى بمسلمة): فإذا كان الإسلام قد ميّز بين الكتابية وسائر النساء الكافرات من حيث حل الزواج بهن، فإن هذا التمييز لا ينطبق على الكتابى وسائر الكفار، فزواج غير المسلم بمسلمة محرم بلا استثناء سواء أكان الرجل كتابياً أم مشركاً وثنياً، وهذا الحكم منصوص عليه قطعياً ومجمع عليه بين المسلمين، وإن حدث الزواج بطل من تلقاء نفسه بطلاناً مطلقاً. ولا ينقلب صحيحاً بإسلام الرجل حتى يجدد العقد بعد إقراره بالإسلام وإن دخل بها فهو سفاح، وإن أنجبت منه ولداً لم يثبت له نسب، ومن واجب المسلمين المسارعة إلى التفريق بينهما بوسائل ممكنة، ولا تثبت للمرأة عدة، لأن هذا الزواج باطل أصلاً فكان لم يكن، وارتكاب هذا الفعل المحرم يلزم العقوبة فتعزر المرأة والولى ويعاقب الكافر المتطاول بعقوبة قاسية رادعة بما يراه الإمام مناسباً عند الجمهور ومنهم ابن القاسم من المالكية، وتصل عند مالك إلى القتل حداً، لأنه أصبح ناقصاً للعهد والأمان الذى عقده مع المسلمين. وفى حالة عدم قدرة المسلمين على توقيع العقوبة، لأن النظام القانونى الذى يحكمهم لا يسمح لهم بذلك، عليهم بذل ما فى الواسع لتفريق هذا الزواج الباطل والتوقى من حدوثه.
موضحا بأن الدليل من القرآن قوله تعالى: (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) وقال عز من قائل: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنْفَقُوا) ، تفيد الآيتان على وجه القطع حرمة زواج غير مسلم على العموم بمسلمة، لعدم ورود ما يخصصها من آية قرآنية أو سنة، والتكرير فى قوله تعالى: (لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ). يفيد التأكيد والمبالغة فى الحرمة وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك، وقوله:(وَآتُوهُم مَّا أَنْفَقُوا) أمر على المسلمين بإعطاء الزوج الكافر ما أنفقه على زوجه إذا أسلمت وبقى هو على كفره، فلا يجمع خسران الزوجية والمالية، وهذا من سماحة الإسلام مع المشركين، وإذا كانت المرأة المشركة تحت الزوج المشرك حرمت عليه بإسلامها، ولا تحل بعد ذلك، فلا يمكن أن يقال بإباحة أن يقال ابتداء عقد نكاح الكافر المشرك على المسلمة.
أما الدليل من السنة فهو: ما روى عن جاب بن عبد الله أنه قالك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا)، ويقول الطبرى:(فهذا الخبر وإن كان فى إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع على صحه القول به) ، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)، وهذه الأدلة تفيد حرمة زواج كافر بمسلمة وإن كان كتابياً، فالمشرك الوثنى من باب أولى. ولا يسمح بحال أن يعلو كافر على مسلمة، لأنه من باب علو الكفر على الإسلام، فالنكاح فيه معنى القوامة والتسلط للرجل على المرأة، وأكد القرآن هذا النفى:(وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)، وكلمة (الْمُؤْمِنِينَ) تشمل المؤمنات، فذكرها إنما يكون للتغليب.
وقال: أما المطلب الثالث فهو: من ضوابط التعامل الاجتماعى مع أهل الكتاب، ففيما سبق تشريع الإسلام للتعامل الخاص مع أهل الكتاب فى مائدة الطعام والمصاهرة، وفيما يلى تشريع الإسلام للتعامل معهم فى مجال أوسع من مجالات الحياة، حيث ان المسألة الأولى:(إلقاء المودة والولاء لأهل الكتاب)، فإلقاء المودة: وردت نصوص قرآنية متكاملة حول هذه المسألة ليس من المستساغ فصل بعضها عن الآخر، نجد فى القرآن المنصوص التى تنهى عن إلقاء المودة لأهل الكتاب، منها، وقوله تعالى:(لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ)، وقوله:(لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)، ونجد كذلك النصوص التى تشي إلى وجود الصلة المودة بين المسلمين وأهل الكتاب، منها:قوله تعالى:(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى)، وقوله:(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ)، وقوله:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) ، ومن النصوص القرآنية السابقة نفهم أنه من المنهى عنه إلقاء المسلم مودته للمحاربين من أهل الكتاب، لأنهم ممن يحادون الله ورسوله ويوجهون العداوة للمسلمين، كذلك من المنهى عنه إلقاء المودة لأهل الكتاب من أجل دينهم ومنهج حياتهم، أى حيث إنهم أهل الكتاب، لأنهم ليسوا على الحق، فمودتهم بذلك إقرار بالباطل، قال الإمامان الجلالان: أى توالونهم توادونهم، ولنفس الاعتبار كان موقف عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) من زواج بعض الصحابة بالكتابيات، وذلك لأن لا يزهد المسلمين بالنساء المسلمات فيفضلون الكتابيات عليهن، والولاء: ولاء المسلم إنما يكون لله ولرسوله وللمسلمين وينبغى أن يكون المسلمون على وضعهم الطبيعى وهو أن بعضهم أولياء بعض كما أن الكفار بعضهم أولياء بعض، لأنهم على ملة واحدة، وإذا اختل هذا الوضع الطبيعى فى المسلمين تكون فتنة وبلاء مبين.
وقال الباحث: ومن ثم نهى الله المسلمين عن إعطاء ولائهم لغيرهم وإن كانوا أهل الكتاب، بل وإن كانوا من الأقرباء فى النسب، والأصل فى هذا النهى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ) ، وقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
موضحاً بأنه يدخل فى معنى الولاء: مودتهم بالقلب من حيث هم أهل الكتاب، كما سبق القول، كذلك اختيارهم كمن يتولى أمر المسلمين بحيث يحتل مراكز التوجيه على كل المستويات، لأن فى هذا سبيلاً لهم على المسلمين وقد نهى الله عنه، كما يدخل التحالف والتناصر والتظاهر معهم على حساب المسلمين، سواء على الوجه المباشر أو غير المباشر، من ذلك اتخاذ موقف يساعد غير المسلمين فى موقع من المواقع مع الإضرار بالمسلمين فى المحال أو المال، لأنه مادام غير المسلمين يتناصرون فيما بينهم فمحض فكرة التوازن تقضى بأن تقديم بعض المسلمين نصرتهم لغيرهم يزيد من شوكتهم لمواجهة المسلمين أنفسهم إن عاجلاً أو أجلاً، ومادام من الواجب الموالاة وعزيمة التناصر فيما بينهم، وفى هذا تخطى المسلمين إلى غيرهم، وتفضيلهم على إخوانهم المسلمين، فيدخل فى معنى الولاء أن يعامل المسلم غيره معاملة الأولياء (أى المسلمين) فى المصادقة والمعاشرة والمناصرة، لأن المفروض أن يكون المسلم أولى بأخيه المسلم من كل واحد سواه، كما لا يدخل فى معنى المولاة التعاون مع أهل الكتاب على ما يعود على الطرفين بالمصالح المشتركة، لأن هذا ليس على حساب المصالح التنظيمية للمسلمين. بل مما يساعدهم على إقرار السلام الذى هو هدف من أهداف الإسلام. ويعبر الشيخ محمد الغزالى عن هذا فيقول:(التعاون إنما يحصل مع المعتدلين من غير المسلمين، والإسلام فسح الطريق لتعاون شامل بين أهل الاعتدال من ورثة الأديان كلها).
مشيراً الى انه ومن هذا السوابق قرر ابن قدامة أنه: لا خلاف بين العلماء فى جواز الجعل (أى بذل الأجرة المتفق عليها) لمن يدل على ما فيه من مصلحة المسلمين وإن كان كافراً، ولمصلحة المسلمين العلمية قد استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أسرى بدر من المشركين ممن لا مال لهم، فجعل النبى فداءهم أن يعلم كل واحد منهم عشرة من أولاد الأنصار الكتابة، وليس كل واحد من غير المسلمين وإن كان من أهل الكتاب يصلح أن يستعين به المسلمون، فإن اعتبار المصلحة يقتضى الحيطة فى اختيار من يثقون فيه، ومعايير الاختيار تعود إلى نظر المسلمين فى المصلحة فى كل وقت ومكان، كما أنه ليس كل موضع يمكن أن يستعين فيه المسلمون بغيرهم فالأمور العقدية والعبودية لا يمكن بحال من الأحوال الاستعانة فيها بغير المسلمون، كذلك الواقع التدبيرية لرسم السياسة والاستراتيجية إنما يمكن الاستعانة بهم فيها سوى ذلك من الأمور الفنية والمواقع الميدانية والتنفيذية. ومزيد من البيان سيأتى ـ إن شاء الله ـ عند الكلام على حقوق غير المسلمين فى الدول الإسلامية.
وفي ختام البحث قال: تعارف الناس على أن الحوار وسيلة من وسائل الفعالة لتبادل وجهات النظر، ولإقناع الطرف الآخر بما اقتنع به الطرف المحاور من خلال الحجج والبراهين، وعلى ساحة الدعوة يحتل الحوار دوماً أهمية خاصة كوسيلة التعامل مع المثقفين، بل ولعله أنسب الوسائل للسير معهم وقد يكون الحوار مباشراً شفهياً أو غير مباشر عن طريق مقالات مكتوبة، ولقد علمنا الله ورسوله أن نخاطب الناس على قدر عقولهم. فإلى جانب وضع الضوابط للحوار سلك القرآن الكريم فى مناسبات كثيرة مسلك الحوار مع المخاطبين، قدم خلالها أنموذجاً رائعاً ليحتذى به المسلمون فى تبليغ رسالة الإعلام، ومارسه الرسول (صلى الله عليه وسلم) سواء مع المسلمون أنفسهم أو مع أكابر الكفار من المشركين وأهل الكتاب. ثم تأسى به رجال الدعوة على مر الزمان حتى أصبح الحوار علماً عرف بعلم الجدل والمناظرة.

إلى الأعلى