الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حقائق عصر !

حقائق عصر !

د. فايز رشيد

” صحيح أن إسرائيل لديها أسلحة متقدمة وكيماوية ونووية , وموازين القوى العسكرية تميل في صالحها على الدوام، ولا يمكن المقارنة بين ما تمتلكه من أسلحة نوعية متقدمة ومتطورة وما تمتلكه حركة المقاومة، لكن وفق قوانين حرب التحرير الشعبية يمكن تحييد هذه الأسلحة، ويمكن التأثير على إسرائيل بواسطة العمليات النوعية والصواريخ التي لم تنفع القبة الحديدية في صدها,”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كانت المقاومة تصلح لكل زمان ومكان في مواجهة المحتلين, فإنها الأجدر في مقاومة الكيان الصهيوني بكل ما لديه من الاستعلائية العنصرية والاعتماد على فرض وقائعه بقوة السلاح. لقد اعتادت إسرائيل على نقل معاركها إلى أراضي الآخرين، وظل ساكنوها بمنأى عن أي تهديد. ثلاث مرات على التوالي جري تهديد القلب منها. المرة الأولى كانت في عام 2006 على أيدي المقاومة الوطنية اللبنانية, والمرة الثانية هي في الرد على عدوان 2008 -2009 على غزة, والمرة الثالثة في مجابهة عدوان 20014 على القطاع. في المرة الأولى غادر الإسرائيليون شمال فلسطين المحتلة وهاجروا إلى الجنوب. في المرتين الأخريين تمت الهجرة من الجنوب والوسط إلى الشمال. تل أبيب والقدس الغربية طالتهما صواريخ المقاومتين اللبنانية والفلسطينية.
المقاومة في مواجهة الغاصبين هي الأسلوب الوحيد للرد على كل المحتلين, وعلى رأسهم إسرائيل, بكل ما فيها من عربدة وعنجهية وغطرسة فاقت شبيهاتها لدى المحتلين الآحرين, وبخاصة أن عدونا اقتلاعي, استيطاني, عنصري، سرق أرضنا واقتلع شعبنا وقام بتهجير معظمه بعد مجازر ومذابح كثيرة اقترفها وما يزال بحق أهلنا وأمتنا. لولا أن مقاومة الغاصبين مشروعة, للشعوب المحتلة والمغتصبة إرادتها, لما وافقت عليها الأمم المتحدة في قرارات واضحة, وخصّت بالذات الحق في استخدام الكفاح المسلح من بين أشكالها ووسائلها.المقاومة هي لغة التخاطب مع الغاصب والمحتل.المقاومة هي نبراس الشعوب المحتلة من أجل نيلها لحقوقها الوطنية ولحريتها واستقلالها.
في المرات الثلاث: رفضت إسرائيل في البداية وقف عملياتها العسكرية ضد المقاومتين اللبنانية والفلسطينية, ولما أشتد سقوط الصواريخ على أهداف كثيرة في إسرائيل وبخاصة في المدن، صارت تبحث عن وقف لإطلاق النار، نعم هي التي تطلب وقف القتال حتى لا يفتضح قادتها أمام الشارع الإسرائيلي. بالتالي فالاستنتاج الوحيد من هذه المرات هو تعزيز الحقيقة:أن إسرائيل تحديداً مثل كل محتل لا تستجيب إلا للغة القوة والمقاومة. هذه الوسيلة هي التي تجبر إسرائيل على الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية , والأخرى العربية . هذا ما أثبتته كل تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.المحتل الصهيوني بالطبع ليس استثناءً من بين كل الغاصبين, ما ينطبق عليهم يسري عليه.
صحيح أن إسرائيل لديها أسلحة متقدمة وكيماوية ونووية , وموازين القوى العسكرية تميل في صالحها على الدوام، ولا يمكن المقارنة بين ما تمتلكه من أسلحة نوعية متقدمة ومتطورة وما تمتلكه حركة المقاومة، لكن وفق قوانين حرب التحرير الشعبية يمكن تحييد هذه الأسلحة، ويمكن التأثير على إسرائيل بواسطة العمليات النوعية والصواريخ التي لم تنفع القبة الحديدية في صدها, وقد كلفتها مئات الملايين من الدولارات. لو اعتمدت حركات التحرر الوطني على موازين القوى , لما جرى تحرير البلدان المستعمرَة. ولو انطلقت جبهة التحرير الفيتنامية من موازين قوى تطالب بمضاهاة ما يمتلكه الثوار من أسلحة مع الأسلحة الأميركية, لما تحررت فيتنام الجنوبية، فلا يمكن لموازين القوى أن تتساوى بين الجانبين.نفس القانون ينطبق على المقاومة وعلى إسرائيل.
إسرائيل لا تحتمل معركة طويلة الأمد، وهذه نقطة ضعف كبيرة لديها، بالتالي يتوجب على المقاومة أن تطيل أمد المعركة معها مهما استطاعت. إسرائيل لا تحتمل خسارة البشر سواء أكانوا جنوداً أم مدنيين، بالتالي على المقاومة دوما استغلال نقطة الضعف الثانية هذه، وجعل كل عدوان على الأرض الفلسطينية مشروعاً خاسراً ومكلفاً لها بالمعنيين البشري والاقتصادي. مثلما قلنا إسرائيل لا تحتمل نقل المعركة أو آثارها إلى الداخل الإسرائيلي. نتيجة لصواريخ المقاومتين كانت تدوي صفارات الإنذار في فضاءات المدن الإسرائيلية،ويهرع ساكنوها وسط حالة من الذعر الشديد إلى الملاجئ، حتى أن نتنياهو وأركان حكومته الائتلافية وكبار القادة العسكريين والأمنيين, وفي مرات عديدة, اضطروا للنزول إلى الملاجئ.في ظل هذه الحالة من المقاومة , لم ولن تجرؤ إسرائيل على الحرب البرية حتى لو جندت مئات الآلاف من الاحتياطي فيها…(لأنها تدرك الخسارة التي سوف تتكبدها , كما حصل في عام 2006 في الجنوب اللبناني وبخاصة في مدينة بنت جبيل اللبنانية في البشر) فلن تكون قادرة على الاستمرار في أية معركة برية ولهذا لديها قانون حسم المعارك باقصر مدة ممكنة.
أما بالنسبة لنهج المفاوضات مع الأعداء فلقد استعملته حركات التحرر الوطني للشعوب : على قاعدة الكفاح المسلح. كانت حركات التحرر ( وفي مرحلة متقدمة من النضال ) تجري مفاوضات مع العدو في الوقت الذي تجري فيه المقاومة على الأرض. والحالة هذه: فإن المقاومة تستعمل للضغط على الغاصب.هكذا جرت المفاوضات بين جبهة التحرير الفيتنامية والولايات المتحدة.كانت بعض جولات المفاوضات بين الطرفين لا تستمر أكثر من 5 دقلئق. لقد رفض الثائر الوطني الإفريقي الأممي , نلسون مانديلا ,على عتبات البيت الأبيض أن يلقي حزبه(المؤتمر الوطني الإفريقي) السلاح في مقاومة الحكم العنصري في جنوب إفريقيا، ورغم أن الرئيس الأميركي بيل كلينتون أنذاك طالبه بإلقاء السلاح. جاء تصريحه بعد مباحثاته مع كلينتون وفي المؤتمر الصحفي المشترك بين الزعيمين.المقاومة كانت تجري ضد الحكم العنصري على الأرض, والمفاوضات السياسية تجري بينهما, دون أية مساومة أو تنازلات عن الثوابت والحقوق الوطنية للشعب الجنوب افريقي .
في الحالة الفلسطينية : فإن من أفدح الأخطار , التي تُلحق بالقضية الفلسطينية أشد أنواع الأذى, إعلان رئيس السلطة وقادتها عموماً: بأن الخيار الفلسطيني الوحيد يتمثل في المفاوضات والمفاوضات فقط،خاصة وأن تجربتي اتفاقية أوسلو وعشرين عاماً من التفاوض مع إسرائيل, لم تُلحق بالمشروع الفلسطيني سوى الويلات والكوارث والتنازل عن الثوابت, ومصادرة الأرض, والمذابح , والاغتيالات, والاعتقالات , والتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية كلها دون استثناء، ولم تزد إسرائيل إلا غطرسة وعنجهية وعربدة , والمزيد من اقتراف العدوان, والإغارة بالطائرات والصواريخ وقصف المدافع والدبابات والبوارج , فأي مفاوضات أو سياسة أو دبلوماسية تنفع مع هذا العدو؟.في نفس المجرى يصب اعلان الهدنة القصيرة أو الطويلة الأمد مع العدو تحت ستار “التهدئة”. اسرائيل انسحبت من لبنان دون قيد أو شرط في عام 2006, وأوقفت اطلاق النار في لبنان عام 1996 دون قيد أو شرط . اسرائيل لم تلتزم بشروط صفقة شاليط . إن الحقيقة الأكيدة التي هي بمثابة ” حقيقة العصر” :إن تحقيق أية مطالب فلسطينية ( ولو كانت صغيرة ) مرهون بمقاومة الكيان بكافة الطرق وعلى رأسها الكفاح المسلح ودوام حالة الاشتباك معه ( وليس التهدئة!) ودوام استنزافه, وتحويل احتلاله إلى مشروع خاسر بالمعنيين : البشري والاقتصادي وبالضرورة الآخر السياسي فكل غاصب هو الخاسر سياسيا.

إلى الأعلى