الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / معمار الرّواية بين عمران المدينة وإقصاء الإنسان في رواية “ممر الصفصاف” لـ”أحمد المديني” “2-2″

معمار الرّواية بين عمران المدينة وإقصاء الإنسان في رواية “ممر الصفصاف” لـ”أحمد المديني” “2-2″

كيف يرى الحيوان إلى أبناء البشر؟
سؤال تتضّح إجابته حين يُمسك الكلب طرف السّرد، فيمنحه المؤلف مهمة الكلام، يُعطيه اسماً، يزوّده أفكاراً ومشاعر وأحاسيس. إنه يُشخصنه حتى يكاد يصير أكثر إنسانية من شخصيات أخرى في الرواية، فلا تبرز هويته إلّا حين يقول: “رقصت لهم بذيلي ونبحت أسلّيهم وأرحّب بهم في ذهابهم إلى المدرسة ولدى عودتهم منها…”10. هو أشبه بكلب (أوسكار بانيزا) في رائعته «يوميات كلب» الذي لا يتوانى عن نقد الآدميين في سلوكياتهم غير الآدمية على الإطلاق. إنسانية كاملة تسقط، بل تنهار، عبر نظرة كلب إليها: “الآدميون عديمو وفاء، ليسوا مثلنا، نحن بني كلبون، وهي تسمية عندهم شتيمة، يتهموننا بالشراسة، وهم الذين يتناهشون في ما بينهم، يأكل بعضهم بعضاً. أعرفهم، بتّ أعرفهم، أمس البادية واليوم في هذه الحاضرة… هل أزيد؟”11.
أمّا الراوي الثالث، وهو (غانم) أو أحمد المديني المتخيّل، فيفضّل عزلته وتقوقعه على الانخراط في مجتمع منهار القيم كهذا الذي يعيش فيه. هو يكتفي بالهرولة بعد اعتزاله الكتابة. لكنّه يختار العودة إلى الكتابة، أو لنقل الحياة، بعد نظرة (تبادلها مع كلب) كانت أشبه بومضة حب التمعت وسط عالم مخرّب. كأنّ الروائي أراد أنْ يوظّف هذا المشهد رمزياً ليقول أنّ الكلب بوفائه قد يصير أقرب إلى الإنسان من أبناء جنسه ممّن ملأوا الدنيا خبثاً وفساداً. “أنت عندي أشرف من بو جمعة، ومن مول البركة الدّجال، من جيران متكومين على مكرهم وأخلاقهم المغشوشة…”12.
تتداخل أصوات “بلعيد” و”جاك” في السّرد فنعرف أنّهما وجهان لمأساة واحدة، يتقاطع أنين الحيوانات فى حديقتها على أطراف المنطقة مع أنين دراجة “بلعيد” التى تشكو رحلاته الطويلة، يتوالى السّرد بضمير المتكلم مع السّرد بأسلوب الرّاوى العليم فندرك أنّ المدينى يساند أبطاله بعد أنْ عبّر عن أصواتهم ببراعة لايخدشها سوى الاستطراد والإسهاب الذى لا يسلم منه فصل واحد، ليس هناك تنميط على الإطلاق رغم الإنحياز للفقراء، هناك فقراء يبيعون أنفسهم مثل “بوجمعة” حارس بناية السعادة ، الذى وافق على أنْ يكون عينا للأمن، والذى يمتهن السمسرة فى كلّ شىء، والذى يجلب الخادمات للسكان، ثم ينال “بوجمعة” فى النّهاية الطّرد، هناك سخرية مريرة من تلك الطبقة المتوسطة التى تعتمد على الأقساط فى حياتها، فئة من الموظفين تحاول أنْ تصعد معتمدة شعار الأنانية والإنكفاء على الذّات، سكنوا بناية السّعادة، ولكنهم لم يستطيعوا أنْ يكونوا سعداء، يمكن أنْ يسقطوا الى أسفل ، ويمكن أنْ يصعدوا إلى طبقة أعلى، وفى الحالتين هم خائفون .

البنية المكانية
يبني أحمد المديني فضاء روايته من خلال الوصف المكاني لحيّ سكني جديد في مدينة الرباط المغربية، لكنه لا يقتصر على الوصف، بل إنّه يغوص في أبعاد المكان السوسيولوجية والأيديولوجية، فيصوّر جشع المقاولين ومستثمري الأراضي، وينتقد خطيب الجامع وأصحاب «المخزن» (ممثلو السّلطة والشّرع) الذين يجندّون نواطير العمارات رجال استخبارات لهم: “عليكم أن تعرفوا النملة من أين تبوّل وإلّا استبدلناكم”13.
يصوّر الكاتب على امتداد الرواية سلطة “المخزن”، وهي أجهزة الأمن والمخابرات في المغرب، وكيف أن أول الأبنية التي يبدأ بناؤها في الحي الجديد هو بناء خاص بهم، إذ “لا يهم أن تتوفر للحي المدارس والسوق البلدي والمستشفى وأي منشأة حيوية أخرى، هذه المؤسسة أهم منشأة في المدينة، (هي وأخواتها). هكذا، يصف الكاتب عمل هذه المؤسسات المكلفة بالاستبداد وحشر البشر في المعتقلات، مؤسسات متعطشة لاضطهاد الآخرين والتنكيل بهم. هذا هو واجبهم الذي يؤدونه بإخلاص، يتدخلون في حياة البشر، يزرعون مخبريهم في كل مكان، يستعينون بنواطير وحرس الأبنية، كي ينقلوا لهم أخبار الساكنين، يهددونهم: “عليكم أن تعرفوا النملة من أين تبول وإلا استبدلناكم”. لا يجرؤ أحدٌ على أن يتجاسر عليهم، فهم “الشرع” والقانون في بلادٍ محكومة بالخوف والرعب.
يروي الكاتب كيف بدأ يتشكّل الحي الجديد، يتنامى عمرانه، ويزداد الساكنون فيه، ثم يُبنى ثلاثة مساجد في حيٍّ صغير عدد سكانه لا يحتاج أكثر من مسجد واحد، في حين أن الحيّ ما زال يفتقد الكثير من المنشآت الأخرى. ينتقد الروائي مظاهر التديّن الزائف والتبتّل المصطنع، فاضحًا التجارة بالدين، فبناء مسجد يضمن للمتبرع بيتًا في الجنة، بينما بناء مدرسة أو مشفى أو دار للعجزة لا يضمن شيئًا، وكأن الأمر “مباراة مفتوحة للتسابق على الجنة”.

اللعب السّردية
حسناً فعل المدينى عندما جعل من نفسه إحدى شخصيات الرواية، تبدأ الحكاية بمروره العابر فى السطور الأول كشخص مراقب يهرول ممارساً الجري، وواصفاً المنطقة التى تجري فيها الأحداث، ثم يقرر أنْ يعود الى كتابة رواية بعد أنْ أقسم أنْ تكون روايته السابقة ” رجال ظهر المهراز” هي الأخيرة، يبدأ المديني في التورط من جديد في فعل النبش والكتابة بعد أنْ عرف معاناة أهل منطقة عشوائية على حدود العاصمة الرباط، يريدون نقل سكانها الى مكان آخر، فيما بعد سيظهر المديني من جديد ليحدث (عمر غانم) إحدى شخصيات الرواية، يطلب رأي الشخصية في أن تقوم بدور البطولة فى عمله الذي يكتبه، مع السطور الأخيرة يعود المدينى للظهور مشاركا فى مسيرة التمرد، بعد أن مُنع من العودة الى شقته، واستعادة مخطوطة روايته.
تعمل هذه الحيلة البارعة الى نقل الكاتب من خانة المتأمل الى رتبه الشاهد المتورط، وربما كانت تحتمل أنْ يكون له دور أكبر، ولكن المعنى وصل تماما: لايمكن أنْ يصمت الكاتب عن تغييرات وانقلابات تتم أمام ناظريه، لا يستطيع أنْ يغلق عينيه عن بؤس يراه بدعوى أنه لايجب أنْ يهتم إلّا بممارسة رياضة تمنع عنه الأمراض، وتؤخر ملامح الشيخوخة، فكرة “الاهتمام” ستنتقل حتى الى الكلب (جاك) الذى يقتحم صوته السّرد، هو أيضا مهتم بالمكان الذي نزح إليه من مكان أصابه الجفاف، الكلب يبحث عن مأوى فيجده بعد جهد فى حفرة وسط حديقة أمام ممر الصفصاف، وبناية السعادة، في حي الرياض، بعد قليل ستبدو كل هذه التسميات ساخرة، حيث لا صفصاف ولا رياض ولا سعادة، هناك فقط اكتساح للحي وللحديقة، بيوتٌ إسمنتية، ومسجد ضخم يقام على أنقاض الجزء الجنوبي من الحديقة، ومرآب للسيارات، مدينة كاملة يحتلها الأثرياء، بينما يؤمر سكان المنطقة العشوائية بالإنتقال بعيدا عن العاصمة.
الكلب (جاك) متورط أيضاً فى الشّهادة، حاله لايختلف عن “بلعيد” القادم من منطقة عشوائية طاردة، لايمتلك هذا البائس سوى دراجة انتهى عمرها الافتراضى، مقدّم المنطقة يختاره لكي يكون حارساً على الحديقة، يعده بأنْ تسند إليه مهمة عظيمة، فى المكان يتصادق منبوذان : بلعيد وجاك، هناك أيضا بستاني بائس، عامان يحدث فيهما غزو الحديقة، يرتفع بناء المسجد الذى بناه حاج ثري لا يظهر أبداً، يتوقع (بلعيد) الذي حرس المكان، وشهد مولد المسجد، أنْ يجعلوا له مسكناً صغيراً ملحقاً، يطمح في أنْ ينضم إلى ساكني حي الرياض، ولكنّه يطرد هو والبستانى، يأتي حارس جديد، يطردون أيضا (جاك) لأنّ نجاسة الكلاب لاتليق بطهارة المساجد، الفقراء هم الديدان التي ترفع البنيان ثم تطرد، لا يأكلون سوى الخبز والشاي، أو يقسطون صحون الطعام من “مول البركة” الذي يستغل هوجة بناء المسجد في توسعة الإنتفاع من الدكاكين أسفل بناية السعادة، تجارة في كل شيء، خلال عامين تتغير معالم الحي، تبنى أماكن إدارية وأمنية، سكان البنايات منعزلون مثل الفئران، عندما نزل “جاك” إلى الحي لم يجد من يقدم إليه شربة ماء.

الخاتمة
تبدو الكتابة لدى أحمد المديني تجربة قاسية كتابة وتأليفا وبناء سرديا، إذ يصرح في مقامات عديدة بصعوبتها وقسوتها ولا جدواها، خصوصا أنّ امتداداتها في الواقع محفوفة الخطر الداهم للعزوف عن القراءة، ما يتسبب في تهميش الكتاب وكاتبه، أعني الكاتب الضمني في رواية (ممر الصفصاف)، إذ يعيش مخاضها ويعاني من مدها وجزرها بين حيرة تارة ويأس تارة أخرى، لكنّه عندما يجد الحافز لانطلاقتها لا يعثر عليه إلّا في نظرة لكلب متشرد وشارد يدعى (جاك)، هذا الأخير سيدفع الكاتب إلى التخلي عن التردد والمخاض للشروع في كتابة روايته المؤجلة منذ مدة من الزمن الكلب (جاك) سيتحول إلى ذريعة سردية حاسمة يستحوذ ويتفرد ويتسرد كبطل لا منازع له ويرافق الكلب بطلان موازيان هما: الحارس (بلعيد) المنحدر من دوار الحفرة المتواجد بضواحي مدينة الرباط، يشتغل حارساً في مشروع بناء مسجد كبير، لكنه سيطرد من العمل رغم مهانته واستذلاله ونفاقه، ثم هناك شخصية (غانم)، المنعزل الغامض الجامح والثائر والمتردد في مواقفه، يقدم في الرواية، وكأنه يعيش فصاما شخصيا، لكنه مع ذلك يصر على اعتبار نفسه كاتبا روائيا مسؤولا بحيث يتولى دور كتابة الرواية وتتبع تشكلاتها.
إنّ الكاتب المتخيل يروي تفاصيل مؤلمة عن مجتمع هامشي يعيش البؤس والفقر والاستغلال المفرط وبجميع أشكاله بدءا من الاستغلال في العمل وانتهاء بالطرد منه، وتلاعبات المستثمرين العقاريين ومؤامراتهم للاستحواذ على أراضي سكان (دوار الحفرة) وتحويلها إلى مشاريع سكنية راقية، حي الرياض في مدينة الرباط، وللإشارة فهذا الموضوع يوجد في كل مكان وزمان ويرى أنّه يمكن اعتبار الرواية امتدادا تخييليا شرعيا لمسيرة أحمد المديني، التي تميزت بإخلاص فريد لطريقته في الكتابة التغريبية، وتشبث استثنائي بموضوعاته الاجتماعية المتأرجحة بين هواجس الكتابة والإبداع والتخييل وهموم الواقع الاجتماعي للناس البسطاء المهمشين والمغلوبين.
نصف الرّواية بالنموذج المعبر عن الجشع والاستغلال الذي يتواطأ عليه أصحاب النفوذ من أجل تجريد السكان البسطاء من أصولهم وجذورهم وموطنهم وإقصائهم خارج المدن الحديثة داخل غيتوهات إسمنتية بلا معالم مدنية ولا روح إنسانية.
تقسو الرواية على شخصياتها؛ وقرائها أيضاً، ربما لتعكس واقعاً خشناً كالحاً يعاني الجميع فيه، فلا تحضر مسرّات ولو صغيرة، مرارات تسلم إلى أخرى، وقهر يفضي إلى سواه، حتى إن نداوة الأنثى وقصصها تكاد تغيب عن العمل، وحينما تظهر على استحياء وبشكل عابر، تطل مقهورة هي الأخرى: خادمة آتية من أحياء الهامش، تبحث عن تفريط أقل، وشبه حياة لمن وراءها، وغيرها من النماذج الأنثوية التي عبرت الرواية، ولم تكن إحداها محطة تتريث فيها الرواية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول: أنّ رواية “ممر الصفصاف” قد أعادت لحم كتابة الرواية (معمارها) بجسد المدينة، وبعمرانها الحي، يمثلها هذا الحي الكبير، حي الرياض الذي أنشئ بعيداً عن المدينة القديمة، ليصير حيا عصريا يحمل معالم المدن الحديثة بحشودها البشرية الهجينة والمتنافرة، وبعمرانها الزاحف على الأراضي الخصبة والملتهمة للمساحات الخضراء. والرواية بصنيعها هذا، عمدت إلى رسم لوحات ناتئة ومقعرة لهذه التشكلات البشرية والعمرانية، تكشف من منظور هزلي في الغالب عن سلوكات منحطة، طافحة بالأنانية والانتهازية، والاحتراس المرضي من الآخر، والنبش في أسراره وخفاياه، والتلفع بقيم التدين الزائف.
لقد اعتمدت الرواية من بين منظورات أخرى عديدة، منظورين أساسيين، قرنتهما بخطابات ولغات مخصوصة، منظورين لا يلتحمان ولا يتطابقان مع المنظورات السائدة والغالبة، بل يقيمان بعيداً عنها، يفضحانها ويهزءان من أعطابها السلوكية واختلالاتها القيمية. وإذا كان أحد هذين المنظورين قد جسدهما كما أشرنا سابقا الحيوان (جاك)، الذي اكتسى في الرواية ملامح شخصية مكتملة بنمط عيشها وبوعيها الحاد بذاتها وبما يحيط بها، فإنّ المنظور الثاني جسده (غانم)، شخص ظل برغم مخالطته لسكان حي الرياض، مستقلا بحياته الخاصة التي لا تشبه في شئ حياة ساكنة الحي المنكفئة على ذاتها والنابذة لغيرها. ولهذا السبب ظل مثار ارتيابها لكونها لا تطمئن إلى شخص اختار أن يعيش مختلفا عنها، وأنْ لا يقاسمها نمط حياتها، أو يشاطرها بلاهتها، بل إنّه اختار أنْ يصادق بدلها، كائنات حيوانية، يعتني بها ويحنو عليها ويرأف بها. لذا أضحى (غانم)، شأن (جاك)، يحيا وضع المبعد والمنبوذ والغريب، وضعاً أذكته الإشاعات التي ارتابت في تدينه بسبب انتقاده الجريء لمظاهر التدين الزائف وللسلوكات الفاضحة والجشعة لمن يدعون الالتزام به.
لقد مثل (غانم) إلى جانب ذلك محفل الكاتب، الصنو التخييلي للكاتب الحقيقي، (أحمد المديني). لذا لا غرو أنْ تتهمه جهات غامضة بانتحال اسم غيره، وبالشطط في الخيال، واختلاق الأحداث وابتداع الأمكنة، فعمدت في نهاية الرواية إلى طرده من مكان إقامته، بل ومنعته من استعادة أوراق كتابته، أي من استعادة روايته المخطوطة “ممر الصفصاف”. بذلك يجسد (غانم) فعالية الكتابة، باعتبارها فعالية منفصلة، لا تتواءم ولا تتطابق، بل تنفصل وتتغرب، إنّها فعالية لا تكف عن الإخلال بالانتظام المألوف للأشياء، ولا تمتثل للحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، ما يستعدي ضدها السلطة الظاهرة أو الخفية، الحريصة على الاحتفاظ للخطابات بنظامها المعهود، وللأشياء بترتيبها المفروض.
وقد عمدت الرواية إلى اللعب بمحافلها، تخييلية كانت أم واقعية، بما يبقيها متأرجحة على التخوم الواهية بين ما يعد خيالاً وما يعد واقعاً. فجعلت كاتبها (الواقعي)، أحمد المديني، يتسلل أحياناً إلى داخل عالمها المحكي كي يحل بعض مشاكل تأليفها مع شخصياته، فيما أوقعت (غانم) في أحابيل تخييلية مطبقة، انتهت به متلبسا بتهمة انتحال اسم الكاتب الحقيقي للرواية.
لقد مثلت الرواية في أحد جوانبها الباتوسية/ الانفعالية14، سيرة صداقة بين شخصيات هامشية ومنبوذة، بين غانم والحيوانات التي تحفل بها الرواية، الكلب (جاك) بخاصة، وقبله القط (هشام). وتعد هذه الصداقة من طبيعة الصداقات التي تجمع بين الغرباء وتؤالف بين المنبوذين، تتقوى بمشاعر التجاوب والتضامن في وسط مترع بالقسوة والعنف والجحود والخذلان. ومن الدال أنْ لا تنشأ صداقات بين الكاتب غانم وبين غيره من البشر، بل نشأت حصرا بينه وبين كائنات حيوانية، جعلتها الرواية تتحلى وبخلاف الشخصيات الإنسية، بصفات الوفاء والإباء والكرامة برغم شظف العيش وقسوة الحياة. بل لقد أضفت الرواية على الشخصيات الحيوانية عمقا وجدانيا وحسا إنسانيا رفيعا، لا نعثر على نظير له في سيرة الكثير من شخصياتها الإنسية. “لا شك أنت عندي أشرف من بوجمعة، من مول البركة الدجال، من جيران متكومين على مكرهم وأخلاقهم المغشوشة، بل أصفى سريرة من خطيب يوم الجمعة.. لا أعرف من هو بالضبط، بسبب الخطب العديدة التي تصلني من كل اتجاه، لا يتقن إلا الوعيد والنذير، ويرسلني إلى يوم الحشر قبل الأوان، بينما أنا متأكد بأني صافي السريرة مثلك، بلا سيئات، أو إن حسناتي يذهبن سيئاتي، التي لا شك يتربص بها سكان الحي عدا، وفرزا وتقويما، من بينها علا قتي بك أنت على الخصوص، أنت عندهم مخلوق نجس، وعندي أنك أطهر من كثير أنا أدرى بنجاستهم”15. لقد صار (جاك) شخصية رئيسية في الرواية، نازع ساردها أو مؤلفها التخييلي (غانم)، مكان البطولة فيها، إلى الحد الذي صار معه المؤلف الواقعي محتارا بين من ينبغي أن يسند إليه دور البطولة: لـ(غانم)، السارد والمؤلف التخييلي للرواية، أم لـ(جاك)، الكلب الصديق. فاختار أنْ يقتحم عالم روايته ويسأل الاثنين أن يبتوا في الأمر: “قلت جئت للحسم، فأنا منذ مدة أراقب الوضع، وضعكما. والحقيقة أني شرعت أيضا في كتابة قصتكما وقطعت في ذلك أشواطا، لكني اصطدمت الآن بمأزق، وأريد مساعدتكما. لا تستغربا فمشروعي جدي، وسأكمله كما أكملت مشاريع سابقة، ولولا أنها المرة الأولى أجمع فيها الإنسان إلى الحيوان لما أشكل علي الأمر، ولكان المشروع انتهى منذ فصول. باختصار ينبغي أن تتفقا في ما بينكما وتقررا من هو البطل، لأن الرواية لا تحتمل في النهاية، ومهما تنوعت، أكثر من بطل واحد، هذا ما أؤمن به، وهو القاعدة، ولا يهمني الاستثناء”.16 وقد بدا بالتالي طبيعيا أنْ لا يجد الغرباء، أي الكاتب وأصدقاؤه من الحيوانات، مكانا دائما لهم في وسط ينبذهم، أي في هذا الوسط الرباطي الطافح بالقسوة والعنف والإلغاء. لذا شكل مشهد الكاتب وهو ينضم إلى جموع حيوانية غاضبة وثائرة، علامة عن استحالة استمرار العيش في هذا المكان الصاد والنابذ، وقرار الرحيل عنه إلى وجهة أخرى، “نحو الجنوب بعد أنْ تمّ التأكد بأنّ في الشمال جميع الناس غرقى، نبحث عن مأوى بعد أنْ طردتنا الرباط، اكتشفنا أنها ليست لنا، وها إننا نمشي، ونمشي، وما نزال…”. 17
أخيراً، يمكن القول: أنّ رواية ممر الصفصاف تشكل إضافة نوعية في المسار الروائي لأحمد المديني، أبرز فيها قدرته الفائقة على تخيل الأمكنة المدينية، ورسم تشكيلاتها وتلويناتها البشرية والعمرانية بمختلف أبعادها و نتوءاتها وتجاويفها. بل إنّ المديني في هذه الرواية أراد أن يصنع رواية مدينة، هي “حي الرياض” في الرباط، بل وأنْ يربط ميلاد الرواية وتشكلها ذاته بميلاد هذا المكان وتشكله هو أيضا، في لحمة أبدت معمار الرواية (عمرانها) يتماهى وعمران المكان، أي أبدت التخييلي (الروائي) واقعا والواقعي تخييلا (روائيا). وقد قاد المديني هذه الرؤية الجمالية عبر تشكيل محكم لمعماره الروائي الذي استقام بنيانا مرصوصا، بلغات وجمل سردية ووصفية دقيقة ومنخولة، أعاد التأكيد من خلالها على وفائه لنوع من الإطيقا18 في الكتابة، غايتها أن تهب القارئ، في كل إصدار من إصدارته الجديدة، نصا روائيا أو قصصيا، مدهشا وصقيلا. ما زلت أرى أن مسيرة الانتقام اتجهت الى الهدف الخاطىء، أولئك الذين هُجّروا من خيامهم قسرا الى مناطق جديدة هم ضحايا أيضا، لكن فعل الانفجار فى حد ذاته دال وهام ويستحق التنويه، يبدو المستقبل غامضا، الأمن ورجاله يشعرون ربما بالحيرة أيضا من توقع أى مستقبل للبلاد.
رواية “ممر الصفصاف” تستخدم ضفيرة الخيال والواقع، وخلطة الجدية الساخرة، لتقول أشياء هامة عن صناعة التهميش، وسحق الآخر فى عاصمة ومدينة تشبه الكثير من المدن والعواصم العربية، عندما يتوقف الروائي عن الجري، وعندما يكتب من جديد، لن يستطيع أنْ يكتب إلّا مأساة مهما فعل، ليست أبداً أقل من مأساة مؤلمة، رغم سخرية الرواية، وخيالها المحلق.
يمكن القول أيضا: أن رواية “ممر الصفصاف” لقاء أدبي وجمالي حقيقي بسلالة الأدب المغربي الحديث التي يمثلها محمد شكري ومحمد زفزاف ومحمد عز الدين التازي وغيرهم.
ختاماً، إنّ في رواية “ممر الصفصاف” نصادف التغريب نفسه الذي دأب المديني على بلورته وتشييد معماره منذ بداياته السردية، وكأنّ واقع الوقت المغربي، الذي تحدث عنه الروائي لما يزيد عن أربعة عقود، ما زال قائما وجاثما، فالأشخاص الهامشيون أنفسهم والوقائع السحرية التغريبية ذاتها.

1 صحفي وأديب إسباني ولد عام 1931.
2 فيلسوف وناقد وسينمائي فرنسي، ولد في باريس عام 1025 وتوفي عام 1995.
3 رواية “رجال ظهر المهراز” منشورات أحمد المديني، 2007. وفيها إشارة واضحة باالعدول عن الكتابة والتوقف عنها، بسبب يأسه من وضع القراءة في بلاد لم تعد تعير للكتاب أدنى قيمة.
4 الرواية، ص47.
5 الرواية، ص
6 الرواية، ص
7 الرواية، ص373.
8 الرواية، ص47.
9 الرواية، ص322.
10 الرواية، ص50.
11 الرواية، ص325.
12 الرواية، ص
13 الرواية، ص
14 وهي خطابات أرسطو المتعلقة في عمليات الخطاب الإقناعية والحجاجية.
15 الرواية، ص309.
16 الرواية، ص322.
17 الرواية، ص393.
18 التفكير الإيطيقي هو احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والكرامة الإنسانية لأي فرد أو مجموعة من الأفراد.

عزيزة الطائية

إلى الأعلى