الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من أي الأعمام أنت؟

من أي الأعمام أنت؟

أ.د. محمد الدعمي

” لايفهم الكردي أو الآثوري أو التركماني هذا النوع من الانتساب القبلي، لأنه يعتقد بأن حضوره في مدارس تدرس اللغة العربية، وقدرته على التكلم بالعربية، بل وحتى على كتابة أبيات شعرية بالعربية كافية لتبرير إجابته عن “القومية” بأنه “عربي”. أما إذا شئت أن تعرف بدقة هل هذا من بني أسد أم من تميم، من طي أم من خزاعة؟ فهذه مسألة فيها تعقيد بعيد المنال بالنسبة له.”
ـــــــــــــــــــــــــ
عندما كنت تدريسياً حديث التعيين بجامعة بغداد عام 1983، فاجأني أحد طلاب المرحلة الأولى بـ”صدمة وعي” تستحق التندر والاستذكار، عندما كان يملأ استمارة معلومات من تلك التي أغرمت بها السلطات آنذاك. وإذا كان الطالب قد أجاب على الأسئلة الخاصة بالإسم والدين والعنوان بوضوح، فانه قد ارتبك عندما جاء سؤال “القومية”، إذ أنه قد أجاب على هذا السؤال بأنه “مصلاوي”! معتقداً أن الانتساب لمدينة الموصل الحدباء الجميلة هي رابطة أثنية! لذا فانه قد تجاوز العصبيات القومية العربية والكردية وتحرر من عصبيات القوميات المتعددة الموجودة في العراق، ففضل الانتماء للمدينة بدلاً عن الانتماء الأثني. فيا لحكمة هذا الطالب المبتديء.
السؤال الذي يستحق التأمل بأناة في هذا السياق الطريف، هو سؤال فرض الانتماء للقومية العربية الذي عمدت إليه الأنظمة السياسية التي أسسها البريطانيون والفرنسيون بعد سقوط الدولة العثمانية، عبر العالم العربي. من منا لا يحب القومية العربية ويفتخر بانتسابه إليها، بيد أن تجاوز هذه العواطف الطيبة المرتبطة بالثقافة قبل كل شيء باتجاه المبالغة بها، درجة فرض العروبة على الكرد والكلدان والآشوريين، من بين سواهم من الأقوام غير العربية، كما فعل نظام الحكم آنذاك، يغدو حال شوفينية غير محببة، الأمر الذي يفسر تشبث الأقليات القومية في العراق، والآن سوريا، بعد إختلال توازن القوى وتراجع سلطة القومية القسرية؛ فراح أبناء الأقليات الأثنية يعتزون ويفاخرون بقومياتهم وألسنتهم، درجة تستفز كراهية العرب والعربية.
يبدو أن السلطة القومية الشوفينية التمركز تصنع موجة جارفة عامة ترنو إلى التعريب القسري، بدليل أن الأنظمة الشمولية التي توالت على حكم العراق المتنوع الإثنيات والأديان، رأت أن أفضل الطرق للقضاء على حركات التمرد والثورات القومية يتلخص بتعريب الكردي والتركماني والكلداني والأرمني والآشوري والمندائي والشبكي والجميع، اعتماداً على شيوع الثقافة العربية وتعميم اللغة العربية، بوصفها إناءً ثقافياً عاماً وشاملاً، زيادة على أهميتها الدينية بالنسبة للأقوام المسلمة كالكرد.
وقد اعتمدت تلك الأنظمة على نظرية أن “القومية العربية” إنما هي ثقافة، أي أنك تكون فرداً عربياً، إذا كنت قادراً على التحدث بالعربية وإذا كنت تطرب على أغاني فريد الأطرش وحضيري ابو عزيز!
من الناحية النظرية، يبدو هذا المنطق صحيحاً بقدر تعلق الأمر بما يسمى بـ”الثقافة السائدة”، إلا انه قد يغدو قسرياً ومؤلماً، عندما تعتمد تلك الأنظمة الثقافية العربية، ولاءً، اي عندما تسأل الرجل الأرمني: ” من أي الأعمام أنت؟”. انت عربي؟ مانسبك قيسي أم عدناني؟ وهل أنت من العرب العاربة أم العرب المستعربة؟
لا يفهم الكردي أو الآثوري أو التركماني هذا النوع من الانتساب القبلي، لأنه يعتقد بأن حضوره في مدارس تدرس اللغة العربية، وقدرته على التكلم بالعربية، بل وحتى على كتابة أبيات شعرية بالعربية كافية لتبرير إجابته عن “القومية” بأنه “عربي”. أما إذا شئت أن تعرف بدقة هل هذا من بني أسد أم من تميم، من طي أم من خزاعة؟ فهذه مسألة فيها تعقيد بعيد المنال بالنسبة له.
في هذا الخانق سقطت معظم الأنظمة الشمولية في الفخ، عندما أوغلت بفرض الانتماء إلى القومية العربية حد احتقار الآخرين من خلال الانتماءات العشائرية والقبلية، وهي انتماءات تفرض على اتباع الأقليات من الذين يطربون على أغاني أم كلثوم وداخل حسن نوعاً من الحساسية التي تعود إلى كراهية العرب وإلى اللوذ بالشعوبية أداة لمكافحة الشوفينية.

إلى الأعلى