الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عروبتنا ملاذنا

عروبتنا ملاذنا

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

طيلة القرنين الأخيرين ونيِّف وإلى م اشاء الله، ظل وسوف يظل استهداف رئيس متصدرًا لقائمة الأولويات في المشروع الاستعماري الغربي المعادي للأمة العربية، بنسختيه القديمة والمحدثة ومعهما المستقبلية. إنه المتمثل في محاولات تعددت أشكالها ولم ولن تتوقف لضرب عروبة العرب، باعتبارها هويتهم القومية والحضارية والثقافية والقيمية الواحدة، أي الجامعة المانعة لكتلة تاريخية ممتدة وتترامى خريطتها الجغرافية من محيطها إلى خليجها… ولكونها هي وحدها، ووحدها لا غير، تشكِّل الوشيجة الضامنة، والعروة الوثقى، لتماسك عرى نسيجها الثقافي والحضاري الثري، والاجتماعي الحافل بالتعدد والزاخر بالغنى والتنوُّع.
ما ينطبق على هذا المشروع، لجهة هذه الأولوية، يمكن سحبه تلقائيًّا على آخر من نسله هو المشروع الصهيوني في بلادنا، باعتبار هذا الأخير ملحقًا للأول وتفصيلًا وظيفيًّا من تفاصيله وامتدادًا عضويًّا له. لأن تحقيق مثل هذه الأولوية هو شرط إجباري، إلى جانب كونه السبيل الأنجع والأسهل، لكل ما ترومه مخططات هذا المشروع وملحقه لكتلة هذه الأمة من تفتيت وتمزيق وبعثرة، وكل ما من شأنه أن يسهِّل سبل اخضاعها ويقلل من كلفة فرض الهيمنة عليها واستدامتها، إلحاقًا واستتباعًا واستلابا. الأمر الذي إن كان، فسيعني بدوره وتلقائيًّا تثبيت الكيان الصهيوني المفتعل، بما يعنيه وجوده في القلب من بلاد العرب من دور ووظيفة في خدمة المشروع الأصل، ثم أن هذا التثبيت بدوره أيضًا يعني استدامة لتفتيت المفتت وتمزيق الممزق وشرذمة المشرذم منها، إذ يجب أن لا ننسى أن زرع هذا الكيان في البقعة الفلسطينية من هذه البلاد هَدَف أصلًا للفصل الجغرافي بين جناحي الأمة مشرقًا ومغربًا.
نحن هنا لا نأتي بما هو أكثر من مجرَّد تذكير بما هو في حكم المُسلَّمة، التي هي في رأينا لا تقبل نقاشًا ولا تعوزها برهنةً، لأنها واحدة من استخلاصات ما واجهته هذه الأمة على امتداد تاريخها المعاصر، وصولًا إلى واقع راهنها الأسوأ في تاريخها، والذي إن هو لا يسرُّ صديقًا فما من مثله سار لأعدائها. وهو تذكير، ومن أسف، على الرغم من بداهته، نجد أنفسنا الآن أكثر من أي مرحلة سابقة في أمسِّ الحاجة إلى التذكير به، إذ تتناهشنا الآن مخططات التفتيت ودواهي التطييف ورياح التشويه، ويراد أن تصول وتجول في ربوعنا النازفة عواتي فتن لا تبقي ولا تذر… فتن تجد أمة بكاملها نفسها الآن محشورة بين مباغت مطرقتها وسندان استبداد مقيم.
وإذ لا من أمة بلا أولويات، ولا أولويات لا تكون أولاها اللوذ بالهوية الواحدة، فإنه بات لا من منجاة لأمتنا الجريحة، في مثل هذه المرحلة العصيبة، وهذا الواقع المريع الذي تمر به، إلا لجوؤها إلى عروبتها، باعتبارها خيار ضرورة وحبل نجاة، قلنا آنفا ونكرر، إنها وحدها تظل الجامع المانع، والبوتقة الحاضنة لمختلف ما يعتمل في كتلتها من هويات صغرى هى من تفاصيلها العاكسة لسمات من تعدد ثقافي واجتماعي هو مصدر غنى امتلكته حريٌّ بالتفاخر. إذ إن البديل لذلك، إن هو لم يكن الزوال، فهو ما أرادوه لنا من التبعثر والشرذمة وتوطُّن الفتن، وبالتالي تمكُّنهم من استحضار مسميات واختلاق مكوِّنات من كهوف التاريخ يضيفونها إلى ما ابتلينا به، ومنذ أن رحل الاستعمار القديم وحل محلة الجديد، من شائه القطريات المانعة لوحدة الأمة والحائلة دونها، والتي إذ هي لم تحقق لإنساننا لا كرامة ولا حرية ولا تقدم، بل وحرمته حتى من حلم توفير قوت يومه، أسلمت مجتزآتها من وطننا الكبير إلى مهاوي التبعية ودفعت بها إلى شفا حفرة تجزئة المجزأ، وإجمالًا، عين ما سعت وتسعى إليه أولويات أعداء الأمة المشار إليها بدايةً.
إن ما يؤشر إلى خطورة ما وصل إليه الحال، هو في أن يردد البعض، ببغاويًّا، أو مدفوعًا، ما يُزعم عن معاناتنا لمشكلة هوية، وكأنما نحن أمة بلاها، أو هي ليست بالقائمة، أو هي غير عروبتنا الحاضنة لتاريخنا ومواريثنا الحضارية وقيمنا الثقافية والدينية… في مثل هذا ما يؤشر بدوره إلى أن مشكلة الأمة كانت وتظل في نخبها المستلبة أو القاصرة، وربما بما يفوق خطرًا مشكلتها مع أنظمتها التابعة والمستبدة، وتكفينا هنا نظرة فحسب إلى ما نصلي به من لغو يتسم به أغلب الإعلام العربي، المتعدد مواقع ومواقف وتمويلًا وتوظيفًا وأجندات، ليهولنا ما يراكمه من تزييف للوعي وخلط للحقائق، بل منه ما بات وكأنما لا من مهمة له سوى تحفيز الفتن ونشر وباء التطييف، وكل ما من شأنه أن يلحق أفدح الضرر بروح أمة عرفت بتسامحها، وأن يشوِّه في عيون الغير نصوع هويتها الحضارية، ويحرف عن سواء السبيل وجهة توقها التحرري.
قد يبدو بعض ما طرحناه للدون، وهم بيننا كثير، ضربًا من الشعاراتية، وللمستلبين، وهم كثر في نخبنا، ما يوصف عندهم عادةً باللغة الخشبية، وقد يسارع داسوا رؤوسهم في الرمال برده إلى نظرية المؤامرة، رغم أن كل ما هو في راهننا لا يشي بغير ما ذهبنا إليه، أو ما ينطبق عليه المأثور: الحلال بيِّن والحرام بيِّن، فها هو نسيج الأمة سائر إلى التهتُّك أمام ناظرينا، ووباء الطائفية، وسعار المذهبية، اللذين ينفخ في ريحهما على مدار الساعة، يفتكان بوعي إنساننا، ويعيثان في وجدانه إفسادًا، فيبعثان في ديارنا جنون الشطط وغوائل فقه عصر الانحطاط، وكل هذا المرافق لمثل هذه الحالة المفتقدة للمعقولية، والتي ضاعت فيها البوصلة واختلط حابلها بنابلها…وكله،لا لشيء ألا لافتقادنا للرؤية السليمة لتراتبية أولوياتنا، وانعدام إيماننا، الذي لايأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه، بأنه ما من منجاة لنا إلا بوحدتنا ولا من ملاذ إلا عروبتنا.

إلى الأعلى