الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “أشوبا” .. ذكريات وإنجازات وشجون

“أشوبا” .. ذكريات وإنجازات وشجون

محمد عبد الصادق

” ذكرتني “أشوبا” بـأخيها الأكبر “جونو” الذي أخذ طريقه للسلطنة في 5/6/2007م , وكيف قطعت أجهزة الإعلام في ذلك الوقت برامجها المعتادة, لتبث آخر مستجدات الطقس وكمية الأمطار المتوقعة وسرعة الرياح وحالة أمواج البحر, وتم إعلان حالة الطوارئ في معظم أنحاء السلطنة, وشعرنا وقتها بحالة الاستنفار العام وعربات الجيش والشرطة تجوب الطرقات,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما أن تداعى إلى مسامعي أنباء تكون الحالة المدارية “أشوبا” بالقرب من سواحل السلطنة ؛ حتى قفزت إلى ذاكرتي الصور والمشاهد الدرامية التي خلفها الإعصار المداري “جونو” خصوصاً و”أشوبا” حلت ضيفاً بعد أيام قليلة من الذكرى الثامنة للمدعو”جونو” ولعل هذا يفسر حالة القلق التي انتابت البعض بعد تأكد اتجاه “أشوبا” للسواحل الشرقية للسلطنة, وانعكس هذا القلق في تراجع حركة السير على طرقات مسقط في صبيحة يوم الخميس الماضي, والتزام الكثيرين لمنازلهم وحصول البعض على إجازات من أعمالهم , وتأجيل اختبارات نهاية العام لمعظم الطلاب, وسارع البعض للحصول على قدر أكبر من السلع والمواد الغذائية وتزويد سياراتهم بالوقود, ولكن الأمر كان في حدود المعقول, والحمد لله لم يحدث أي نوع من الأزمات, وظلت السلع والخدمات متوافرة على مدار أيام الحالة المدارية التي مرت بسلام.
ذكرتني “أشوبا” بـأخيها الأكبر “جونو” الذي أخذ طريقه للسلطنة في 5/6/2007م , وكيف قطعت أجهزة الإعلام في ذلك الوقت برامجها المعتادة, لتبث آخر مستجدات الطقس وكمية الأمطار المتوقعة وسرعة الرياح وحالة أمواج البحر, وتم إعلان حالة الطوارئ في معظم أنحاء السلطنة, وشعرنا وقتها بحالة الاستنفار العام وعربات الجيش والشرطة تجوب الطرقات, والأحياء المدنية تحذر وتساعد في عمليات إخلاء السكان من المناطق المنخفضة إلى أماكن الأيواء , والطائرات العامودية تجوب سماء مسقط لنجدة العالقين الذين تقطعت بهم الطرق والوديان التي سال معظمها بعد امتلائها بمياه الإعصار.
في عصر ذلك اليوم بدأت السحب الركامية إنزال حمولتها من الأمطار الغزيرة , وراحت الرياح العاتية تقتلع ما يعترض طريقها, مازلت أتذكر المشهد جيداً عندما صعدت فوق سطح البناية التي أقطن بها لمتابعة مشهد الأمطار بعدما تعالت أصواتها بالخارج, نظرت في الأسفل وجدت المياه تتدفق من كل اتجاه من السماء ومن الأرض, ومن السيل الذي نزل مع الوادي حاملاً معه الرمال وبقايا الأشجار وجذوع النخيل وكل ما علق بطريقه, تصاعد منسوب المياه حتى غطى الدور الأول من البناية, جلت بناظري أبحث عن سيارتي التي تركتها أسفل البناية, لم أرى لها أثراً, حتى ناداني جاري قائلاً : ألاّ تريد مشاهدة اللحظات الأخيرة لاختفاء سيارتك, نظرت للشاشة لأرى المياه تتصاعد حتى غمرت سقف سيارتي ولم تدع لي فرصة لوداعها, أو إلقاء النظرة الأخيرة عليها إلاّ من خلال شريط الفيديو في “كاميرا” جاري.
رغم انقطاع الكهرباء, ونفاد المياه, وانقطاع البث عن تلفازي ونفاد بطارية هاتفي النقال وحاسوبي المحمول وهطول الأمطار طوال هذه الليلة, إلاّ أنني مازلت أتذكر مواقف مضيئة, لجيراني وأصدقائي وزملائي العمانيين, والمصريين؛ الذين لم تلههم شدة الخطب وما يحيط بهم من مخاطر, عن تقديم المساعدة بقدر ما استطاعوا, ومحاولة التخفيف عني وعن أسرتي, حتى مر الليل الطويل
وأنجلى بصبح, وإن كان الصبح يومئذ ليس بأمثل, فقد كشف ضوء النهار عن أضرار عظيمة خلفها “جونو” : طرق مقطوعة ومجمعات تجارية ومبانٍ سكنية غطتها المياه, وبنية تحتية لحقها الكثير من الأضرار.
شمرت السلطنة بشبابها ونسائها, وأجهزتها الرسمية والشعبية عن ساعدها, لإزالة آثار “جونو”, تكاتفت جهود الجيش السلطاني العماني وشرطة عمان السلطانية مع الجهود الحكومية والأهلية, لنجدة المحاصرين في الدروب والجبال والوديان؛ الذين حاصرتهم مياه الفيضان, شاهدنا القوافل الشبابية تحمل المؤن والخيام لأماكن المتضررين, وزيارات نسائية مستمرة لأماكن الإيواء تقدم المساعدة للكبار وتخفف المعاناة عن الصغار, مؤسسات القطاع الخاص سارعت للمشاركة في جهود الإغاثة والتخفيف عن المضارين, إعادة البناء بدأت قبل أن تجف مياه”جونو” , ولم تمر شهور قليلة حتى عادت مسقط ومدن وولايات السلطنة أفضل مما كانت, بجهود وإخلاص أبنائها, وبفضل توجيهات ورعاية القائد قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ استطاعت السلطنة الخروج من هذه الأزمة أشد قوة, والعبور والانطلاق إلى آفاق جديدة في مسيرة العمل والإنجاز, التي لم توقفها المحن وزادتها الأزمة صلابة وقدرة أكبر على الإنجاز.
بعد مرور ثماني سنوات على “جونو” لمسنا مقدار التقدم والرقي الذي اتسم به أداء الأجهزة الحكومية في التعامل مع “أشوبا”: شاهدنا المصداقية والاحترافية والنضج والثقة بالنفس, وهو ما انعكس على سلوك المواطنين الذين جلسوا يتابعون البيانات التي تصدرها المديرية العامة للأرصاد الجوية من خلال وسائل الإعلام المحلية وشبكات التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر وإنستجرام ) العضو الجديد النشط الذي انضم مؤخراً لوسائل الإعلام التقليدية وتفوق عليها في نقل الصور والأخبار لحظة وقوعها, فضلاً عن انتشاره الكبير بين مختلف شرائح المجتمع مما قضى على الشائعات في مهدها, وقطع الطريق على مواقع الإثارة وبث الأكاذيب.
حاز مشهد أحد منتسبي الجيش السلطاني العماني وهو يحمل طفلة صغيرة بحنان الأب, خلال عملية إخلاء عدد من المنازل المتضررة التي غمرتها مياه الأودية في ولاية صور بإعجاب آلاف ” المرتادين والمغردين” العمانيين والعرب على شبكات التواصل الاجتماعي, وكذلك مشاهد الولاة وكبار المسؤولين فوق المركبات المتجهة للأماكن المتضررة بمحافظتي جنوب وشمال الشرقية ـ للمشاركة في جهود الإنقاذ والإغاثة ـ نالت تقدير واستحسان الجميع وعكست صورة حضارية لتلاحم الأجهزة الحكومية مع المواطنين والإحساس بالمسؤولية في مواجهة الشدائد والأزمات, وإن كان لا مفر من حدوث مثل هذه الكوارث الطبيعية, فإن أكبر الفوائد الناتجة عنها: هو اختبار القدرة على مواجهة الأزمات وإدارتها إدارة علمية لتنتهي بأقل قدر من الخسائر.
حفظ الله عمان وجنبها كل سوء, وجعل الحالات الجوية مصدراً للخير والنماء, وأدام عليها نعم المحبة والوئام والاستقرار والأمان, تحت رعاية باني نهضة عمان وقائد مسيرتها الظافرة بإذن الله مولاي السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي لا يألو جهداً في سبيل تقدم هذا الوطن ورفعة أهله الطيبيين.

إلى الأعلى