الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف .. ديوجين والفانوس والإسكندر

اصداف .. ديوجين والفانوس والإسكندر

وليد الزبيدي

كلما ضاق الأفق سارع المرء للبحث عن نافذة، وبدون معرفة ما هو الدافع فإن النوافذ قد تكون مفتاحا للرؤية والتمحيص.
عادت الذاكرة إلى صورة الفيلسوف الاغريقي الشهير ديوجين، ربما لأن النوافذ معتمة ومسارات الضوء خافتة حد العتمة، وربما يجد المرء أن الحكمة تتراجع إن لم نقل إنها تتلاشى، ولا يهيمن على الكثيرين إلا الفهم السطحي الفضفاض، ويتحكم فينا برنامج الفعل ورد الفعل والايغال في جروحنا دون أن نشعر أنها الجروح الغائرة.
في حياة العظماء دروس عظيمة ولولا تلك المواقف ما تذكرت الرجل الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، ولو كان خانعا لما تذكرته الاجيال، ولو كان متملقا لما كتب عنه الكثيرون وما زال وسيبقى الباحثون والدارسون ينهلون من فكره.
في احد الايام مرّ الاسكندر الكبير عبقري الحرب المعروف، وكان ديوجين داخل برميل اعتاد الجلوس به، معرضا جسده لحرارة الشمس، ومعروف عنه أنه كان يعذب نفسه بالبرودة والحرارة الشديدة.
فوقف الإسكندر أمامه قائلاً:
هل تعيش في هذا البرميل فقط لكي تلفت انتباه الناس وإعجابهم بك؟
رد ديوجين: وهل فعلاً تريد أنت فتح بلاد فارس وتوحيد كل بلاد الإغريق.. أم تفعل ذلك فقط لتنال الإعجاب.
قال الاسكندر: هذا برميل مليء بالحكمة.
أعجب الإسكندر بكلام ديوجين، ثم أخبره أن يطلب منه ما يشاء ليلبيه له.
فأجابه ديوجين: أريد منك شيئاً واحداً.
إنك الآن تقف أمامي وتحجب عني أشعة الشمس.اريدك أن تتنحى قليلا ، لا تحجب شمسي بظلك. وينقل عن الاسكندر الكبير أنه قال: لو لم أكن الاسكندر الكبير.. لتمنيت أن أكون ديوجين.
يحصل العكس في حياتنا اليومية، فكل الناس إن لم يكن الغالبية العظمى يتمنون أن يكونوا الظل الذي يحمي المسؤول من ادنى درجات الحرارة إلى اعلاها ، ومن اكثرهم ايغالا بالفساد إلى اقلهم علما وفسادا.
عٌرف عن ديوجين أنه يحمل فانوسا في النهار، ولم يعرف الكثيرون في البداية دلالة ذلك حتى سألوه مرة فأجاب ” افتش عن الحقيقة”.
تجاهل البعض ذلك الجواب في بداية الأمر ، معتقدين أنه محاولة لجذب انتباه الآخرين، لأن الناس اعتادوا على حمل الفانوس في الظلام لا خلال ساعات النهار، وأن الحقيقة – كما يعتقدون- لا تحتاج إلى ضوء ليكشفها.
لكن، توقف البعض عند قول ديوجين فوجدوا في ذلك حكمة ودروس وعبقرية.
طالما يصدق الناس السفسطائيين ويتعلقون بأقوالهم، ويتخذونهم قدوة ومثلا اعلى، لكن بعد فوات الأوان يكتشوف أنهم “مخدوعون ” ثم يستبدلون ذاك بآخر، دون تدقيق أو تمحيص ويهرولون ويلهثون، ثم يصدمون به وأفعاله وسلوكياته ، ثم يصدمون وثم ينخدعون وثم يصدمون، دون أن يكلفوا أنفسهم البحث عن الحقيقية في زاوية غير التي ينخدعون فيها، وبأدوات غير تلك التي يجلدون بها دون أن يدركوا كنه ما هم به موغلون.

إلى الأعلى