الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاستعمار الأميركي يطوق أوروبا بعد تثبيت ركائزه في المنطقة

الاستعمار الأميركي يطوق أوروبا بعد تثبيت ركائزه في المنطقة

شراع

خميس التوبي

قد يكثر اللاعبون ويتعدد المغامرون ويتنوع الوكلاء والعملاء على رقعة شطرنج المنطقة، إلا أن المايسترو واحد الذي يدير هذه الكثرة والتنوع والتعدد ويتحكم في إيقاعها ونسقها، إنه المستعمر الأميركي ومن ورائه المحتل الصهيوني، فهؤلاء ليسوا أكبر من مجرد خدم أُسندت إليهم وظيفة السمسرة والجباية لصالح سيدهم الأميركي ومعه الصهيوني الذي يبرهنون كل يوم على ولائهم له وأنهم رهن إشارته.
وبالنظر إلى طبيعة الأدوار الوظيفية التي أسندها الأميركي إلى خدمه من التنظيمات الإرهابية التكفيرية والمرتزقة التي أنتجها ورعاها وطوابير العملاء والوكلاء، وإلى النتيجة الكارثية التي لحقت بالمنطقة وشعوبها، يمكن القول إن الأميركي قد نجح نجاحًا باهرًا في تثبيت ركائز استعماره وهيمنته على المنطقة قبل مغادرتها باتجاه آسيا نحو الصين وبحرها وكوريا الشمالية، وإلى أوروبا الشرقية حيث روسيا الاتحادية وبقية الدول المرتبطة بعلاقات صداقة وتحالف مع الدب الروسي، والمباشرة بالعبث في حدائقها الأمامية والخلفية وصولًا إلى العمق الصيني والروسي؛ لكون العملاقين الصيني والروسي هما أكبر حائل أمام التفرد الأميركي على العالم أجمع.
صحيح أن الأميركي سينجح في التوقيع على الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نهاية هذا الشهر (يونيو)، وقد أبدى إشارات إيجابية للالتزام بمهلة التوقيع، بَيْدَ أن ذلك لن يكون على حساب المصالح الصهيو ـ أميركية في المنطقة، ومن المؤكد أن الأميركي لم ينوِ الذهاب إلى المفاوضات والإصرار على إنهائها بتوقيع الاتفاق ـ رغم الزعيق والنهيق لكيان الاحتلال الصهيوني وحلفائه وعملائه ـ إلا بعد أن رتب أوضاع المنطقة وفقًا لحسابات هيمنته ومصالحه الاستعمارية واطمأن على ذلك.
ومن يتتبع خريطة المنطقة يجد بوضوح ركائز الاستعمار الأميركي وأذرعه وقد توزعت بطريقة مدروسة جدًّا لإحكام الهيمنة وإخضاع المنطقة، سواء كانت تنظيمات إرهابية أو قواعد عسكرية أو عملاء ووكلاء ومرتزقة، مع ملاحظة عميقة وجديرة بالأخذ وهي أنه لا يوجد أميركي على شبر من الأرض إلا وتنظيم أو تنظيمات إرهابية بجواره وتمثل ساعده الأيمن، فالقواعد الأميركية قديمة الإنشاء أو حديثة أو مزمع إنشاؤها لا تقام إلا تحت مظلة الإرهاب، ومن ذلك:
أولًا: الجغرافيا الواسعة في المنطقة التي يتوزع عليها تنظيم “داعش” الإرهابي بجوار أخواته من مشتقات تنظيم القاعدة الإرهابي، من العراق وسوريا ولبنان والأردن مرورًا باليمن ودول خليجية وصولًا إلى مصر وليبيا وتونس وعموم المغرب العربي، فضلًا عن الدول غير العربية، وهذا الانتشار السريع لم يكن بهذه الصورة اللافتة إلا بعد إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما استراتيجيته لمواجهة “داعش” وتشكيل تحالف من أكثر من ستين دولة.
ثانيًا: تعميق جذور الفتن الطائفية والمذهبية وتأجيج أوارها، وتقسيم شعوب المنطقة وفق الطائفة والمذهب، وتسخير قوى وأنظمة ومحسوبين على الإسلام ووسائل إعلام لرعاية هذه الفتن وتسعير نيرانها. وهنا يحسب للاستعمار الأميركي ومن والاه نجاحه في ذلك انطلاقًا من الخلفية الثابتة عن الاستعمار بأن لديه القدرة على التسلل من الفجوات العميقة والمهملة في حياة الأمم والشعوب، والعزف على أوتار أوجاعها والاقتراب من محظوراتها والعبث بها تطبيقًا لقاعدة “فرق تسد”، فاليوم القتل أشده، ومسيل الدماء أغزره على الفتن والكراهية الطائفة والمذهبية.
ثالثًا: الانتشار أو بالأحرى النشر السريع للإرهاب “الداعشي والنصراوي” وغيره في عموم المنطقة، يترافق معه أمران لافتان للغاية وهما: إقامة القواعد العسكرية الاستعمارية أو الإعلان عن إقامتها، وتسليح المدنيين والدعوة إلى تسليح من لم يصله التسليح خارج إطار سلطة الدولة والحكومة الشرعية وخارج سياق القانون، والذريعة المقامة لتبرير هذين الأمرين هي محاربة الإرهاب ومساندة قوات الدولة في محاربة الإرهاب. وبناء على ذلك، أخذت تتوزع القواعد الأميركية، فالعراق يتجه نحو مزيد من القواعد كما في الأنبار وفقًا لإعلان (البنتاجون) ومارتن ديمبسي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية، بعد يوم من إصدار الرئيس باراك أوباما أوامر بإرسال 450 جنديًّاً أميركيًّا إضافيًّا كمستشارين إلى العراق. وتتضح النيات الأميركية بصورة أكبر في ليبيا من خلال الرغبة في إقامة عدد من القواعد الأميركية والأوروبية داخل عباءة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكذلك من خلال إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما منح تونس صفة حليف خارج حلف الأطلسي، حيث من شأن هذه القواعد القيام بعمليات التجسس ودعم الإرهاب وتأجيج الفتن الطائفية والمذهبية وتغذية نوازع الحرب الأهلية، فإذا كان العراق يخطو الهوينا نحو حرب أهلية تلعب فيها دورًا كبيرًا الدعوة إلى تسليح العشائر وإقامة القواعد العسكرية الأميركية وتقوده إلى التقسيم، فإن على الدولتين الكبريين المستهدفتين (مصر والجزائر) اللتين تحاك ضدهما مخططات نشر الفوضى والإرهاب أن تستعدا لذلك، فالنشر السريع لإرهاب “داعش” وغيره في ليبيا وتمدده نحو الحدود الجزائرية والمصرية مع التخطيط لجلب قواعد حلف شمال الأطلسي (الذي يعني الولايات المتحدة) ليس عبثًا أو قادته المصادفات، وإنما نتيجة للتخطيط المسبق والدعم اللوجستي غير المحدود الذي تقدمه “الاستراتيجية الأوبامية” وتحالفها الهلامي الذي شكلته.
من كل ذلك يتأكد أن الولايات المتحدة الساعية إلى فرض استعمارها على العالم، لم تغادر المنطقة بالمعنى الصريح للمغادرة، وإنما بعد أن ضمنت هيمنتها، ولذلك تتجه الآن إلى رمي ثقلها العسكري والاستخباري والسياسي في أوروبا الشرقية وآسيا والتفرغ لكل من روسيا والصين، حيث أفادت صحيفة نيويورك تايمز أمس الأول أن واشنطن تنوي نشر ما يصل إلى خمسة آلاف جندي وعتاد ثقيل، بما في ذلك دبابات، في العديد من دول البلطيق في أوروبا الشرقية بحجة التصدي لهجوم روسي محتمل.

إلى الأعلى