الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / العلاقات العربية – الصينية: طريق الحرير الجديد
العلاقات العربية – الصينية: طريق الحرير الجديد

العلاقات العربية – الصينية: طريق الحرير الجديد

مقدمة:
العرب والصين أصحاب تاريخ طويل وحضارات عريقة. وقد بدأت العلاقات بينهما منذ القرن الثانى قبل الميلاد. فقد ربط طريق الحرير البري مدينة تشانغ آن الصينية بالعراق وسوريا ومصر بعدما يخترق آسيا الوسطى ليصل الى طيشفون ( المدائن ) التي تبعد حوالي ثلاثين كيلومترا جنوب العاصمة العراقية بغداد، ومنها الى سوريا ومصر. أما في العصر الحديث فإن العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين تعود الى العام 1956 عندما أقامت مصر والصين علاقات دبلوماسية بينهما.
ــــــــــــــ
في ظلّ اقتصاد عالمي معقد، برزت الصين في السنوات الأخيرة كقوّة اقتصاديّة كبيرة. وفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة التجارة الصينيّة، والتي نقلتها وكالة الأنباء الصينية (شينخوا)، حقّق حجم التجارة بين الصين والولايات المتّحدة قفزات كبيرة في السنوات الأخيرة بحيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 446.7 مليار دولار أميركي في العام 2011، بزيادة نسبتها 16% مقارنةً بالعام 2010 . وكان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن قد أشار إلى أن التجارة بين بلاده والصين وفّرت ما يزيد على 500 ألف فرصة عمل في الولايات المتحدة في العام 2010 . أما عن حجم التبادل التجاري بين الصين والاتّحاد الأوروبي بحسب المصادر نفسها، فبلغ 49.4 مليار دولار خلال يونيو 2013 ، لتحلّ الصين بذلك محلّ الولايات المتّحدة كأكبر شريك تجاري للاتّحاد الأوروبي. في حين أن قيمة الفائض التجاري بين الصين والاتّحاد الأوروبي فاقت “ قيمة الفائض التجاري بين الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي بحوالى 800 مليون يورو، أي بنسبة 13.4 في المائة من إجمالي صادرات وواردات الاتّحاد الأوروبي”. في خطّ موازٍ، ارتفعت تدريجاً معدلات التجارة بين الصين والدول العربية خلال العقد الماضي، وذلك من 36.4 مليار دولار في العام 2004 إلى 145.5 مليار دولار في العام 2010، لتصل إلى نحو 190 ملياراً في نهاية العام 2011. كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين الدول العربية بشكل عام مع الصين في النصف الأول من العام 2012 إلى 111.78 مليار دولار، وبنسبة 22.1% عمّا كانت عليه في الفترة ذاتها من العام 2011 بحسب أرقام وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”.
/// تاريخ العلاقات العربية ـ الصينية:
تاريخ العلاقات العربية الصينية يعود الى اكثر من ألفي عام خلت. ربط طريق الحرير البري مدينة تشانغ آن الصينية بالعراق وسوريا ومصر بعدما يخترق آسيا الوسطى ليصل الى طيشفون ( المدائن ) التي تبعد حوالي ثلاثين كيلومترا جنوب العاصمة العراقية بغداد، ومنها الى سوريا ومصر . وأما طريق البخور البحري الذي افتتح فيما بعد فهو طريق ثان يربط الصين بالعالم العربى، حيث ينطلق من المدن الصينية البحرية، منها قوانغتشو وتشيوانتشو ويانغتشو وهانغتشو ومينغتشو مرورا بمضيق ملقا فمضيق هرمز، ثم يتجه شمالا الى البصرة وبغداد. واما الفرع الثانى منه فينطلق من مضيق هرمز متجها نحو الغرب ليمر بصحار فى سلطنة عمان فمدينة عدن، ثم يتجه شمالا على طول شاطئ البحر الاحمر حتى يصل سوريا ومصر. وهذا يمثل الصفحة الاولى لتاريخ التبادلات بين الصين والعالم العربى. ربما كانت المرة الأولى التى سمع فيها الصينيون عن العرب سنة 638 م في فترة أسرة «تانج» ؛ ففى أثناء تلك السنة تلقى الإمبراطور «تاي- تسونج» طلبا من الإمبراطور الساساني «يزدجرد الثالث» للمساعدة فى طرد العرب من فارس؛ وتذكر المصادر التاريخية الصينية أيضا أن عددا من أبناء السلالة الساسانية ظلوا يترددون على البلاط الإمبراطوري الصيني حتى سنة 737م، أى بعد مائة سنة من الفتح الإسلامي لأراضى الإمبراطورية الساسانية، أملا فى الحصول على مساعدة أباطرة أسرة تانج لطرد العرب من فارس. شهدت العلاقات الصينية العربية تطورا ملحوظا في الأيام الأولى للدولة الأسلامية حيث أرسل الخليفة الثانى ـ عثمان بن عفان رضي الله عنه مبعوثا للصين فى العام الثاني لفترة يونغ هوى من عهد تانغ قاو تزونغ ( 651 م ) وهو عام دخول الدين الاسلامي الى الصين لاول مرة .. وثم ارسل الخليفة عثمان مرة ثانية مبعوثا له الى الصين فى العام السادس من فترة يونغ هوى (655 م) . جاء في المصادر التاريخية الصينية أن بلاد العرب أوفدت الى الصين في عهد تانغ 37 بعثة، بدءا من عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان ومرورا بالدولة الأموية التي أسماها الصينيون التازيان البيض والدولة العباسية التي أسماها الصينيون التازيان السود. في العام التاسع والعشرين من فترة كاي يوان (741 م) منحت الصين شخصا أسمه HeSa) ) ( ربما حسن) الذي وصل الى الصين مبعوثا من التازيان البيض لقب قائد الحرس الأيسر ومنحته الرداء البنفسجي مع الحزام المطعم بالذهب. وفي العام الثاني عشر من عهد تيان بياو ( 753 م) وصل الى الصين خمسة وعشرين مبعوثا من التازيان السود ومنح هؤلاء الرداء البنفسجي مع الحزام المطعم بالذهب. ومنذ ذلك الحين تواصلت العلاقات التجارية والثقافية بين الصين والعالم العربى.
ومن ناحية أخرى، كانت حركة الفتوح الإسلامية قد وصلت فى العقدين الأولين من القرن الثامن الميلادي إلى مناطق وسط آسيا شرقا، واقتربت من حدود الصين الغربية. ومن المؤكد أن نجاح حركة الفتوح الإسلامية فى تلك الأنحاء قد أغرى القادة العرب بمحاولة فتح الصين؛ فقد كان ذلك أملا يداعب المسلمين ويدخل فى نطاق طموحاتهم الكبرى. فقد ذكر المؤرخ «ابن جرير الطبري» فى كتاب تاريخ الرسل والملوك أن القائد الأموي الشهير «الحجاج بن يوسف الثقفي» وعد بأن يعطى حكم الصين لمن يصل إليها أولا من قادته بالشرق بعد أن وصل « قتيبة بن مسلم الباهلي» إلى قرب الحدود الصينية، وبعد أن كان «محمد بن القاسم» قد فتح بلاد ما وراء النهر عن طريق البحر سنة711م. أما « قتيبة بن مسلم» فقد حاول فى سنة 713م أن يسيطر على طريق الحرير؛ وفى سنة 713م استولى على مدينة كاشغر «… أدنى مدائن الصين…» التى كانت من أملاك أسرة تانج على طريق الحرير. ولكن الأنباء التى وصلته بعد ذلك بموت الحجاج بن يوسف الثقفي والخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك جعلته يتوقف عن محاولته التى كان قد بدأها للسيطرة على طريق الحرير؛ وفى ذلك يقول الطبري: «… بعث الحجاج جيشا من العراق، فقدموا على قتيبة سنة 95 فغزا. فلما كان بالشاش أو بكشماهن أتاه موت الوليد فى شوال، فغمه ذلك. وقفل راجعا إلى مرو…» بسبب خوفه من الخليفة الأموي الجديد «سليمان بن عبد الملك». وعلى أية حال، فإنه قد لقى مصرعه فيما بعد بسبب محاولته التمرد على سلطة الخليفة الجديد. وكل من المصادر العربية والصينية تتحدث بالتفصيل عن سفارة عربية وصلت إلى بلاط الصين سنة 713م؛ وهناك فرق بطبيعة الحال بين الروايتين يعكس رؤية كل من الطرفين لنفسه وللآخر. فى أوائل الثامن الميلادي كانت القوات العربية قد اقتربت من حدود الصين أكثر من أى وقت مضى على حين كان العرب وخصومهم فى تلك الأنحاء يحاولون كسب تأييد الصين. وفى منتصف القرن الثامن الميلادي كان قد تم ترسيخ وجود سياسي وعسكري عربي فى طخارستان، وبلاد ما وراء النهر، وإقليم فرغانة. وهنا فى سنة 751م اصطدمت القوات العربية بالجيش الصيني على ضفاف نهر تلاس (طراز)، وألحقت به هزيمة ساحقة. وعلى أية حال، لم تكن تلك المعركة سوى نتيجة حتمية لصراعات القوى الإقليمية. ففى سنة 747م، وسنة 974م، طلب أمير طخارستان مساعدة الصين ضد عصابات الرعاة الأتراك بالقرب من مصب نهر الهندوس. وكان الصينيون قد أفادوا من فترات الضعف التى ألمت بالترك فى هذه المنطقة لتوسيع رقعة إمبراطوريتهم، وإخضاع الترك لسلطة الأباطرة. وبسط الصينيون سلطانهم على بعض مناطق بلاد ما وراء النهر التى كان حكامها قد اعتادوا على إرسال السفارات إلى أباطرة الصين على أن يتلقوا منهم ألقابا تشريفية. وفى سنة 749م قتل الصينيون أمير الشاش «… لعدم وفائه بشروط التبعية…» ويذكر المؤرخ العربي ابن الأثير أن إخشيد فرغانة هو الذى استعدى الصينيين على أمير الشاش. وقد طلب ابن الأمير المقتول المساعدة من «أبى مسلم الخراساني» داعية العباسيين الذى كان قد وطد مركزه وحكمه فى تلك الأنحاء؛ فأرسل القائد «زياد بن صالح» الذى هزم الجيش الصيني بقيادة «كاو- هسين – تشيه» فى سنة 751م بالقرب من نهر تلاس (طراز).
وقد أورد ابن الأثير خبر هذه المعركة بقوله: “… وفيها (سنة 133هجرية) تخالف إخشيد فرغانة وملك الشاش، فاستمد إخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتل، فحصروا ملك الشاش فنزل على حكم ملك الصين، فلم يتعرض له ولأصحابه بما يسوؤهم. وبلَغ (ما حدث) أبا مسلم فوجه إلى حربهم «زياد بن صالح». فالتقوا على نهر طراز فظفر بهم المسلمون وقتلوا منهم زهاء خمسين ألفا وأسروا نحو عشرين ألفا، وهرب الباقون إلى الصين، وكانت هذه الوقعة فى ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين. وفى مقابل هذه الأرقام التى تفوح منها رائحة المبالغة، تذكر المصادر الصينية أن عدد الجيش الصيني لم يتجاوز ثلاثين ألف رجل. ولكن كلا من المصادر العريبة والصينية تتحدث عن معركة جرت بين المسلمين والصينيين بالفعل، وكانت الهزيمة فيها من نصيب الجيش الصينى. ولم تكن المعركة حاسمة على أية حال لأن كلا من الجيشين كان قد ابتعد عن قواعده بمسافة بعيدة.
لقد كانت معركة نهر تلاس (طراز) إيذانا بنهاية فترة تاريخية وبداية فترة جديدة فى تاريخ حركة الفتوح الإسلامية. إذ إن القوات العربية لم تتوغل بعدها شرق فرغانة أو شمال شرق الشاش؛ ولم يحدث أبدا أن سلكت «طريق الحرير» داخل سنيكيانج وعبر صحراء جوبي. ومن ناحية أخرى، كانت تلك المرة الأخيرة التى تصل فيها الجيوش الصينية إلى تلك المسافة البعيدة غربا. وبعد أربع سنوات، كانت آسيا الوسطى، ثم الصين نفسها، قد تمزقت بسبب ثورة «آن لو شان». وتلاشى أي أمل كان يراود الصغد فى مساندة الصين لهم ضد العرب. كانت تلك المعركة علامة على أقصى حد وصلت إليه الفتوح الإسلامية فى الشرق.
ومن المدهش أن المصادر التاريخية العربية التى اهتمت بالفتوح الأولى، مثل الطبري والبلاذري وغيرهما، لم تذكر شيئا عن هذه المعركة على حين ورد ذكرها فى المصادر الصينية وفى مصادر عربية متأخرة أهمها رواية ابن الأثير والذهبي. وقد ربطت مصادر عربية أخرى لاحقة زمنيا بين معركة تلاس (طراز) وبين نقل تكنولوجيا صناعة الورق إلى العالم الإسلامي. ومن المؤكد أن صناعة الورق كانت معروفة فى الصين ووسط آسيا قبل هذا التاريخ؛ بيد أن هذه الصناعة ازدهرت فى العالم العربي بعد بناء مصنع للورق فى بغداد سنة 180هجرية. وحل الورق فى الكتابة محل الرَق (جلود الحيوان) والبردى. وعلى الرغم من أننا لا نعرف حقيقة ما جرى بالضبط، فالثابت أن العلاقات بين العرب والصين قد جلبت إلى العالم الإسلامي الورق الذى كان رخيصا سهل الإنتاج، ميسور الاستخدام؛ وهو ماكان له أثره الإيجابي تماما على العلم والثقافة فى العالم العربي والإسلامي، ثم فى العالم الأوربي الذى نقله عن العرب فيما بعد.
///الدول العربية والصين: العلاقات الجديدة/
فى واحدة من أكبر قاعات متحف الصين الوطنى بوسط العاصمة بكين، الذى يخلد تاريخ الصين الحديث، تجذب الزائرين مجموعة كبيرة من التحف النادرة والهدايا المقدمة لزعماء الصين من الملوك والرؤساء والمسئولين العرب، خلال ما يقرب من 60 عاما، هى عمر العلاقات الدبلوماسية الحديثة بين الصين والعالم العربي، والتى انطلقت بتبادل القاهرة وبكين السفراء عام 1956. بإعلان الصين ومصر بدء علاقتهما الدبلوماسية فى الـ30 من مايو عام 1956، أصبحت مصر من الدول العربية والإفريقية الأولى التى تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، التى تم إعلانها عام 1949، وتعاقبت بعد ذلك إعلانات الدول العربية عن إقامة علاقاتها مع الصين، مع حصول كل دولة من هذه الدول على الاستقلال، وبرغم أن العلاقات الدبلوماسية الصينية – العربية حديثة نسبيا، إلا أنها لم تأت من فراغ، فالعلاقات بين الجانبين تعود إلى ما قبل ألفى عام، حيث ربطهما طريق الحرير، الذى كان بمثابة شريان نقل إلى جانب البضائع والثقافة والأدب والتواصل الإنسانى، ثم الدين الإسلامى بعد ظهوره فى شبه الجزيرة العربية.
اقامت الصين علاقات دبلوماسية مع 22 دولة عربية، وبالجهود المشتركة ظلت علاقات الصداقة بين الجانبين تشهد تطورا مستمرا .. الصين لم تقم علاقات دبلوماسية مع جميع الدول العربية مرة واحدة وفي فترة معينة، بل يمكننا تجزئة اقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية العربية بشكل عام الى ثلاث موجات:
///الموجة الأولى: مؤتمر باندونغ:
فتح مؤتمر باندونغ بوابة اقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية العربية . عقب الحرب العالمية الثانية كانت الدول حديثة الاستقلال المثقلة بالمشاريع النهضوية تسعى الى التخلص من الضغوط الخارجية وتعمل على تطوير ذاتها بالاعتماد على نفسها . وعلى هذه الخلفية عقد قادة 29 دولة اسيوية وافريقية فى الثامن عشر من أبريل 1955 مؤتمرا افرواّسيويا ذو مغزى تاريخي عظيم وفاتح عهد جديد فى باندونغ ـ احدى المدن الاندونسية المشهورة ، الذي جسد طموحاتهم وتطلعاتهم نحوة الوحدة والتضامن لتعزيز وتقوية الذات ، والهب حماسة شعوب القارتين فى التكاتف والتعاضد من اجل الاستقلال والتحرر الوطني. وكان من بين الدول المشاركة فى مؤتمر باندونغ تسع دول عربية هي : مصر والعراق والأردن ولبنان وليبيا والمملكة السعودية والسودان، وسوريا واليمن. وخلال المؤتمر جرت اتصالات واسعة ومكثفة بين رئيس الوزراء الصيني شو ان لاي والوفود العربية المشاركة، كما اعربت الصين عن دعمها للدول العربية في مواجهتها للمشاكل انذاك، خاصة دعمها لنضال مصر الهادف الى استرجاع السيادة على قناة السويس، ودعت الصين الى ادراج القضية الفلسطينية على جدول اعمال المؤتمر، وناشدت المجتمع الدولي لايجاد حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ودعم نضال شعوب شمال افريقيا الرامي الى الاستقلال الوطنى. وفي حفل الاختتام في الرابع والعشرين منه، قال رئيس الوزراء الصيني” ان الشعب الصيني يتعاطف ويدعم بشكل شامل النضال الذى يخوضه الشعب الجزائري والمغربي والتونسي من اجل تقرير المصير والاستقلال الوطنى ” ويمكن القول ان مؤتمر باندونغ قد أحدث لكل من الصين والدول العربية فرصة سانحة للتعارف على بعضهما البعض. ان التعارف المتبادل الذي تم تحقيقه قد ارسى الاساس الجيد لاقامة العلاقات الدبلوماسية رسميا بين الجانبين .
كانت مصر اول الدول العربية التى اقامت علاقات دبلوماسية مع الصين الجديدة .. لقد بنيت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على اسس سياسية تجسد فيها المواقف المشتركة الداعمة للاستقلال الوطني، وقد مرت بمرحلة التفاهم المتبادل وبدأت في الاتصالات الشعبية ومن ثم الرسمية، بينما فتحت التبادلات الثقافية والاقتصادية والتجارية الطريق الذي اوصل في نهاية المطاف الى هذه الاهداف السياسية لاقامة العلاقات الدبلوماسية . قبل اقامة العلاقات الدبلوماسية كان هناك تبادلات واتصالات ثقافية واقتصادية بين البلدين . ففي مايو/أيار 1955، زار الصين احمد البكري وزير الاوقاف المصري، حيث وقع مع الجانب الصينى محضر محادثات حول التعاون الثقافي والذى ينص على ايفاد كل طرف مدرسيه وطلبته للطرف الاّخر للقيام بمهام التدريس والدراسة .. وفي اّغسطس من العام نفسه زار الصين محمد أبو نويصير وزير التجارة والصناعة المصري ، حيث وقع مع الجانب الصينى على اتفاقية وبروتوكول تجاري ينصان على اقامة كل طرف لمكتب تجاري تمثيلي يتمتع بقدر معين من الحقوق والصلاحيات الدبلوماسية لدى الطرف الاّخر . وفور التوقيع على محضر التعاون الثقافى، قررت الصين ايفاد مدرس واحد وسبعة من الطلبة الصينيين الى مصر. وتجدر الاشارة الى ان البلدين قد شرعا في التبادلات الاقتصادية والثقافية قبل اكثر من نصف سنة على اقامة العلاقات الدبلوماسية . وفي 16 من مايو 1956، اجاز الاجتماع الوزارى المصرى على قرار يقضي بقطع العلاقات مع سلطات تايوان، والاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، كما واعرب عن رغبة مصر في اقامة علاقات دبلوماسية مع الصين وتبادل المندوبين المقيمين فيما بينهما. ثم قام الجانب المصرى بابلاغ الجانب الصينى هذا القرار عبر البعثات التجارية لدى العاصمتين. وفي السابع عشر منه ، اصدرت وزارة الخارجية الصينية بيانا رحبت فيه بالقرار المصرى، معربة عن املها فى سرعة اقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل المبعوثين. وفى الثامن عشر من مايو ارسل شو ان لاي رسالة الى عبد الناصر اعاد التأكيد فيها على ما جاء فى بيان وزارة الخارجية الصينية، كما اعرب فيها عن ثقته الراسخة بان ” المزيد من تطوير علاقات الصداقة بين البلدين سوف تصب في مصلحة دفع وتعزيز التعاون الودي بين دول الافرواّسيوية وحماية قضية السلام العالمي المشتركة ” .. وفي الثلاثين من مايو أصدرت الحكومتان الصينية والمصرية بيانا مشتركا جاء فيه ” انطلاقا من الرغبة المشتركة لكلا البلدين قررت الحكومتان اقامة علاقات دبلوماسية وتبادل المندوبين الدبلوماسيين على مستوى السفراء “. وكان محمد نجيب الرئيس المصري الاول ورئيس الوزراء بعد ثورة عام 1952 قد افضى بان مصر كانت في الحقيقة قد استعدت ومنذ فترة الاعتراف بالصين الجديدة، ولكنها عدلت عن ذلك بسبب التحذيرات الاميركية .. وعندما استقبل عبد الناصر ممثل البعثة التجارية الصينية في الرابع والعشرين من مايو 1956 قال ” ان الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية كان قد تقرر منذ زمان، وان عدم الاعلان عن ذلك جاء بسبب تفكيرنا في تقليل دعم الدول الغربية الكبرى لاسرائيل كي تنعم المنطقة بشيء من الهدوء والاستقرار .. الا ان هذه الدول الكبرى لم تكن تفكر في صداقة مصر، بل استمرت فى تزويد اسرائيل بكميات هائلة من الاسلحة .. وفى ظل هذه الملابسات، كان الاعتراف بحكومة جمهورية الصين الشعبية في ذلك الوقت هو افضل الفرص وانسبها “.. ومنذ اقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1956 وحتى 1965، كانت عشر دول عربية قد اقامت علاقات دبلوماسية مع الصين هي : مصر وسوريا واليمن، والعراق والمغرب والجزائر والسودان والصومال وتونس وموريتانيا .

(2) الموجة الثانية: استعادة الصين لمقعدها فى الامم المتحدة
تسببت الثورة الثقافية التي أنطلقت في العام 1965 في الأضرار بعلاقة الصين بالعديد من الدول ومنها الدول العربية. حيث استدعت بكين جميع المبعوثين الدبلوماسيين الصينيين لدى الدول العربية للمشاركة فى هذه الحركة التثقيفية عدا السفير الصيني لدى مصر. كما ان العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول الشرق الاوسط فقد تراجعت، بحيث انخفض الحجم الاجمالي السنوي للتبادل التجاري بين الجانبين ليصل الى 8 – 9 ملايين دولار امريكى عامي 1967 و 1968 بعد ان كان اكثر من 166 مليون عام 1966 .. كما لم تقم الصين اي علاقات دبلوماسية جديدة مع اي من الدول العربية الاخرى على امتداد الفترة من 1965 حتى 1971. لقد استمر هذا الوضع على ما هو لغاية الدورة الـ 26 للجمعية العامة للامم المتحدة وقرار استعادة الصين لمقعدها الشرعي عام 1971. ان استعادة الصين الجديدة لمقعدها الشرعى في الامم المتحدة قد ازال جزأ من العراقيل التي كانت تقف حائلا امام بعض الدول دون اقامة علاقات دبلوماسية مع الصين. وقد انبعثت الموجة الثانية لاقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية من عام 1971 حتى 1978، حيث قامت ست دول عربية بإقامة علاقات دبلوماسية مع الصين في هذه الفترة وهي: الكويت ولبنان وجزر القمر والأردن وسلطنة عمان وليبيا. بالأضافة الى أستعادة الصين لمقعدها في الأمم المتحدة، عملت أسباب أخرى الى توسيع العلاقات الدبلوماسية العربية الصينية، خاصة استقبال ماو تسي تونغ لبعض السفراء العرب المعتمدين لدى بكين في الاول من مايو 1969 وعودة الدبلوماسيين الصينيين الى مقار عملهم. علاوة على ان موقف الصين الداعم للقضايا العربية، على سبيل المثال عند وقوع حرب 1967 ، بعث شو ان لاي في اليوم التالي ببرقية للرئيس المصري عبد الناصر واخرى للرئيس السوري الاتاسي وثالثة لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية احمد الشقيري، اعرب فيها عن تضامن الصين ودعمها لهم، وفى نفس اليوم اصدرت الحكومة الصينية اعلانا جاء فيه ” ان الشعب الصيني يقف بقوة وثبات الى جانب الشعب العربي، ويدعم بحزم حربه العادلة ضد العدوان الاميركى ـ الاسرائيلى”. ناهيك على أن تعديل الولايات المتحدة لسياستها تجاه الصين قد اثر على مواقف بعض الدول تجاه الصين .. ففي السادس عشر من يوليو 1971 قامت الصين والولايات المتحدة باصدار بيان مشترك في نفس الوقت حول عزم الرئيس الاميركى نيكسون على زيارة الصين فى النصف الاول من عام 1972 . ان خطوة الولايات المتحدة هذه قد اعطت ضوء اخضرا لحلفائها وبعض الدول النامية وثيقة الصلة معها لاقامة علاقات دبلوماسية مع الصين .. لذا يمكن القول بأن الموجة الثانية لاقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية تمتاز بخاصيتين: الاولى هي اقامة بعض الدول فور استقلالها علاقات دبلوماسية مع الصين، كجزر القمر مثلا بحيث اقامت علاقات دبلوماسية مع الصين في الثالث عشر من نوفمبر 1975 اي بعد نيلها الاستقلال في السادس من يونيو من العام نفسه. بينما الخاصية الثانية هي قيام بعض الدول بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان واقامتها مع الصين، كدولة الكويت مثلا التي قطعت علاقاتها مع تايوان في الحادي والعشرين من نوفمبر 1963 واقامة علاقات دبلوماسية مع الصين في الثاني والعشرين من مارس 1971؛ كما لبنان التى اقامت علاقات دبلوماسية مع الصين في التاسع من نوفمبر 1971 بعد قطعها مثل هذه العلاقات مع تايوان التي رفعتها من ” مستوى القناصل ” الى ” مستوى السفراء ” فى سبتمبر 1957 ؛ والاردن أيضا اقام علاقات دبلوماسية مع الصين فى السابع من ابريل 1977 وقطعها مع سلطات تايوان فى اّغسطس 1957 .
(3) الموجة الثالثة: تطبيق الصين لسياسة الاصلاح والانفتاح:
شجعت جملة من الأصلاحات الداخلية والأنفتاح الصيني على العالم الكثير من الدول ، ومنها الدول العربية، على فتح سفارات لها في بكين. مع نهاية عام 1978 تكون الصين قد دخلت عهد الاصلاح والانفتاح، حيث كرست كل جهودها وعبأت كل طاقاتها على المستوى المحلي لتطوير ذاتها وتطبق اقتصاد السوق الاشتراكي ذا الخصائص الصينية. كما ان الزيادة المطردة في الطلب على الطاقة التي أحدثتها التنمية السريعة للاقتصاد الصيني قد لفتت انظار بعض الدول العربية .. اما على المستوى الخارجي، فقد قامت الصين بتعديلات كثيرة على سياساتها، وخاصة ترشيد وتنظيم علاقاتها مع تلك الدول ذات النظم المختلفة، خاصة مع الدولتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وايلاء الصين اهتماما بالغا وخاصا لمعالجة علاقاتها مع دول الجوار، واتخاذ الصين من علاقاتها مع الدول النامية السند لعلاقاتها الخارجية. ان السياسات اّنفة الذكر لاقت التأكيد والاحترام من قبل المجتمع الدولى واتت بالموجة الثالثة من اقامة العلاقات الدبلوماسية، فخلال الفترة الممتدة ما بين 1978 الى 1990 اقامت الصين علاقات دبلوماسية مع سبع دول عربية هي السلطنة وجيبوتى، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، ودولة فلسطين، ودولة البحرين، والمملكة العربية السعودية، وبذلك تكون الصين قد اقامت علاقات دبلوماسية مع جميع الدول العربية ..
///مستقبل العلاقات العربية الصينية:
يبدو أن الحوار العربي ـ الصيني لم يعد إختياراً، بل أصبح ضرورة، خصوصاً وأن هناك الكثير من المشتركات العربية- الصينية، خاصة تبادل وجهات النظر، لا بشأن أوضاع الماضي حسب، بل بخصوص أوضاع الحاضر والمستقبل أيضاً، فما زالت الأغلبية الساحقة من المثقفين العرب حسب علمي تجهل الكثير عن الحضارة الصينية وفلسفاتها وعلومها، مثلما أحسب أن الكثير من المثقفين الصينيين يجهلون الكثير عن حضاراتنا القديمة السومرية والأشورية والبابلية وحضارة وادي النيل، فضلاً عن الحضارة العربية ـ الإسلامية، إضافة إلى عدم الاطلاع على نحو كاف على الأدب والثقافة المعاصرة، لكل منهما بخصوص الآخر، خصوصاً بضعف حركة الترجمة والتواصل بشكل عام، ولاسيّما في مجالات الأدب والثقافة والفن بشكل خاص، وعلى حد علمنا فإن أولى المحاولات لتسليط الضوء على العلاقات العربية- الصينية تعود إلى الدكتور فيصل السامر المؤرخ العراقي المعروف، وذلك في مطلع الستينيات عند بحثه عن تراث الشرق والحضارة الإسلامية في الشرق الأقصى . وفي وقت لاحق ترجم الأديب عبد المعين الملوحي “تاريخ الشعر الصيني” العام 1968-1979 (ج1وج2) وكتب الكاتب المصري محمد شبل مجلّداً عن ” حكمة الصين”، وترجم هادي العلوي كتاب التاو (طبعة أولى) في العام 1980، كذلك كتب كتاب “المُستطَرف الصيني” في وقت لاحق، وعاد ونشر كتاب التاو بطبعة موسّعة حملت إسم مؤسس التاوية لاوتسه ومعلّمها الثاني تشوانغ تسه.
على الرغم من التغيرات الهائلة التي طرأت على الاوضاع الدولية مع دخولنا القرن الحادى والعشرين ، الا ان السلام والتنمية لا زالا يشكلان العنوان الرئيسى للبشرية. أن اّفاق التعاون العربي الصيني واسعة و رحبة. في ظل الاوضاع الدولية سالفة الذكر، وتماشيا مع عالم يريد السلام ويسعى الى التنمية ودفع التعاون، قام الطرفان العربي والصيني مع بداية العصر الجديد باتخاذ سلسلة من الاجراءات والتدابير لتعزيز التعاون الثنائي، وهذه الرغبات الصادقة تقوم على الاحترام المتبادل وترتكز على مواقف الطرفين المتطابقة او المتشابه تجاه الكثير من القضايا في الشؤون الدولية .فالجانب العربي يثمن عاليا المواقف الصينية المبدئية والثابتة الداعمة للقضايا العادلة للشعوب العربية وحقوقها المشروعة ، بينما يقدر الجانب الصينى الجهود الايجابية التي تبذلها الدول العربية في تعزيز وحدتها وتضامنها ودفع التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي فى مواجهة التحديات .. وعلى هذه الاسس انشأ الجانبان ” فى 30 يناير 2004 ” منتدى التعاون العربي الصيني الذى اصبح منصة جديدة للتبادلات والتعاون الهادفة الى توثيق العلاقات الثنائية .. وعلاوة على ذلك اتخذ الجانب الصينى خطوتين حيويتين ، احداهما تتمثل في انشاء ” جمعية الصداقة الصينية العربية ” فى 21 ديسمبر 2001 ، بينما الاخرى تتمثل في المباديء الاربعة لتطوير علاقات ذات نمط جديد بين الطرفين التي طرحها الرئيس الصيني خو جينتاو خلال لقائه بعمرو موسى الامين العام السابق لجامعة الدول العربية اثناء زيارته لمصر فى 30 يناير 2004 ، والمباديء هي : تعزيز العلاقات السياسية على اساس الاحترام المتبادل ؛ و تكثيف التبادل الاقتصادى والتجارى بهدف تحقيق التنمية المشتركة ؛ وتوسيع التبادلات الثقافية على اساس ان يكون الاقتباس المتبادل مضمونا له ؛ تعزيز التعاون فى المحافل الدولية على ان يكون غايته حماية السلام العالمي ودفع التنمية المشتركة للبشرية . أن الطرفين يملكان الكثير من الأسس المتينة لتطوير علاقتهما بما يخدم مصالح الطرفين . أن الدول العربية و الصين يحترمان أحدهما الأخر ويدعم كل منهما اهتمامات الطرف الاّخر أن الدول العربية ظلت على الدوام تتفهم وبشكل كامل ، كما وتدعم بشكل قوي الاهتمامات الاساسية للشعب الصيني ، بحيث اعتبر ” منتدى التعاون العربي الصيني مثابرة الدول العربية على مبدأ الصين الواحدة ” اساسا لاجراء التعاون الثنائي .. كما ان الصين من جانبها ايضا تتفهم تماما الاهتمامات الاساسية للدول العربية الا وهي القضية الفلسطينية ، اذ حمل الاعلان ” دعم الصين لعملية السلام في الشرق الاوسط ومبدأ الارض مقابل السلام ” ، واعتبر ذلك اساسا اّخر للتعاون الثنائي . لقد تضمن ” اعلان ” المنتدى العربي الصيني اّمال وتطلعات الطرفين تجاه هذا النظام الجديد ، اذ دعى الى ” ضرورة احترام ميثاق الامم المتحدة و وقواعد ومباديء العلاقات الدولية المتعارف عليها ؛ والمثابرة على مباديء احترام السيادة والتكافؤ وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية ؛ ودفع دمقرطة العلاقات الدولية ، وتمتع جميع الدول بحق المشاركة المتساوية في الشؤون الدولية سواء كانت كبيرة أم صغيرة ، قوية أم ضعيفة ، غنية أم فقيرة ؛ ودعم حق شعوب الدول في الحرية والاستقلال والسيادة على جميع اراضيها وفق القانون الدولي وقرارات هيئة الامم المتحدة .. هذه هي امال وتطلعات الجانبين الصيني والعربي تجاه النظام الدولي الجديد، ويلعب الأقتصاد دورا هاما في تطوير علاقات الدول العربية بالصين . لقد سبق التبادل التجاري علاقات الطرفين الدبلوماسية . فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت الصين قد اشترت من مصر عامي 1954 و 1955 ، أى ما قبل اقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، ما قيمته 36.37 مليون دولار اميركى من القطن ومنتجاته، ووقعت مع سوريا اتفاقية تجارية قبل اقامة العلاقات الدبلوماسية معها ، واماعلاقات التبادل التجارى بين الصين والمملكة السعودية فيعود تاريخها الى وقت ابكر حيث بدأت في خمسينات القرن الماضى، وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 750 الف دولار عام 1969 ، و76.39 مليون دولار عام 1979 ، و 320 مليون دولار عام 1989 أى عشية اقامة العلاقات الرسمية فيما بين البلدين . وقد لعبت حركة التبادل التجارى هذه دورا ايجابيا ساهم فى تطوير العلاقات الثنائية .. واما مشاريع التعاون بين الصين و البلدان العربية فقد بدأت الايام الاولى من اقامة العلاقات الرسمية بين البلدين ، ونذكر منها على سبيل المثال قصة مساعدة الصين للمغرب على زراعة الشاى وصناعته . ففي عام 1960 بدأت الصين تساعد المغرب على زراعة الشاي ، وبعد عدة سنوات من التجارب نجح الخبراء الصينيون في زرع حقول مساحتها 30 هكتار ، وبلغت الطاقة الانتاجية 500 كيلوغرام / هكتار .. ومع بداية تسعينات القرن الماضي كانت مساحة زراعة الشاى فى المغرب قد وصلت الى اكثر من الف هكتار. ومع تطور العلاقات بين الصين والبلدان العربية ، اخذ حجم التبادل التجاري بين الجانبين يزداد بوتيرة سريعة ، حيث بلغ 232 مليون دولار اميركى عام 1969 ؛ و 789 ميلون عام 1979 ؛ و 2.129 مليار عام 1989 ؛ و 3.807 مليار عام 1994 ؛ و 9.230 مليار عام 1997 ؛ و 17.750 مليار عام 2002 ؛ و 25.43 مليار عام 2003 ؛ و 36.71 مليار عام 2004 .. هذا فان نسبة مساهمة البترول فى حجم التبادل التجارى بين الطرفين تزداد اكثر فاكثر بحيث بلغ حجم البترول الصيني المستورد من البلدان العربية 4.2146 مليون طن عام 1992 ؛ و 13.3493 مليون طن عام 1999 ؛ و 33.642 مليون طن عام 2000 ؛ و 28.2368 مليون طن عام 2001 ؛ و 30.1817 مليون طن عام 2002 ؛ و 39.7369 مليون طن عام 2003 ، و 50.3363 مليون طن عام 2004 .. ولوحظ ان واردات الصين البترولية من منطقة الشرق الاوسط تشكل نسبة كبيرة فى اجمالى وارداتها البترولية ، بحيث واردات الصين البترولية من البلدان العربية تمثل 40.9 % من اجمالي وارداتها البترولية البالغة 1.228155 مليون طن عام 2004 ، بل وشكلت واردات الصين البترولية من الشرق الاوسط 51.8 % من اجمالي وارداتها البترولية اذا ما اضيف اليها ما استوردته الصين من ايران والبالغ 13.2374 مليون طن فى العام ذاته .. ومع النمو السريع الذى يشهده الاقتصاد الصينى ، فان بترول الشرق الاوسط بشكل عام والبترولى العربى على وجه الخصوص لا يمكن الاستغناء عنه في التنمية الاقتصادية رغم الاجراءات الصينية في مجال توفير الطاقة وتنويع مصادر استيرادها .. فالى جانب التعاون في مجال الطاقة ، هناك الكثير من المنتجات والتقنيات الصينية التي يحتاجها الجانب العربي ، وان اّفاق التعاون الثنائي ومستقبلها في هذا المجال رحبة وواعدة .. وعلاوة على ذلك فان حجم الاحتياطى الصينى من العملات الصعبة في ازدياد مضطرد ، في حين ان حجم العائدات البترولية للبلدان العربية هو الآخر يشهد زيادة ملحوظة نتيجة ارتفاع اسعار البترول ، فمن المنتظر ان يكون الاستثمار المتبادل بين الجانبين مجالا حيويا مستجدا يبشر بالخير والمنفعة المتبادلة ..
علاوة على ذلك يدعو الطرفان الى حوار الحضارات ويعارضان صراع تلك الحضارات. يمتلك الطرفان حضارات عريقة، حيث تمثل كل من الصين ومصر والعراق الدول الاكثر عراقة وثقافة في العالم .. فوفق تصنيف جى شيان لين فان هناك اربعة نظم ثقافية في العالم : النظام الثقافي الصيني؛ والنظام الثقافي الهندي؛ والنظام الثقافي العربي؛ والنظام الثقافي الممتد من اليونان وروما القديمتين وحتى الثقافة الاوروبية الاميركية اليوم، وهذا يعني ان الصين والعالم العربي يحتلان نظامين من اعرق النظم الثقافية الاربعة في العالم. التبادلات الثقافية الصينية العربية طويلة وعريقة، فبعد حادثة ” الحادي عشر من سبتمبر ” ازداد الحوار الحضاري بينهما وتكثفت التبادلات العلمية العلمية، ونحن على ثقة اكيدة من ان مثل هذه الانشطة الايجابية سوف تستمر بين الطرفين .. لا يتم التفاهم المتبادل والتكامل بين الحضارات المختلفة الا من خلال الحوار ، ولا يصح النظر الى حضارة الذات على انها اكثر رفعة ورقيا من مثيلاتها ، والذهاب الى حد عدم الاعتراف وعدم احترام تنوع الحضارات ، والعمل على تسويق قيم الذات مستخفا بأحوال الدول الاخرى ، وان مثل هذه التصرفات والافعال لن تنال الا الفشل الذريع في نهاية المطاف .
الا أن علينا ان لا ننسى بعض الاشكالات القائمة في العلاقات العربية الصينية ، خاصة تطور العلاقات الصينية –الإسرائيلية على حساب العلاقات مع الدول العربية واعتماد الطرفين العربي والصيني على مصادر المعلومات والإعلام الغربي في تشكيل رؤيته ومعلوماته عن الآخر، وخصوصا الوسائل التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وبريطانيا (CNN و BBC)، والذي يتسبب في: نقل الصور المشوهة، وتنشئان سوء الفهم لدى كل طرف عن الآخر، مما يزيد الجهل ويعقد العلاقة.كما أن علاقات الصين بالعامل العربي ودورها المستقبلي في العلاقات الدولية يستلزم وضوح الرؤية ضد محاولات التشويه والتشويش التي تقوم بها عناصر دولية معادية، بهدف بث الفرقة والتشكيك والاختلافات في علاقات الطرفين. وإعطاء الانطباع الخاطئ للقيادات والمفكرين الصينيين عن منطقة الشرق الأوسط ودفعها للابتعاد عن الخوض في سياساتها، حيث تعرف المنطقة وفق هذه المصادر بأنها منطقة مضطربة وفيها توقع غير المتوقع وقضاياها معقدة جدا ولا يمكن حلها ، كما أن المنطقة مليئة بالمخاطر والجهل وهي تعتبر المنطقة منبع الإرهاب في العالم سواء الإرهاب الأصولي أو الراديكالي ،اهيك عن ضعف الأثر الصيني في السياسات الدولية الخاصة بالشرق الأوسط، مما يحد من تأثيرها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
كما أن هناك العديد من المحددات للعلاقات العربية الصينية، نذكر منها:
1ـ سياسات الولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط وفي النظام الدولي، وآفاق مستقبلها ودورها في الشرق الأوسط، إضافة إلى تطور العلاقات الصينية الأميركية وتزايد التبادل التجاري بينهما مما يحول دون تفاقم الأزمات بينهما، ويدفع الصين لتجنب أي صدام مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
2ـ ارتباط العديد من الدول العربية سياسياً واقتصادياً مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.
3ـ تنامي العلاقات الصينية مع إسرائيل بدرجة تمنعها من انتقادها أو التصويت ضدها في الأمم المتحدة.
4ـ اعتماد السياسة الصينية الحالية على المصالح الاقتصادية، والتي يلزمها الأمن والاستقرار إقليميا ودوليا حسب الكثير من الاستراتيجيين الصينيين، وتأثر المصالح الصينية بأي إجراءات أو سياسات تتسبب في عدم الاستقرار.
5ـ استمرار عملية السلام في الشرق الأوسط، ومشاركة العرب فيها تحت الرعاية الاميركية، وما يشكله ذلك من إطار للاستقرار النسبي في المنطقة.
6ـ النظرة الخاصة للصين إلى الشرق الأوسط والتي تقوم على:
أن سياستها تجاه الشرق الأوسط تخضع لسياستها العامة الداعية إلى بناء بيئة استقرار وسلام دولية. كما أن مسألة الشرق الأوسط مسالة معقدة جدا، ولدى العرب وجهات نظر مختلفة. تعتقد الصين أن للعرب دور مهم، وهي تسعى لبناء تعاون اقتصادي معهم أكثر من ميلها لتعاون سياسي، حيث أن تطوير وتنمية الاقتصاد الصيني هي السبيل لإرغام العالم على الاستماع إليك.
7ـ تبني الصين لرؤية خاصة لحل مشاكل الشرق الأوسط تقوم على اعتماد التعاون الإقليمي كأساس للسياسة الأمنية وعدم الرغبة بالتورط عسكريا في منطقة الشرق الأوسط ، أضافة الى قناعة الصين بان التعاون الثنائي والمتعدد وبناء التنمية الاقتصادية سوف يحد من الأزمات في المنطقة ويعالج مشكلة الإرهاب و التزام الصين باعتماد القنوات الدبلوماسية في تطبيق سياساتها في الشرق الأوسط وتشجيع الصين لاتجاهات حوار الحضارات الثنائية والمتعددة.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى