الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العراق: عودة الأميركي المتكهرب

العراق: عودة الأميركي المتكهرب

أ.د. محمد الدعمي

” إن أخطر مفاجآت الحكومة العراقية السابقة للإدارة الأميركية تتلخص في تسليم منشآت وآليات ومعدات ومرتبات جيش عرمرم كامل للإرهابيين، دون إطلاق طلقة واحدة، إذ سرعان ما ذاب كبار الضباط المنوطة بهم حماية الموصل هناك، كي يتبلوروا من جديد، ولكن في أربيل، اي في مقر حكومة كردستان العراق، خشية الكشف المخزي عن الخيانة….”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما أعلن الجنرال “مارتن ديمزي” Dempsey، رئيس أركان القوات الأميركية المشتركة، قبل بضعة ايام أن الولايات المتحدة تنوي أن تؤسس عددا من القواعد العسكرية في العراق، فإنه قد وضع النقاط على الحروف بقدر تعلق الأمر بما كانت الحكومة العراقية السابقة تدعيه من قدرة على صيانة وحدة البلاد وحمايتها، دون الحاجة لمعاونة القوات الأميركية. بل إنه أدان تلك الحكومة عندما قال يوم السبت بأنه لا جدوى من التدخل العسكري الأميركي بدون عراق تتوحد فيه جميع عناصر السكان.
وإذا كنا لم نزل نستذكر الضجة الإعلامية التي أطلقت حينذاك، تحت عنوان “الإتفاقية الأمنية”، والتي شكر الرئيس أوباما طالعه على إمضائها، بوصفها الضوء الأخضر، الذي قدمته الحكومة العراقية طوعاً، لجلاء القوات الأميركية، مع ما صاحب ذلك من ضجيج و”وطنيات” فارغة، إنما دلت، بمجموعها، على ضرورة أن يعرف المرء نفسه ويدرك قدراتها قبل الإقدام على قرار أمني حاسم من العيار أعلاه.
تم إجلاء القوات الأميركية بيسر وسرعة منقطعة النظير، إلا أن المفاجآت كانت تتربص بـ”عنتريات” تلك الحكومة التي اتخذت من الإصرار على الإتفاقية الأمنية وسيلة للبرهنة على وطنيتها، للأسف. إذ سرعان ما تفاجأت الحكومة وقواتها المسلحة المهزوزة، زيادة على العالم بأسره، بسقوط الموصل، ثالث أهم مدينة في العراق بأيدي ثلة من مقاتلي ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية”. ومع سقوط الموصل استلمت “الدولة الإسلامية” أعلاه كافة مكافآت وغنائم النصر، كاملة مكملة، من البنوك المرصوصة بالنقد حد التخمة، الى أجمل نساء العراق الشماليات، سبايا منكوبة، من بين المكافآت الأخرى التي أتاحت لتلك الدولة المزعومة محاولات مد أذرعها الى منابع النفط ووحدات تكريره وتصنيعه وتسويقه، لتفاجيء العالم بأسره بأنه في خطر إرهابي داهم لا يمكن السكوت حياله، خاصة بالنسبة للإدارة الأميركية.
إن أخطر مفاجآت الحكومة العراقية السابقة للإدارة الأميركية تتلخص في تسليم منشآت وآليات ومعدات ومرتبات جيش عرمرم كامل للإرهابيين، دون إطلاق طلقة واحدة، إذ سرعان ما ذاب كبار الضباط المنوطة بهم حماية الموصل هناك، كي يتبلوروا من جديد، ولكن في أربيل، اي في مقر حكومة كردستان العراق، خشية الكشف المخزي عن الخيانة وعن تسليم جيش كامل لثلة من إرهابيي ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية”.
واذا ما كانت الإدارة الأميركية قد حاولت اللوذ بالسكوت، قبل سنة مذاك، فانها ما لبثت وأن أعلنت “فشل” القوات المسلحة العراقية على القيام باداء المهات المناطة بها، داخل البلد وليس خارجه. لقد كررت هذه القوات ذات الهزيمة المجلجلة في الرمادي، بمحافظة الأنبار، إذ غادر المقاتلون المدينة خلال سويعات، تاركين معها آلاف الأطنان من الأعتدة والأسلحة، هدايا للدولة الإسلامية، ناهيك عن آلاف السيارات المدرعة نوع همفي . Hamvee لذا فقد إضطر وزير الدفاع الأميركي الجديد، دون مجاملات ومناورات إعلامية، للإعلان بأن القوات العراقية المسلحة التي “بذلنا” على تدريبها الأموال والجهود اللامحدودة، إنما هي قوات لا تملك إرادة القتال! فيا لها من مفاجأة مثيرة للتندر. بدلاً عن إرسال هذه القوات للدفاع عن أراضي وشعب العراق في الموصل أو الأنبار، أرسلت هذه القوات الى حماية ملايين الزائرين الذاهبين، مشياً على الأقدام، لزيارة العتبات المقدسة في النجف أو كربلاء، الكاظمية أو سامراء. أليست هذه مفارقة تاريخية من العيار الثقيل؟
ويبدو أن الحكومة القائمة اليوم قد شعرت بالهوان والخذلان على ما شهدته من تراجعات للقوات المسلحة، درجة أن رئيس الوزراء، السيد حيدر العبادي، قد إضطر لطلب المعاونة العسكرية الأميركية: بالقوة الجوية، أولاُ؛ والآن بنزول الأحذية العسكرية على أرض العراق.
وبطبيعة الحال، تدرك الإدارة الأميركية، ان هذا النوع من القوات المسلحة التي يعتمدها العراق لا يمكن أن يضطلع بدوره التاريخي الفعّال من عيار محاربة شبكات الإرهاب، الأمر الذي إضطرها الى رمي ما كان يسمى بـ”الإتفاقية الأمنية” الى الجحيم، من أجل تدارك الحال في العراق عبر المزيد من زج الوحدات الأميركية الفعالة، ليس لحماية العراق، وإنما لحماية الولايات المتحدة ومنظومة أصدقائها في الشرق الأوسط، بدليل تجاهل الجنرال ديمزي الإتفاقية الرنانة أعلاه والإعلان عن تأسيس مجموعة من القواعد للقوات الأميركية في العراق على سبيل “معاونة” و “مشاورة” القوات المسلحة العراقية التي لم تعد تخدم غرضاً عملياً في ساحة المعركة الحقيقية.
لايهم الإدارة الأميركية أن يكون أكثر من ثلث مساحة العراق تحت سيطرة ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية”، لأن الذي يهمها فعلاً هو إيقاف تمدد هذه الدولة الإرهابية المزعومة عند حدود العراق، كي لا تفيض طاقاتها خارج حدوده، فتمس الأخضر واليابس، عبر الإقليم والعالم، بنيرانها.

إلى الأعلى