الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / طارق عزيز … خسرته الصحافة وربحته الدبلوماسية

طارق عزيز … خسرته الصحافة وربحته الدبلوماسية

احمد صبري

لعل قول الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل إن “طارق عزيز خسرته الصحافة، وربحته الدبلوماسية”يعبر عن مكانة وأهمية الرجل في الحياة السياسية الذي طوى مسيرة 50 عاما في ميدان السياسية كان فيها صوت العراق في الخارج ووجهه الحضاري وضعته في قلب الأحداث لما يتمتع به من كفاءة وصفات قيادية وخلفية ثقافية واسعة.
وبوفاة نائب رئيس الوزراء العراقي قبل الغزو الأميركي طارق عزيز بعد أن أمضى نحو اثنتي عشرة سنة في سجون الاحتلال والسلطات العراقية يسلط الضوء على محنة نخبة من رجالات العراق الذين قدموا خدمات جليلة لبلدهم ودافعوا عن وحدته وكرامته.
ولم يحظ مسؤول عراقي على ثقة الرئيس الراحل صدام حسين، بمثل ماحظي به طارق عزيز، ماوضعه بالصف الأول في قيادة الحزب والدولة على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
ولد طارق عزيز عام 1936م في بلدة تلكيف شمال الموصل، لأسرة كلدانية، درس اللغة الإنجليزية في كلية الآداب بجامعة بغداد، اشتغل بالصحافة في مقتبل عمره،حتى أصبح رئيسا لتحرير صحيفة الثورة الناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي.
يوصف عزيز بأنه اليد اليمنى لصدام وأبرز معاونيه، وأحد أبرز من يقومون بكتابة خطابات صدام وبصياغة القرارات التي كانت تصدر عن اجتماعات القيادة العراقية.
وعلى مدى العقود الماضية التي سبقت غزو العراق واحتلاله تحمل عزيز مسؤولية قيادة الدبلوماسية العراقية ومشرفًا على السياسة الخارجية بعد قطاع الثقافة والإعلام في أحلك الظروف لمواجهة التحديات التي عصفت بالعراق،مدافعا عن وجهة نظر بلاده في المحافل العربية والدولية.
لقد كان طارق عزيز صاحب موقف ورأي يجهر بهما أمام صدام حسين وفي اجتماعات القيادة العراقية عند مناقشة أخطر القضايا التي كانت تواجه العراق،وكان صدام ينصت إليه ويأخذ بآرائه ومقترحاته، ماوضعه في الخلية المقربة من رأس النظام وموضع ثقته.
وعندما نتحدث عن طارق عزيز السياسي والدبلوماسي،فإن الوجه الآخر لشخصيته تتسم بالبساطة والتواضع والنأي بالنفس عن صغائر الأمور.
وطارق عزيز ليس فقط الدبلوماسي البارع والمحاور السياسي المقنع، وإنما يعد من أبرز المثقفين والمفكرين والإعلاميين على المستوى العراقي.
وكان طارق عزيز، مثار إعجاب العديد من السياسيين الأجانب لسلاسة لغته وثراء وتنوع ثقافته، وهذا ما كان وراء إعجاب الرئيس الفرنسي (فرانسوا ميتران) في أول لقاء له مع طارق عزيز في الأليزيه منتصف الثمانينيات، إذ عرض ـ بعد نهاية اللقاء ـ على عزيز أن يكون ضيفه يقضي معه عطلته(إجازته الصيفية) في الريف الفرنسي ليتطارحا في أمور الثقافة العامة إعجابًا من (ميتران) بشخصيته وثقافته المتنوعة.
وعزيز كفؤ وله ذاكرة قوية وعقل منظم، فهو لا ينسى أي شيء، وكان يثير استغراب العاملين في مكتبه عندما يسأل عن أوراق وملفات كان قد طلب الاحتفاظ بها قبل عدة سنوات ومؤلفات ومقالات ويحوث وكلمات ومداخلات طارق عزيز تعكس هذه المنهجية التي تستعرض الوقائع حسب تواريخها وتسلسلها وتدرجها، ففكره منظم.
ورغم سعة صدره وهدوئه وقدرته على التحمل كان طارق عزيز شجاعًا لايهادن في الدفاع عن العراق، فكان أحد أبرز الأصوات وأشجعها في قاعات مجلس الأمن والجمعية العامة دفاعا عن العراق وفلسطين، إضافة إلى قيادته للدبلوماسية العراقية في أحلك الظروف التي مربها العراق إبان حرب الثماني سنوات مع إيران وأثناء الحصار وحرب الخليج الثانية عام 1991 وحتى الاحتلال.
في لقائه الشهير مع (جيمس بيكر) وزير الخارجية الأميركي في جنيف عشية الحرب على العراق عام 1991، وبعد تهديدات (بيكر) بأن أميركا ستعيد العراق إلى ما قبل العصر الصناعي رد عليه طارق عزيز.. نعم أنكم تستطيعون تدمير العراق بما تملكون من قوة، ولكنكم لن تستطيعوا القضاء على العراق؛ فعمره سبعة آلاف سنة قبل الميلاد.. فسيبقى العراق وأنتم الزائلون. كما رفض استلام رسالة بوش الأب للرئيس صدام للغتها غير المؤدبة كما وصفها عزيز في حينها.
وحاول طارق عزيز من خلال موقعه ومسؤوليته بإدارة الملف العراقي مع الامم المتحدة وفرق التفتيش الدولية أن يدرأ شبح الحرب على بلاده ويكشف بطلان المزاعم بامتلاك بلاده الأسلحة المحظورة،رغم الاستجابة العراقية لشروط ومتطلبات قرارات مجلس الأمن؛ ففي العام 1998 نجح في إقناع القيادة العراقية بالسماح لفرق التفتيش الدولية زيارة القصور الرئاسية التي كانت الإدارة الأميركية تروج أن أسلحة الدمار الشامل مخزونة فيه،في محاولة لنزع فتيل أزمة كادت أن تعرض العراق إلى ضربة عسكرية أميركية. في حينها.
واصطحب عزيز في حينها وسائل الإعلام الغربية والعربية في جولة حرة في القصور الرئاسية المتوزعة في بغداد والرضوانية وقرب المطار الدولي، وكان عزيز يقود الصحفيين من غرفة إلى أخرى للتأكيد من خلو القصور الرئاسية من أية أسلحة محظورة، وشاركت في الجولة المذكورة كوني مراسلا لإذاعة مونتي كارلو في العراق في تلك الفترة.
وترتب على موافقة العراق على دخول المفتشين إلى القصور الرئاسية مجيء أمين عام الامم المتحدة كوفي عنان إلى بغداد والتقى صدام وعقد مؤتمرا صحفيا مع طارق عزيز كان من اكبر المؤتمرات التي شهدتها بغداد، ووجهت سؤالا محددا إلى طارق عزيز مفاده: بعد انتهاء أزمة القصور الرئاسية، هل سيرى العراق النور في نهاية النفق؟فكان رده، نعم من غير أن يغلق الباب أمام النوايا الأميركية ضد بلاده.

إلى الأعلى