الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا لم يعتبر العرب بذكرى حرب الأيام الستة ؟

لماذا لم يعتبر العرب بذكرى حرب الأيام الستة ؟

د.أحمد القديدي

” أين انتفاضة أبي ذر الغفاري و ثورة ابن المقفع وحيرة أبي العلاء المعري واجتهاد ابن رشد وإبحار الجاحظ في العلوم الطبيعية وقانون الطب الذي وضعه للإنسانية الرئيس ابن سينا وترجمات بيت الحكمة والمدينة الفاضلة لأبي نصر الفارابي والتحليل العميق للمجتمعات الإنسانية الذي قام به العلامة ابن خلدون؟
بل أين نحن من اكتشافات ابن النفيس وطبائع الاستبداد للكواكبي …”
مرت الذكرى الثامنة والأربعون لحرب الخامس من يونيو – حزيران 1967 مرور الكرام كأنما أصيب العرب بفقدان الذاكرة وفضلوا دفن رؤوسهم في رمال التاريخ ومحو تلك الذكرى تماما بينما يقتضي وضعنا العربي الراهن أن نستخلص العبرة من هزيمة جيل كامل حكمته أيديولوجيات القومية والتقدمية والإشتراكية وشعارات من نوع لا صوت يعلو على صوت المعركة حتى خسرنا كل المعارك. كنا في الخامس من يونيو 1967 في العشرين من أعمارنا الغضة نحلم باستعادة أمجاد الأمة وربما كنا نصدق أحمد سعيد وهو يصرخ في إذاعة صوت العرب بأن موعد الجيوش العربية هو في تل أبيب و كنا نسمع إذاعة البي بي سي تقول ليلة الرابع من جوان بأنه على الجانب الإسرائيلي لا شيئ يوحي بالحرب أما على الجبهات العربية فالأناشيد الحماسية تشيد بالنشامى و كان المشير الركن المهيب يتجول بين صفوف العسكر وصدره مزين بالأوسمة الملونة والنياشين اللماعة! وكانت ذكرى مصرع ملك العراق فيصل ورئيس حكومته نوري السعيد ووزرائه وأفراد عائلاتهم حاضرة بعد في الأذهان وعلى إثرها سالت دماء اللواء الرئيس عبد الكريم قاسم نفس العسكري الذي قتلهم وسحلهم في شوارع بغداد وما تزال سوريا أنذاك تعج بالمساجين من رؤساء وسياسيين ومثقفين ولا تقدر على حشد الجيوش أو تحقيق النصر ومصر كانت تحت وطأة الصراع الدموي بين عبد الناصر والإخوان المسلمين حيث وصلت المحنة إلى إعدام المفكر سيد قطب في أغسطس 1966. كان الشعب العربي في الشهر السادس من سنة 1967 يحاول الخروج من نير الاستعمار والتخلف وكانت الجماهير العربية ترجو من حكامها تحمل أمانة نصرة فلسطين ولكن الهزيمة كانت في جينات تلك الأنظمة! لم تدرك النخب الحاكمة حينئذ أن ماهو مطلوب من الدول ليس سوى تشريك الناس في سن الخيارات وإعطاء الحريات العامة لمنع الإستبداد والفساد ثم التعامل مع العصر بأدوات العصر أي بالمنطق ومراعاة الواقع واحترام الاختلاف وكسب الرأي العام العالمي باحترام القانون الدولي. فكانت كارثة الهزيمة التي سميناها نكسة مبرمجة في سياق التاريخ. حينما يعود للعقل العربي وعيه الغائب فإنما نتفاءل ونتوقع نهضة الأمة بفضل إنتصار التأصيل على الإستئصال، بعد أن عشنا أعمارنا (من أجل هذه اللحظة التاريخية) كما قال قائل من تونس سنة 2011 وننتظر بزوغ هذه الشمس الساطعة الغراء وإنبلاج هذا الفجر المقدس.
وبالرغم من الدروس القاسية التي ألقاها علينا التاريخ منذ 1967 و تفجيرات العنف التي تعصف بدول الشرق الأوسط و تقتل العرب الأبرياء، فإننا نعيش مرحلة مخاض عسيرة أحد مؤشراتها أن أعدادا كبيرة من شبابنا العربي يختار اليوم بين أن يركب زوارق الموت الصغيرة التي تحمل زهرات شبابنا عبر البحر الأبيض المتوسط ليلتحقوا بسواحل أوروبا حاملين شهادات لم تنفعهم في أوطانهم، أو السفر إلى ليبيا أو العراق أو سوريا للإنضمام للجماعات المسلحة وبالرغم من أننا كنا منذ عقود نقرأ إحصاءات الأمية المتفشية في البلدان العربية في تقرير منظمة الألكسو العربية، أو نسمع زعماء العالم الأقوياء يتوعدوننا بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا لم نصلح تعليمنا ونغير خرائطنا ونحرر مجتمعاتنا، فان أول ما كنا نفكر فيه هو أن العقل العربي مني بهزيمة نكراء أو للتفاؤل لنقل نكسة كما فعلنا مع الخامس من يونيه حزيران 1967.
كل من يقرأ تاريخ العقل العربي منذ انتشار الرسالة الإسلامية إلى اليوم، يقف حائرا حسيرا أمام النكبة التي أصابته والانحدار الذي اعتراه. هذا العقل الذي قدم للإنسانية علوم الرياضيات والفلك والجغرافيا والجبر والطبيعة وأسس لها علم الاجتماع وفلسفة التاريخ وأبدع الأدب والفنون وعرف كيف ينقل عن الثقافات المختلفة ويضيف إليها دون عقدة أو انغلاق. كيف تقهقر إلى الوراء وتجمدت أطرافه وتصلبت شرايينه ولحقه عفاء الزمن؟ إنها ظاهرة خطيرة أن يتقلص العقل العربي إلى دور التقليد بعد مجد الإبداع وأن يقتصر على التبرير عوض التفكير وأن تجف منابع الاجتهاد ليتحول العرب إلى ببغاوات التقليد والتكرير وإعادة إنتاج ثقافات الأمم الأخرى في عالم لا مكان فيه إلا للمبدعين ولا سيادة فيه إلا للمبتكرين!
أين انتفاضة أبي ذر الغفاري و ثورة ابن المقفع وحيرة أبي العلاء المعري واجتهاد ابن رشد وإبحار الجاحظ في العلوم الطبيعية وقانون الطب الذي وضعه للإنسانية الرئيس ابن سينا وترجمات بيت الحكمة والمدينة الفاضلة لأبي نصر الفارابي والتحليل العميق للمجتمعات الإنسانية الذي قام به العلامة ابن خلدون؟ بل أين نحن من اكتشافات ابن النفيس وطبائع الاستبداد للكواكبي وأقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك للوزير خير الدين التونسي وتخليص الإبريز لرفاعة الطهطاوي وقواعد الوحدة الإسلامية لجمال الدين الأفغاني؟ لا شك في أن العقل العربي تخلف وارتد عن هؤلاء العمالقة الرواد، ولا مجال البتة لمقارنة مجد العقل العربي الزاهر بحالته الراهنة الكاسدة التي طالت إلى يوم أصبحنا نجني فيه الثمرات المرة المسمومة للصراعات الطائفية والقبلية والعشائرية والدينية! فالمقارنة كادت أن تؤدي بنا إلى الإحباط و اليأس و القنوط . و طالما كنا نتطارح ونتناقش حول الأسباب المختلفة التي أطاحـت بقـلاع العقل العربي و دمرت حصونه و طالما تواصينا بأفضـل الحـلول و أنجـع العلاجـات للخروج من عصر الظلمات الذي أناخ بكلكله على العالــم العربــي منـذ أن استقلت شعوبنا و أقامت دولا و أعلنت جمهوريات وحتى جماهيريات ورفعت عقيرتها بالشعارات وتخيلت الثورات و تعاقبت فيها الانقلابات و تمت القطيعة الكاملة بين أصحاب الأمر وأصحاب الفكر.
حينها وبالتدريج تم تدجين العقل المفكر وتحرير العاطفة الهوجاء. تم إلغاء الاجتهاد وتنصيب الاستبداد وخاصة بحجج لا صوت يعلو على صوت المعركة … كما كان في العهد الناصري والبعثي أو بحجج لا صوت يعلو على صوت الوحدة القومية كما كان يقول الحبيب بورقيبة! وفي الغالب ذبح العقل قربانا للأوهام وأصيب العالم العربي بما يمكن أن نسميه التصحر الحضاري الذي أتى على أخضر الفكر ويابسه وتعطل جهاز الحكمة، لتنبت أشجار ضياع الثقة في النفوس وانهيار المناعة الثقافية وانتشار وباء التقليد للآخرين في الملبس والمأكل والسلوك واللغة والفن وحتى الدين! كأننا أعجاز النخل الخاوية التي ذكرها رب العالمين في القران. والغريب أن هزيمة العقل العربي تواصلت حثيثة في عالم استيقظ منذ عقود على نداء العولمة و وحدة المصير و نكاد نحن العرب نطرد أنفسنا طردا من دائرة التاريخ .
قال الله تعالى: قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ [الحجر: 56].
وقال: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87].
صدق الله العظيم فإننا إذ نكاد نيأس نتذكر قول الله تعالى هذا فنعود إلى الأمل في الشباب العربي الواعي و في بعض القيادات العربية الرائدة و نتفائل و نعمل و نحاول الإسهام في تغيير ما بالنفس حتى يغير الله ما بنا.

إلى الأعلى