الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انطباعات ومشاهد من قلب العاصمة التايلندية بانكوك 1/4

انطباعات ومشاهد من قلب العاصمة التايلندية بانكوك 1/4

سعود بن علي الحارثي

” تعد تايلند من أهم الواجهات السياحية في العالم حيث استقبلت حوالي 25 مليون سائح في عام 2014 , وقدرت العائدات من هذا القطاع بحوالي 7,4 مليار دولار , وذلك نظرا لما تتمتع به من طقس معتدل ومناظر طبيعية خلابة ومزارات تاريخية ودينية تشد السائح وتدعوه إلى اكتشاف تاريخ عريق يحمل الكثير من الأسرار والألغاز وأسواق عامرة وبرامج ترفيهية متنوعة ورعاية صحية متطورة وعلى رأس تلك الأسباب كما أشرنا أخلاق الإنسان التايلندي,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا : إطلالة تاريخية ومؤشرات اجتماعية واقتصادية
من الصعوبة بمكان أن يجد المسافر إلى دول شرق آسيا مقعدا شاغرا على أي من شركات الطيران المتجهة إليها خاصة في فصل الصيف, بسبب زيادة الطلب على السفر إلى تلك الدول الذي فاق العرض المتوفر من المقاعد, ويعود العامل الأول في ذلك إلى نجاح هذه الدول في إنعاش سوق السياحة بجميع أنواعها وفي جذب السياح إليها للتنفيس والترفيه والاستكشاف والاستشفاء … إلا إذا تنبه المسافر لتلك المعضلة فتمم حجزه قبل السفر بموعد كاف, أو كانت ظروفه تسمح له بزيارتها قبل أو بعد أشهر الصيف كما هو موعد رحلتنا التي تحددت في العشر الأواخر من مايو. لم تكن هي زيارتي الأولى ولا الثانية ولا حتى الخامسة لتايلند, ولكن مع كل زيارة لهذا البلد الساحر اكتشف المزيد من الجماليات عن الطبيعة والحداثة والتطور والحرية المنضبطة والمسئولة وتوظيف الامكانات لخدمة السائح والمعاملة المميزة والروح المرحة التي يتميز بها المواطن التايلندي والوجود العربي الذي يتعمق ويتزايد هناك, وهو ما حثني للحديث بشيء من التفصيل عن تايلند على ضوء المشاهدة اليومية, وعموما فقد أصبحت تايلند وجهة للعمانيين يزورها البعض أكثر من مرة في العام سياحة واستجماما وعلاجا وعملا … استغرقت الرحلة الجوية انطلاقا من مطار مسقط الدولي وحتى مطار العاصمة التايلندية بانكوك في حدود سبع ساعات تخللها توقف لم يتعد خمسا وأربعين دقيقة في مطار كراتشي, وهو توقف لازم الخطوط الجوية التايلندية على هذه الرحلة المنطلقة من مسقط منذ سنوات طويلة بغرض نقل عشرات الركاب الباكستانيين الذين يعملون أو يقيمون بشكل دائم في تايلند ويمضون أجازاتهم السنوية في الباكستان أو يتخذون من مطارها محطة ترانزيت يواصلون منها رحلاتهم إلى دول أخرى بغرض السياحة والتجارة والعمل, وما أن يضع المسافر قدمه على أرض الطائرة إلا ويتلبسه شعور قوي بأنه قد لامس الأرض التايلندية ذاك لما يجده من أفراد الطاقم المختص من أدب جم وحسن استقبال وصيغ احترام طبيعية تقفز من المحيا دون تكلف أو تصنع, وانحناءة تقليدية مميزة توارثها التايلنديون عن أسلافهم جيلا بعد آخر تحمل معاني التقدير والشكر والحب والكرم, وابتسامة ساحرة يوزعها الجميع على الجميع لدرجة أن الفرد يشعر وكأنه الوحيد المميز دونا عن الآخرين بتلك الصيغ والمفردات المحببة التي تجذب السائح إلى تايلند خاصة وإلى دول شرق آسيا عامة, فالابتسامة شعار جميل وأخاذ يعبر عن سلوك راق لمنتهى درجات الكرم التي يستقبل بها الإنسان ضيفه , والابتسامة الساحرة فن أتقن رسمها الشعب التايلندي , وإليها يعود بعض الفضل في نجاح قطاع السياحة التي يعول عليها المجتمع الكثير. وجاء اسم تايلند أو (براتيت تاي) بمعنى الحرية, من منطلق أنها القطر الوحيد من أقطار جنوب شرق آسيا التي لم تخضع لأي احتلال أجنبي, فقد بذل الملوك السياميون خاصة (( راما الخامس)) 1868 _ 1910م )) جهوده للمحافظة على استقلال البلاد من كل الاحتلال الأجنبي ولتدعيم هذا الهدف تم التنازل عن أقاليم كبيرة لفائدة القوات الاستعمارية (( كمبوديا واللاوس تم التنازل عنها لفرنسا وسلطنة مالاي لبريطانيا )) , وقد عرفت تايلند قبل العام 1938م باسم (( سيام )), ولم أجد بعد أكثر من جهد بحثا وسؤالا معنى لهذا الاسم, ويقوم الحكم فيها حاليا على الملكية البرلمانية حيث تم تبني دستور جديد وانتخاب حكومة ديمقراطية بدأت عملها في العام 1975م , وتقدر مساحة تايلند ب 514,000 كلم2 , ويبلغ عدد سكانها حوالي 66 مليون نسمة في آخر احصائية متوفرة , ويتحدث الشعب التايلندي عدة لغات (( التايلندية وهي اللغة الرسمية, الصينية , الإنجليزية والماليزية )) , ويأتي المسلمون في المرتبة الثانية من حيث عدد السكان في تايلند (( 4% )) وتحتل الديانة البوذية النسبة العظمى من حيث عدد السكان (( 94%)) , وتمثل قطاعات الفلاحة والسياحة والصناعة أهم مقومات الاقتصاد التايلندي الذي تأثر بالأزمة المالية الآسيوية بعدما عد من أسرع البلدان نموا في العالم الثالث قارب العشرة في المائة بين منتصف الثمانينات وبداية التسعينات, وقد عاود الاقتصاد التايلندي الانتعاش , حيث بلغت نسبة نموه 5% بنهاية عام 2006م . وشهد انخفاضا في العام الماضي بسبب الفيضانات المدرة التي شهدتها البلاد والاضطرابات السياسية.
وقد مرت تايلند بأزمات سياسية متتابعة منذ أن أطاح الجيش برئيس الوزراء ثاكسين شيناوات في 2006. وفي سبتمبر 2008 ظهرت مجموعة “تحالف الشعب من أجل الديمقراطية” ذات القمصان الصفر في الشوارع وشلت الحركة في العاصمة التايلاندية بانكوك ومطار بانكوك الدولي وكذلك اعتصمت أمام مقر الحكومة من دون مغادرة، ووصلت حدَّتُها عندما اقتحمَ المتظاهرون مبنى قناة تلفزيونية رسمية والمقر الرسمي لرئاسة الحكومة، ونجحت المعارضة في إقصاء ساماك سوندارافيج بعد أن أرغمته المحكمة الدستورية على الاستقالة بسبب إقراره بالذنب لقبوله أموالاً من شركة خاصة تُنتِج برامجه التلفزيونية عن فن الطبخ. صادقَ البرلمان على الاستقالة وعُيِّن سومتشاي وونجساوات كرئيس للوزراء بالإنابة لكن مجموعة القمصان الصفر لم تُعجب برئيس الوزراء الجديد . فاستمرت في مظاهراتها المطالبة بإجراء انتخابات برلمانية جديدة. وفي 2 سبتمبر 2008 أصدرت لجنة الانتخابات في تايلاند قراراً بحلّ الحزب الحاكم في البلاد (حزب سلطة الشعب) بعدَ أن اتهمته بارتكاب تزويرٍ في الانتخابات الماضية. وفي 17 سبتمبر 2008 استطاعَ الحزب الديمقراطي تشكيل الحكومة للمرة الأولى منذ عام 2001 وعيَّن أبهيسيت فيجاجيفا رئيساً للوزراء. وقد ادى تنظيم انتخابات العام 2011 الى فوز حزب من اجل التايلنديين برئاسة ينغلوك شيناواترا الاخت الصغرى لرئيس الوزراء تاكسين شيناوات ، وقد بذلت ينغلوك جهودا كبيرة من اجل اخراج البلاد من ازمته من خلال اتباع سياسة توفيقية هدفها ارضاء جميع شرائح المجتمع التايلندي المتنافسة, لكن الخلافات السياسية المستمرة ما بين الحكومة والمعارضة ادت الى اندلاع تظاهرات مناهضة للسلطة في بداية شهر تشرين الاول 2013 على وقع محاولات للحكومة في تمرير قانون للعفو يتيح في حال اقراره الى عودة رئيس الوزراء السابق تاكسين شيناوات الى البلاد دون قضاء عقوبة السجن المحكوم فيها منذ سنوات . ودفع تدهور الوضع السياسي في تايلند على خلفية الاحتجاجات المناوئة للحكومة الى اعلان رئيسة الوزراء ينغلاك حل البرلمان في كانون الاول 2013 تمهيدا لإجراء انتخابات جديدة في الثاني من شباط 2014 في خطوة منها لإنهاء حالة الجمود السياسي في البلاد ، وعلى الرغم من اجراء الانتخابات في موعدها المقرر وسط مقاطعة بعض الاحزاب ولا سيما الحزب الديمقراطي , إلا ان المحكمة الدستورية قضت في 21 آذار 2014 ببطلان الانتخابات البرلمانية وأقرت بعدم دستوريتها بسبب إعاقة المحتجين لها ومنعهم من إجرائها في 69 دائرة من اصل 375 دائرة اي 20 بالمئة من الدوائر الانتخابية ، الامر الذي قيد من سلطة رئيسة الوزراء ينغلاك التي أصبحت رئيسة لحكومة انتقالية محدودة الصلاحيات . ولم تكن هذه الضربة الوحيدة التي تلقتها السيدة ينغلاك بل ان لجنة مكافحة الفساد وجهت لها تهمة الفساد في قضية سوء ادارة برنامج دعم الارز ، وقد ادى اتهامها بهذه القضية الى عزلها عن رئاسة الوزراء وتعيين نائبها نيواتومرونغ بونسونغ بيسان مكانها بالوكالة لحين اجراء الانتخابات البرلمانية التي لم تتم حتى الآن بسبب الانقلاب العسكري الذي قام به الجيش التايلندي في نهاية شهر مايو/آيار من السنة الماضية لوضع حد لحالة عدم الاستقرار السياسي الذي مرت به البلاد , والذي قد يكلف تايلند خسائر اقتصادية كبيرة فيما لو تواصل . تلك الاحداث السياسية المتتابعة نظر إليها المراقبون والمحللون بشيء من القلق والخوف من تأثيراتها السالبة على السياحة والاقتصاد التايلندي خاصة وعلى مستقبل البلاد , ولكن الأحداث أكدت على وعي المجتمع التايلندي وعلى قوة مؤسساته واقتصاده وثقة السائح في التايلنديين , فبرغم المظاهرات الصاخبة والأزمات السياسية وحالة عدم الاستقرار إلا أن حركة السياحة كانت طبيعية ولم تصدر تحذيرات من أي دولة لرعاياها حول ذلك .
تعد تايلند من أهم الواجهات السياحية في العالم حيث استقبلت حوالي 25 مليون سائح في عام 2014 , وقدرت العائدات من هذا القطاع بحوالي 7,4 مليار دولار , وذلك نظرا لما تتمتع به من طقس معتدل ومناظر طبيعية خلابة ومزارات تاريخية ودينية تشد السائح وتدعوه إلى اكتشاف تاريخ عريق يحمل الكثير من الأسرار والألغاز وأسواق عامرة وبرامج ترفيهية متنوعة ورعاية صحية متطورة وعلى رأس تلك الأسباب كما أشرنا أخلاق الإنسان التايلندي, ورغم أن المحظورات في تايلند شبه معدومة والحرية الفردية بسلبياتها وإيجابياتها مباحة وممارسة, ومشتهيات السائح ومتطلباته متوفرة, إلا أن الوضع مستقر ومنضبط ومصان, فلا فوضى يثيرها البشر لأتفه الأسباب, ولا عشوائية في الحركة والبناء والمعاملات, ولا مخالفات قانونية ملموسة, ولا إزعاج أو مضايقات تلاحق المسافر وهو يتجول في الأسواق والمنتزهات والأماكن العامة, ولا تسول ولا استغلال ولا اعتداء على السائح, فكل تايلندي جعل من نفسه قدوة في الانضباط وفي الالتزام بالقانون والأعراف والقيم وحسن المعاملة مع السائح فقلما تسمع الأذن صوتا لسيارات إسعاف يدخل الرعب في النفوس ولا نزاعا بين متخاصمين يلفت الأنظار ولا حادث سير يجمع إليه المتطفلون ويخلق أزمة سير , وحتى في الفترات التي تشهد فيها البلاد اضطرابات سياسية ومظاهرات احتجاجية واسعة لم يحل ذلك دون استقبالها لأفواج السياح من جميع بقاع العالم كما أشرنا إلى ذلك … ويتزايد دور تايلند فيما يعرف باسم قطاع (( السياحة العلاجية )) التي تنمو بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30 % سنويا , لتتبوأ قائمة الدول التي تتنافس في تطوير السياحة العلاجية , جاذبة أفواج السياح من جميع أنحاء العالم , من الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ودول الخليج واليابان والصين والهند … بعدما تبينت لهم الإمكانيات العالية في الخدمات والرعاية الصحية التي توفرها المؤسسات الصحية , وقد نجحت المستشفيات التايلندية في جذب شريحة كبيرة من العمانيين الذين يتوافدون إلى المصحات والمستشفيات دون انقطاع حتى الأغنياء منهم القادرين على العلاج في المستشفيات الأوروبية والأمريكية , وذلك لعدة عوامل منها : التجهيزات والوسائل المتطورة التي زودت بها المستشفيات , كفاءة الأطباء العالية , دقة التشخيص , العلاج الفاعل , المعاملة الحسنة والحرص على تقديم صورة حسنة للآخر عن مستوى الخدمة , الانضباط في المواعيد , التكلفة المالية في متناول الكثير من الشرائح , السمعة الحسنة التي ينقلها المسافر لهذا الغرض , وقد لمست ذلك شخصيا في أكثر من موقف , ويعود الفضل في نجاح المؤسسات العلاجية في هذا البلد إلى الكادر التايلندي الكفء الذي شغل جميع الوظائف الفنية والإدارية وغيرها في هذه المؤسسات بعدما نال أعلى المستويات التعليمية التي أهلته للمساهمة الفاعلة في بناء بلاده مساهمة يفتخر بها الشعب التايلندي , واقع يؤكد على أن الأساس في بناء الأمم وتطورها وتقدمها إنما يعود سببه إلى التعليم الجيد القائم على التخطيط والتهيئة , ويعمل في المؤسسات الصحية المتخصصة في استقبال المرضى من خارج تايلند عشرات المترجمين إلى اللغات الأخرى لتسهيل وسائل التخاطب بين الطبيب والمريض الذي لا يتقن اللغتين التايلندية والإنجليزية , ومنها اللغة العربية التي يقوم بها تايلنديون درسوا في جامعات عربية في مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا, وفي معاهد خاصة بتدريس اللغة العربية في تايلند.

إلى الأعلى