الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد; بانسيون عبدالله النعيمي

ثلاثي الأبعاد; بانسيون عبدالله النعيمي

على الغلاف الخلفي لرواية البانسيون، كتب عبدالله النعيمي “في بروكسل تخرج الفتاة من الحانة مخمورة، وهي لا ترتدي إلا القليل من الملابس، وتمر في أزقة ضيقة وطويلة ومعتمة ومليئة بالمقاهي المكتظة بالرجال، ومع ذلك تكمل طريقها بسلام، دون أن يتحرش بها أحد وفي أماكن أخرى من العالم حيث يسود التشدد والغلو والتطرف تجد الفتاة المحتشمة لا تستطيع أن تركب أوتوبيساً أو تستخدم مصعدا خوفاً من المضايقات، رغم أنها تعيش وسط مجتمعات تتغنى بالفضيلة ليل نهار فأين تكمن الفضيلة، يا ترى في أجساد النساء أم عقول الرجال؟”
هذا المشهد الذي اختصره النعيمي في بروكسل، عاد بذاكرتي لذلك الرجل التركي المسلم الذي ترك عائلته وبدأ يبحث عن معنى للحرية المسئولة وعن الدين في التصرفات وليس الأقوال في بلد غير بلده، فوجد ضالته في أمستردام منذ أن كان مراهقاً وهو الآن جد لأربعة أطفال، آثر أن يترك بلده ويعيش حياة مليئة بالسلام والقلوب الصافية والأخلاق التي أمر بها الإسلام والتي لم يجدها في بلده المسلم وهو الآن في مرحلة الشيخوخة يقول: “أفضل خيار اتخذته بأن أعيش هنا لأني الوحيد من عائلتي الذي عشت في سلام داخلي وتعلمت الإسلام فاقتنعت به وصرت سفيرا له في هذه البلد، فاحترمني الجميع لأخلاقي وتصرفاتي معهم”.
نفس المشهد يتكرر في الكثير من الدول الأوروبية التي تدين بدين غير الإسلام، تلك المجتمعات التي في غالبيتها تحترم العقل لأن ثقافة المجتمع قامت على ذلك وآمنت به والدين بالنسبة لهم قناعة وليس تلقينا وتفسيرا دون اقتناع، فتتناقض التصرفات والأخلاق عن الكلام البعيد عن قناعة الشخص، وهنا ما يبرر تصرفات الرجل العربي (البعض) في المجتمعات العربية الذي ينادي بالفضيلة ولكن هذه الفضيلة تتوقف في بعض المواقف وتنقلب إلى فضلات يرميها على المرأة، في بعض المجتمعات العربية تخرج المرأة ولا يرى منها إلا عيونها ولكنها لا تسلم من الرجل فيبدأ في ملاحقتها لأن مثل هذا العقل الذكوري حصر المرأة في الجسد الذي أمامه فقط وهذا هو العقل ذو الغريزة الحيوانية التي تنسف كل شيء من المرأة وتختصره في جسد للاستخدام الذكوري.
قد يقول قائل يجب على المرأة ألا تجعل نفسها عرضة للرجل وأن تحشم نفسها، نعم .. يجب أن تكون كذلك ولكن أصابع اليد ليست واحدة، لكل امرأة تفكيرها وتوجهها وإلا فما رأينا على سبيل المثال المغنية والراقصة وغيرهما ممن يقمن بأعمال ما زالت بعض المجتمعات لا تتقبلها بحكم الدين أوالعادات والتقاليد، فهذه الفئة من النساء مقتنعات بما يقدمهن وبأن لديهن رسالة للعالم والمجتمع تصل بالطرق التي اختيرت من قبلهن. وعلى الرغم من أن الإسلام نهى المرأة عن الكثير من التصرفات، لكن الدين قناعة، فإذا غابت تلك القناعة فلا فائدة من جعل الدين ملابس تغطي الجسد فقط ليكون دينا ظاهرا. وبينما يفعل الإنسان ما يعصي به الله فيكون واقعياً بلا دين، وهناك من يطبق العكس فيكون الدين في الأقوال التي تطبق في الأفعال بينما ظاهرياً لا يبدو عليه الالتزام.
وهنا تكون الإجابة عن سؤال عبدالله النعيمي: (أين تكمن الفضيلة يا ترى في أجساد النساء أم في عقول الرجال؟) هي في العقل لكلا الجنسين، فالإجبار بكافة أشكاله لم يعد وسيلة لصلاح المجتمعات وهذا ما نتج عنه عدم الإحساس بالأمان مهما كانت الشعارات الدينية المرفوعة، وهذا أيضاً ما كانت تدور حوله رواية البانسيون، فعلى الرغم من أن الظروف في الرواية كانت مناسبة لكل من يفكر في المرأة كجسد، إلا أن عقل “وليد” بطل الرواية كان أكثر رقياً في التفكير ومقتنعاً بالدين وقناعته تلك ترجمت في أخلاقه وتعامله مع النساء، على الرغم من أن هناك من تحاول إغواءه لكنه آثر عليها وجعلها تعيد التفكير في تصرفاتها والأخرى عاملته كأخ فاحترمها واتفقا.
حفظنا الله وإياكم من شرور المرائين بالدين والحاقدين عليه، ولقاؤنا القادم بعد الشهر الفضيل.

خولة بنت سلطان الحوسنية
@sahaf03

إلى الأعلى