الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ” بوحُ خالد آل خالد ” المجموعة الشعرية التي ترفعك للزاهدين وتنزلك مع المتصعلكين

” بوحُ خالد آل خالد ” المجموعة الشعرية التي ترفعك للزاهدين وتنزلك مع المتصعلكين

يفتتح الشاعرُ خالد محمد البلوشي مجموعته الشعرية “بوحُ خالد آل خالد”، الصادرة في دمشق لدى دار الفرقد،2015م، بإهداء من مجموعته –سماواتٌ دامسة – ” أنا رُوحي الآن/ أصفى/ وأنقى/ من ألا أبوحَ بريحِ مِسكي” كلمات موغلة في الكشف عن ما تحمله قصائد المجموعة التي تتدفق الكلمات منها في توهج بين سبح الزاهدين وتنقلات النفس ورجوعها إلى الصعلكة الأولى. كذلك هناك اختيار آخر يضعه الشاعر مباشرة بعد الاهداء لجبران خليل جبران جاء فيه” إنّ بليةَ الأبناءِ في هباتِ الآباء، ومن لا يحرمُ نفسَه من عطايا آبائه وأجداده يظلُّ عبدَ الأموات ِ حتى يصيرَ من الأموات”. من هذا الانتقاء الجبراني من يقرأ المجموعة يجد هذه العبارات هي الشمس المشرقة التي تنير دروب البوح فالعلاقة التي يعرضها الشاعر متكئًا فيها على حالة صوفية، هي أقرب ما تكون إلى الزهد الخالص، باستخدام التجلي الرباني في مقاطع قرآنية تحمل المفردات والتعابير في جوهرها الرغبة في الخلاص من أثر الماضي وجموده، ” أخبئُ نفسه في مشكاةٍ مقدّسة/ حتى لا يختلطَ مع الأمشاج/فالنفسُ دسّاس/ والنفسُ بالسوءِ أمّارة” يقيم خالد البلوشي بالهيئات الصوفية المتنوعة بين الخطاب الذاتي المؤطر مع النفس وبين وصف حالات صوفيه كتب عنها، كجدته التي لا تفارقها المسبحة والاستغفار” جدتي/ اسمُها خاتون عابدة/ كانت تصارع السبحةِ/ بأصابعها المتشققة/ ليل نهار/ لا إله إلا الله…”، هذه الحالة من التناصًّ مع الآيات القرآنية، فهي ليس بهدف إبراز الملمح الديني إنما تكثيف الصورة الشعرية مع هاجس مؤرِّق حول معنى الحياة، وما يعتريها من امتحانات مفاجئة فنجده في مقطع آخر يقول” ألبس قميصاً قددنه من قُبلٍ ومن دبرٍ/ أنزع نفوسي وأحشرها في وعاءٍ/ أرميه لهنّ قائلاً: هيتَ لكن”. هذا الشحَنُ بروحُ شاعرية تأتيه باندماج مع الآيات القرآنية، وبتطويع لغوي بليغ مع شحن المعنى بدفقةً موسيقيةً عالية، فالبلوشي يفعل ذلك بعمقٍ إذ تظل الكلمات رنانة في إذن المتلقي ولا تغادر ببساطة صورتها، ويصبح تكرار القراءة أمام تركيبتها ضرورةً تُعيد طرح السؤال والدهشة أمام القارئ، ليعيد بذلك إنتاج التفكير فيها من جديد بتناص قرآنيٍ بديع ” أهشُّ على أغنامِه بعصاً أعطانيها/ ألقطُ قطرةَ وضوءٍ من لحيتِه/ لأصونها في لوحٍ محفوظ/ وأدرأَ عنها عينَ الحسود/ أخبئُ نفسه في مشكاةٍ مقدسة/ حتّى لا يختلطَ مع الأمشاجِ / والأضغاث/ فالنفسُ دسّاس/ والنفسُ بالسوءِ أمارة”، وفي مقطع شعري آخر نجد” كلٌ يريدُ أن يراودني عن قلبي/كما أرادوا أن يراودوا إبراهيمَ عن ضيفه/داودَ عن مزماره وجباله/ يوسفَ عن نفسِه”، وفي تركيب آخر من الحديث النبوي عندما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم لعمه أبو طالب: يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته. نجد إن اختيار منتقى من هذا الحديث يهيِّئ الشاعر قارئه ” ولكني لستُ أنا من وضعَ القدرُ/ الشمسَ في يمينه ولا القمرَ في يساره/ ولا أنا من كان للعاشقينَ سلطانا/ ولا للمحاربينَ أميراٍ ولا للمصلينَ إماما”
يكتب خالد البلوشي شعرًا متناهيًا في العذوبة لا مبالغا في مفرداته ولا استعارات ضخمة في صوره، ولا لغة مقعَّرة تصير كأقفاص قديمة غطاها الصدأ هي ومفتاحها لا تفتح أبوابها وأقفالها بسهولة، ولا يعلم القارئ أي مفتاح من الرزمة اللغوية التي نتكلمها الان تفتحها،” بلادي ترابٌ/ طينٌ/ علقٌ” فالتنوع في موضوعات المقاطع الشعرية يجعل الانتقال من الماضي بعبقه التاريخي إلى المستقبل الذي يتعلق الأمل به يمر دون فواصل أو حواجز تقطعه، فهناك في أكثر من مقطع شعري نجد إن التاريخ الذي يعيد نفسه مع الحالة العربية السياسية المتموضعه خلف الرهانات الكثيرة والشعوب تئن تحت وطئت ثقل العيش ” سأحكي لكِ يا سيدتي عن لياليَّ الحالكة/ فقد صحبتُ فيها الدّروايشَ والأبدالَ/ فتحتُ الفتوحاتِ المكيّةَ والمدنية/لعقتُ الطواسينَ/ لثمتُ فمَ يسينَ” وأنطلق البلوشي بشاعريته لأقسى المشاركة في الأعمال خاضعًا لمبرِّرات الهيمنة “كنتُ حاجباً في بلاط ِ الخلفاءِ/أهذّب شواربهم ولِحاهم/ أُصارعُ الفيالقَ والسّرايا/ أنازلُ الشّهبَ والنّيازكَ/لأحميَ أسنانَهم المذهبة”.
الجزء الأخير من المجموعة يكشف فيه الشاعر عن بوحه وعنوان المجموعة الذي يسيطر عليه من هو خالد؟ وما دلالات حروف أسمه المكتنزة معنًى؟ والتي تعطي مدلولها ببوحٍ شاعريٍّ دافق، مغلَّفةً بحكمة الصوفي الهائم في حبه ” سآتيك يا قلبي/ سأخلعُ نعليَّ هاتينِ وصوفي هذا/ثم ألجُكَ/ألجُكَ عاريا/ وأتلو باسمكَ سورك وآياتك”، وإمعانًا في الزهد يقول ” لا تقل لي:/ إليكَ قبسي/ إليك شهابي/إليك جذوتي/النارَ النارَ أريد/…. أنا الناريُّ/أنا النوريُّ/ أنا الحواريُّ”، ثم يبحر في الأبجدية التي تحمل حروف اسمه التي تبدأ بالخاء وتنتهي بالدال، ليعود إلى مبتغاه، فيجرِّد الحروف وينهي المقطع بكلمة “كلينا” فالقارئ سيختتم المقاطع الشعرية بهذا الأثر العميق في وجدانه ” الخاءُ خاؤنا كلينا/ والألفُ ألفُنا كلينا/ واللامُ لامُنا كلينا/ والدّالُ دالُنا كلينا/ كلانا خالد / كلانا واحد” .

د. سعيد محمد السيابي

إلى الأعلى