الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة نقدية في المجموعة القصصية “البطاقة الشخصية للعمانيين” لِمازن حبيب

قراءة نقدية في المجموعة القصصية “البطاقة الشخصية للعمانيين” لِمازن حبيب

إنَّ ما يأتِي به مازن حبيب في “البطاقة الشخصية للعمانيين” بعد أن كَتَبَ ذاكرته وعَنْدلَ سعفةً بمنهجةٍ رؤيوية وزميلًا وخاضَ تجربةً مع سبق الأيام في يومياتهِ التي عنونها بـ”خارج مناطق الألم.. مراعاة لفارق الجرح” -يسبقُ سابقهُ صدقًا ويلحقهُ قُربًا من الواقع الافتراضي!
ففِي كل ما كتَب وضَع شيئًا من “ذات” مازن، إذ لا يُصرّح لهذا ولا يُشير إليه ولكن يبقى ما يُتوارث في سرده الذي يحيقُ بشيءٍ من تعريضٍ غير مُذعن لذاتٍ تشبهُ بعضها في عدَّةِ صُورٍ.
ما يتميَّزُ به سرد “مازن” التمحورُ بينَ بينينِ في المستوى الدلالي؛ فهو لا يتجرَّدُ من الشيء الذي يعتلقهُ تمامًا ولا يتعلَّقُ بهِ أيضًا، لكِن يأخذُ موقفَ المُراقب الذِي يحترزُ قولهُ ويختار وقت تدخله بعناية. وهذا ما جعلَ الخيَال ماكنًا في إيحاءاتهِ اللفظية.
وهناكَ ميزةٌ اكتنفَت نصوص “مازن” السرديَّة، وهي أنه ، يزرع الأحداث ويجعلها تفلت من قبضةٍ ترتبطُ بعُصاب الكاتب، فلَا يحاصرها ولا يُمنهجها وِفق مسار موضوع بل يتوخى تلقائية حدوثها وإن كان يكتبها!
في المجموعة القصصية نظرٌ إلى الآيديولوجية – التِي تخلع سردية النَّص بشكل جزئي إن كانت همًا- وتقيّدٌ غير ظاهر بخطِّ سير الأحداث، والمُلفت هنا عدم انفلات “مازن” من مفهوم القصة مع هذه التدخُّلات المفاهيميَّة.
يعتني “مازن” بالشخُوص والذوات وتُؤرقهُ بقلقٍ وجوديِّ، إذْ لمْ يكُن هذا حاضرًا في مجموعته القصصية التِي نتحدث عنها بل في يومياتهِ “خارج مناطق الألم.. مراعاة لفارق الجَرح” و”الذاكرة ممتلئة تقريبًا” أيضًا.
يُعامل الكاتب أزمنته على قياسٍ مُطلق، أي أنه لا يربطُ قصصه بمكانٍ وزمانٍ ثابتٍ بِحيثيات قد تعزله عن الكون الخارجي ولا يجعل القارئ مُحاطًا بمفاهيم قد يكون من الصعب عليهِ فِهمها بَل عالمي الصُنعة غير مُتجرِّد من بيئتهِ الأصل التِي استلهم منها أحداث قصصه والتِي بَان فيها خياله الخَصب.
حينَ يبتدئُ الكاتب قصصه بنصٍّ رؤيوي فإنهُ يلجُ إلى ما هُو أبعد من مُجرَّدِ وَضع توصيفٍ لمَفهوم “القص”، إذ لَم تكُن إحالاتهُ الكلاميَّة نصحًا وتوجيهًا على المعنى الصحيح والدقيق لآليته في رصفِ تلك الكلمات، ولَم تكُن الغاية مُستقلة بقصدٍ أوحدٍ، ولَم تكُن توقعاته إلا محض تصوُّرٍ يُلقَى لأنه بإسناده الوصف يحسمُ أمر الترجيحِ للقرارِ على فكرةٍ بعيدَة عن المُماثلة اللغوية.
فهُو يضعنا في “النبأ الأخير” -على اعتبارِ أننا قُراء- في مُحاولةٍ لفِهم ما يدُور في خلدِ شخصه أو شخصيتهِ المُجسَّدة والمُجنَّسة بوضوح. فالعراكُ بيّن وإن تعددَ وقرينتهُ حوار “الإعلامي” ومُلابسات المكان والتحركات غير النائية عَن إيحاءٍ باضطرابٍ وشيك، حين يقول في بادئ نصِهِ: “سيحدث اليوم ما لا يحدث عادةً هنا. هذا كل ما في الأمر”. كمَا يُمعن الكاتب التركيز على أجزاءٍ أثرُها ليس بالمُحركِ لسير متصاعدٍ في النص وهذا أسلوبهُ في تقليلِ حدَّةِ الفِكرة، ويُـختلفُ في هذا تناولًا ومفاضلةً إلا أنها ليست سلبيةً ولا إيجابيةً محضَة. وهذا الإغراق في التفاصيل الإضافية ولعلها ليست تفاصيل بالأحرى، “لا يتعلق النبأ الأخير بارتفاع عدد الضحايا في بغداد والضفة الغربية، أو بزلزال مدمر في شرق آسيا، ولا بانخفاض حاد في مؤشر داو جونز، ولا خسارة مذلة لريال مدريد، ولا حتى بفوائد الشاي الأخضر في الوقاية من السرطان. .. ” و”أعزائي المستمعين” التِي رددها لا توحِي بقادمٍ استدعَى التفاتًا مثلمَا استدعته عبارته حين يقول: “إنها لحظة سعيدة في حياتي، وإن قصرتْ”!
هذهِ الإنسيابية التِي أحاقَت عملهُ سردًا لَم تجعل القارئ في مفترقٍ للمكوث بين بينينِ أو أكثَر، فالتسلسلُ كفيلٌ لإيصال فِكرة وإن كان وصولها سطحيًا، التتبعُ السليم للغتهِ البسيطة التي لا تُثقل على المتلقي أو القارئ تحتملُ أَوْجهًا اكتشافُ آخرها مُرهقٌ وهذَا طابع الآيديولوجيا إن سَادت عملًا ما. والقفز بين العبارات حَمَلَ ما لا يُحملُ! إذْ يُواصلُ سرده غير آبهٍ بما يدور حوله؛ ليعيش تجربة الشخصَ/ الذات ويأخذُ بيد قارئهِ لهذه التجربة الحقيقية الخارجة عن حدود المألوف التي لا تحتملُ التراتبية الماثلة في بعض القصص.
قصتهُ الأولى تعيشُ لحظة بلحظاتٍ ممتدَّة، لكنها لحظَة واحدة لا تكترثُ لاتساعِ الأحداث الجارية في عقله وحوله. فإجادتهُ لجعلِ الفِكرة واضحة في زمنٍ قصيرٍ وحيثياتٍ ضيّقة وملابساتٍ مُترددة لأنها لحظة جعلتهُ في خطٍ آمِنٍ يجلو بهِ عن أيِّ إخبارٍ آتٍ.
اختزال الحديث الكثِير ظهرَ على اختلافِ مستويات القَصّ وتعدد مراميها، وهذا عاملُ دهشةٍ واستقطاب إمعانٍ أكثَر لداخلِ النص.
اقترابُ الكاتبِ الحثيث من الواقع، واقعيته، التِي جمَّلت سردهُ في “حياة صغيرة قصيرة”. يختزلُ الكثير مما يُستشف ولا يحتاج لتعريضٍ أعمق لاستيضاحِ ما يَحتمِي بالأحداث. فهُو إذْ يختصرُ أزمةً أو لنقُل شائكةً في صفحتين لِيُمثلُ واقعية أو طبعانية بسيطة وغير غارقة في المثاليات والتنميق يكُن قد وُفِّقَ في عرضِ حياةٍ بطابعٍ حديث العهد*. الجدير بالذّكر هُنا أنَّ الكاتب لم يكُن جانحا نحو الخيَال وهذا شأن الطبعانية التي لا تحث عليه لأنها بطبيعة الحال واقعية، ومن جانبٍ آخر فهُنا تناص مع نصّ “طفل ديزيريه Désirée’s Baby” للكاتبة الأميريكة “كِيت تشوبنKate Chopin ” التِي نُشرت لأول مرة بعنوان “والد طفل ديزيرِه The Father of Désirée’s Baby” ، حينَ كتَبت عن القضية الاجتماعية نفسها “تمازج الأجناس”. فالأم والأب يفاجأن بابن “أسود” لا يُشبهُ أيٍّ منهما وردة الفعل الطبيعية للأمر الاستنكار والرفض المُباشر بطبيعةِ الحال، مَع ترجيح سبب هذا الاستثناء “أسلاف الأم”، وهذا الحكم في القصتين متشابه إلا أنَّ قصة “حياة قصيرة صغيرة” كانت في الواقع قصيرة حدَّ أنَّ لم يُصرَّح الأمر نصًا بل من تسلسل سردِ الكاتب يتّضحُ المرمى وفي الثانية فإن استنكار الأب ورفضه في بادئ الأمر لما حصل وحكمه غير المُحقق باعث لمعرفة ما ستنطلي عليها الأحداث لاحقًا وهو أنَّ والدة الأب من أصلٍ إفريقي وهو لم يكن يدرك أصله. والقضية نُوقِشت مرةً أخرى في قصةِ ” زيارة إلى أﭬويلِس A Visit to Avoyelles” لنفس الكاتبة.
فالتَقاربُ بيِّنٌ جدًا بين القصتين وترجيح الخيارات كذلك في إرجاع التحليلات والتوقعات، وهذه مُلاحظة أخرى على ما سبقَ ذِكرُه وهو تمحور الكاتب بينَ عالمٍ خارجيّ أوسعٍ وبيئةٍ داخليةٍ تحتضنُ ما يحتضن الخارج أحيانًا. فالقصَّة ودلالتها وقضيتها متوافقة مع اللغة التِي أتت بها، وعلامات العبارات وإيحاءاتها المُرافقة كذلك. الفارقُ بينَهُ وبين “تشوبن” أنَّ “مازن” قلَّصَ السرد لاحتواء القضية أكثَر، أو لتركيزٍ أكثَر ولعلّ هذا مُسوغ عدم إعارتهِ التفاصيل الأخرى انتباهًا فهو لَم يأبهْ بنقل القارئ من فهمٍ لآخر بطريقةٍ مُستهلكة ومن نقل خطّ مسار العين بمسارٍ معروفٍ مسبقًا بل جعلَ لنصهِ فضاءً أرحَب بهذا الاختزال المُوفق. ما جعلَ القصة تستطردُ سيرها اللغة التِي رُسمت بها: “لا يملك، وهو الأسود الصغير (حسب أفضل الأوصاف)، إلا أن يستعير من دمعات أمه إلى أن يشرع يومًا في ذرف دموعه.”
لم تكُن مجموعة “مازن حبيب” القصصية تشدُّقًا لغويًا بَل مقصدًا بيانيًا، ولا خطًا مستقيمًا مساقًا بَل تعرجًا تناسبَ ومسار التواء المعنى. أدبه اكتفى بموازنة الشخوص والعالم الانفصالي دون إسهابٍ يهدهد وحدة النصوص. ولم يَفصل بين الأزمنة ولا الأمكنة ولا التحركات الممتزجَة فِي الذوات.
بعض القصص تشابهت من حيثِ الجو السائد المسيطر على صعود الحدث ووضوح المغزى. في قصتِي “الحارس” و”الرجل الذي تجرّد من ذاته” عُنفوان ليسَ بالشديد ولا بالليِّن ولكنه وسطًا كعادة الكاتب في الوصف والتوصيف في بقية أعماله وبيانُ ما أتى في القصتين السابقتين قريبٌ إلى حد كبير بِإتيان الكاتب في يومياته “خارج مناطق الألم .. مراعاة لفارق الجرح”. مدى النظر والرؤيا ممتد ومُستفز ومواتٍ لكل محيطِ السرد القصصي وإن كَان خفوته في بعضِ الأجزاء مُثبطًا لقوة الاحتمالات والآراء المحسومة نهجًا على وتيرة مَعلومةٍ ومُعتادة. الوصف عند مازن يُغني عن فهم القصة، والفهم ليسَ غاية أولى عنده إذْ يكتفي بوصفٍ يصقلُ فِكرته لا لغته، وهُنا احتكامٌ أدبيٌّ جَيِّد إن صحَّ القول.
ففي العبارات: “ولكنه لم يفوت على نفسه .. بعضًا من لحظات البهجة ..” و”لم يكن يحاول أن يخفي غيظه حين يستفزه أحد الزوار ..” و”كان يفكر كثيرًا، ..” وأيضًا، “لقد أمسى أخيرًا يتذكَّر وجوه الزوار أكثر من أي شيءٍ آخر”، فهذا البعد السيكولوجي الذي ارتكزَ عليه “مازن” في خلقِ قصتهِ خدمَ فكرته ملائمةً مع ما يعوم حوله من شخوصٍ متعددة ومواقف يَرسمها الأفراد.
و”الرجل الذي تجردَ من ذاته” توازي السابقة إلا قليلًا، فهذا يَتعارك مع عالم متجرد كَمثله ولا يعي تمامًا ما يجول داخله. تقهقره الداخلي في النص، “يتبادر إلى ذهنه أنه من المحتمل أن يُستقبل وجهه الجديد بامتعاض واستغراب من الناس من حوله، ..” يمضي في الشارع، دون أن يلتفت يمينًا أو يسارًا كي لا يبدو كبقية المتطفلين ..” وأيضًا، “إلا أن مكانته تمنعه من أن يفعل ما يرغب في أن يفعله أحيانًا.” بهذا القالب القريب البعيد عن الشكلانية فإنَّ الكاتب ينحى منحًى آخرًا في الأدب ليُعطي الطابع الأدبي فحَسب ذا اللغة والدلالة المحمولة بِمَا تضم من أبعادٍ لا مخصوصةٍ للأداة الأدبية فقَط. التصوير حاضرٌ في سرده ويزداد كلما أبانَ عن تسترٍ يضمرهُ لمعنى ما، في “اليوم الذي انكسرت فيه الشماعة” يختمُ القصَّة بخلاصٍ حاسمٍ وقاطعٍ لأيِّ تتمة حين يقول: “لقد حلَّ اليوم الذي انكسرت فيه الشماعة، يا عزيزتي، ولم يعد يلزمني غيرها قط”. حينَ تحملُ عبارةً كهذه حِملَ أحداث قصَّةٍ بمجرياتٍ وتفاصيلٍ سردية يوميَّة لشخصٍ لا سُلطة وحكمًا لهُ غير الانصياع لزوجتهِ وما تُملي عليه، فهو “لم يكن مستعدًا لتحمل تبعاتها.” وحقًا هذا ما كان يُؤطِّرُ الحياة فيما بينهما، يلاحظ كل ما في الأمر من اعتباطية وتكلفٍ وتملكٍ حتَّى ضاق به الأمرُ ذرعًا، وكأنَّ سقوط الشماعة كانَ إيذانًا لهُ بأن ينطق ويحركَ شيئًا مما تراكم داخله لتظهر كلمته وظهرَت! وإن كان ظهورها وسطًا أيضًا غير مُبتذلًا ولا خاضعًا للفظٍ صاعدٍ أو رشيقٍ يتوافقُ مع الدهشة التِي ترافق دأبَ الموقف.
لُغة الكَاتب بسيطة وجيِّدة إلى حدٍ ما. المعاني ثخينة وصُبَّت في قوالب تحتمل هذه الثخونة، كانت اللغة تنحدرُ وترتفع بمستوًى رفيع جدًا. لا يُعنى الكاتب برصف الكلام وتنميقه دون وضع أساسٍ متينٍ تنطلقُ منه اللغة برشاقة لفظية قابلَة للتماهِي مع كل دلالةٍ ومعنى بمرونة متقاربة باتّساق غير متباعدة ومتقهقرة فنيًا.
السردُ في “البطاقة الشخصية للعمانيين” آيديولوجي بحت. فهُو يُقارب وجهات نظر عدة بقوالب متعددة تلتقِي في نهاية الأمر عند بيان نظرة أو فهمٍ للكاتب نفسه. لا ينزحُ عن الهم المَغمور في كل قصة بل يواكبُ أحداثه باحترازٍ سليم وهادئٍ بعض الشيء، وهذا أسلوبه وطابعٌ انتهجهُ في بقيَّة كتبهِ. إنَّ ما كانَ مُحتضنًا في المجموعة القصصية هو “الآيديولجيا” المكتنزة ظاهريًا وغير ظاهريًا بدءًا من عنوانه “البطاقة الشخصية للعمانيين”.

عُهود المخينية

إلى الأعلى