الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “رابعة”و”المعبد الذهبي”..الحقيقة والأسطورة (2 ـ 2)

“رابعة”و”المعبد الذهبي”..الحقيقة والأسطورة (2 ـ 2)

محمد عبد الصادق

” نجحت جماعة الإخوان في كسب التعاطف الدولي وانحياز الإعلام الغربي لوجهة نظرها بسبب الجالية الإخوانية النشيطة في أوروبا وأميركا التي أثارها ما حدث وجندت كل إمكانياتها في نشر المواد الفيلمية والإعلامية التي صنعت بمعرفة الأخوان أو نقلاً عن قناة الجزيرة والتي تنحاز لوجهة النظر الإخوانية,”
ــــــــــــــــــــــــــ
أدى اندلاع ثورة 30/6 الى عزل مرسي والتحفظ عليه بواسطة الجيش, وتعطيل الدستور وحل مجلس الشورى وتولي رئيس المحكمة الدستورية رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة والإعلان عن خارطة طريق تتضمن تعديل الدستور وانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة.
ولإحساس الإخوان بأن رابعة هي الملاذ والأمل الأخير لدحر ما أسموه ـ الانقلاب ـ وعودة (الشرعية) المتمثلة في الرئيس محمد مرسي ومجلس الشورى المنحل ودستور الإخوان 2012م، تمسكوا بالاعتصام الذي استمر 47 يوما، وكان هناك معتصمون ثابتون وزوار يترددون للمشاركة في الفعاليات اليومية المتمثلة في الاستماع للخطب الحماسية لرواد المنصة وترديد الهتافات التي تسب الشرطة والجيش وتندد بالانقلاب وتطالب بعودة الشرعية حاملين صور مرسي ولافتات التنديد والتهكم على السيسي وشيخ الأزهر وبابا الكنيسة والبرادعي “أركان المؤامرة ورؤوس الفتنة” ـ كما أطلقوا عليهم ـ الذين سلبوا منهم الحكم وخطفوا رئيسهم قصريا، وتخلل الاعتصام خروج مظاهرات ومواجهات مع رجال الأمن في أماكن قريبة من رابعة أشهرها المنصة والحرس الجمهورية سقط فيها قتلى ومصابون.
وكان من نجوم منصة رابعة القيادي الإخواني البارز محمد البلتاجي والدكتور صفوت حجازي والقيادي بتنظيم الجهاد عاصم عبدالماجد والمفرج عنه في قضية مقتل السادات عبود الزمر ومرشد الإخوان محمد بديع والدكتور عصام العريان وعصام سلطان وأبو العلا ماضي حلفاء الإخوان من حزب الوسط وآخرون من التيارات المنتمية للإسلام السياسي الذين رأوا في سقوط حكم مرسي سقوطاً لمشروعهم السياسي وأن الحلم الذي عاشوه خلال عام من حكم مرسي تمتعوا خلاله بالسلطة والنفوذ وحرية الحركة والبريق الإعلامي على وشك الزوال, وأنهم لا محالة سيعودون إلى السجون لو لم يعد مرسي للسلطة ومما شجعهم على استمرار الاعتصام هو البث المباشر على مدار الساعة لمنصة رابعة على شاشة الجزيرة الإخبارية وقنوات مغمورة أخرى وضعت كاميراتها وأجهزتها في خدمة الاعتصام ليتحول الاعتصام لملاذ آمن للمطلوبين والهاربين والمحرضين حتى أن قيادات الجماعة كانت تتنكر في العباءة الحريمي والنقاب وتستخدم سيارات الإسعاف لمغادرة الاعتصام أو العودة إليه, ورفض الإخوان كل الوساطات المصرية والعربية والدولية لفض الاعتصام الذي قطع الشارع الرئيسي المؤدي لمطار القاهرة, ونغص حياة السكان المقيمين بحي رابعة جراء قطع الطريق وكشف العورات وقضاء الحاجات في مداخل العمارات الملاصقة للاعتصام فضلاً عن السباب والتطاول اليومي لرواد الاعتصام على الجيش والشرطة والأزهر والكنيسة, حتى أن سائقي الحافلات اسموها جمهورية رابعة.
كل هذه المعطيات وضعت النظام والحكومة الجديدة في ورطة أمام الرأي العام واتهامات شعبية بالضعف والارتعاش في مواجهة الإخوان خصوصاً بعد نزول الملايين لتفويض السيسي لفرض الأمن والقضاء على الإرهاب المحتمل وأصبحت هيبة الدولة وقدرة النظام الجديد على المحك, وكان القرار الصعب هو فض الاعتصام بأقل قدر من الخسائر وبعد تحديد ساعة الصفر والرجوع فيها أكثر من مرة حسم الأمر وتحركت قوات الأمن لفض الاعتصام صبيحة يوم 14أغسطس اليوم السابع والأربعين للاعتصام.
وكانت أنباء تحرك القوات تسربت منذ الليلة الفائتة مماحدا بالملايين وأنا منهم للتسمر أمام شاشات التليفزيون, وعند الفجر ظهر محمد البلتاجي وأمسك بالميكروفون وطالب المعتصمين باليقظة والصمود وعدم مغادرة الاعتصام وأنه معهم مشروع شهيد حتى النصر أو الشهادة, وكرر صفوت حجازي نفس الأقوال الحماسية حتى بدأت طلائع قوات الأمن تظهر وبدأت مكبرات الصوت تذيع رسائل مسجلة تطالب المعتصمين بالمغادرة وفجأة اختفى الدكتور البلتاجي وصفوت حجازي وتركا الميكروفون لشاب ملتح يتحدث بالإنجليزية يستنجد بالغرب وبالعالم المتحضر التدخل لإنقاذ المعتصمين من القتل على يد الشرطة الباغية وتداخل صوته مع صوت ميكروفونات الشرطة التي تطالب المعتصمين بالمغادرة.
عند ذلك المشهد ظل هناك سؤال يلح عليّ ولا أجد له إجابة: لماذا لم يمسك محمد البلتاجي ـ وهو السياسي الخبير والمفاوض الأريب المرتبط بقيادات الشرطة بعلاقات قوية لدرجة أنه كان مرشحاً في عهد مرسي ليقوم بعملية الهيكلة أو تطهير جهاز الشرطة ـ بميكروفون المنصة ويخاطب قوات الشرطة: أنا محمد البلتاجي .. أنا على استعداد لتسليم نفسي بشرط التأكد من مغادرة آخر معتصم إلى منزله سالماً ـ وقتها كان سيتحول فعلاً لبطل قومي أولاً لأنه كان سيحقن الدماء التي سالت فيما بعد ويكشف النوايا الحقيقية للشرطة من موضوع الممرات الآمنة التي أعلنت الشرطة تخصيصها لمغادرة المعتصمين لبيوتهم سالمين, التي كان الإخوان يقولون إنها ـ الممرات ـ مصيدة للقبض على المغادرين, ونتيجة هذه الشائعة رفض الكثيرون مغادرة الاعتصام وتحصنوا داخل الخيام التي اشتعلت بفعل زجاجات المولوتوف وطلقات الخرطوش والغاز والرصاص الحي المتبادل بين الطرفين بعد أن استمات شباب الإخوان في الدفاع عن معبدهم المقدس.
كما أن البلتاجي وحجازي ليسا أهم من محمد مرسي والمرشد بديع وخيرت الشاطر وقيادات الإخوان الذين تم القبض عليهم, ثم هما لم يتمكنا من الهرب كثيراً فقد قبض عليهما بالفعل بعد ذلك بفترة قصيرة.
أعلنت وزارة الصحة المصرية أن فض اعتصام رابعة نتج عنه مقتل 300 شخص منهم 47 من الشرطة وجرح 600 بإصابات مختلفة من المعتصمين ورجال الشرطة, بينما تصر جماعة الإخوان على أن القتلى بالآلاف وأنه تم دفن الجثث بمعرفة الأهالي خوفا من بطش الشرطة بدون أوراق ولا تقارير صادرة عن المشرحة ولا تصاريح دفن, لدرجة ناشد المجلس القومي لحقوق الإنسان أهالي الضحايا أن يأتوا بأي أوراق ثبوتية تكشف عن شخصية الضحية حتى ولو لم تصدر له شهادة وفاة.
وبعد مرور 8 أشهر على فض الاعتصام مازال الغموض يكتنف حقيقة ما جرى خلال فض الاعتصام بالتحديد خلال الـ12 ساعة منذ السادسة صباحاً حتى انتهاء العملية في السادسة مساءً ولماذا رفض المعتصمون مغادرة الاعتصام رغم خروج الآلاف وعودتهم سالمين لمنازلهم وما حقيقة الجثث المحروقة والجثث المكفنة التي عثر عليها أسفل المنصة وتدعي الشرطة إنها ناتجة عن التعذيب قبل فض الاعتصام وتدعي الجماعة أنهم قاموا بتكفينها أثناء فض الاعتصام ومازالت الحقيقة غائبة والأرقام بينها تضارب كبير وبون شاسع.
نجحت جماعة الإخوان في كسب التعاطف الدولي وانحياز الإعلام الغربي لوجهة نظرها بسبب الجالية الإخوانية النشيطة في أوروبا وأميركا التي أثارها ما حدث وجندت كل إمكانياتها في نشر المواد الفيلمية والإعلامية التي صنعت بمعرفة الأخوان أو نقلاً عن قناة الجزيرة والتي تنحاز لوجهة النظر الإخوانية, فضلاً عن امتلاك الجماعة للجان إلكترونية مسيطرة على شبكات التواصل الاجتماعي, على الجانب الآخر اكتفت الحكومة المصرية بمخاطبة الرأي العام المحلي والعربي, وعجزت الشرطة وجهات التحقيق في مصر عن إعلان الحقائق والرد على اتهامات الإخوان بارتكاب جرائم ضد الإنسانية واستخدام القوة المفرطة في فض رابعة.
فهل ننتظر 30 عاما حتى ينتهي التحقيق الموضوعي والمحايد في أحداث رابعة وحتى نجد إجابات لكل هذه الألغاز التي تسببت في شق الصف المصري وتمزيق النسيج الوطني لشعب لم يعرف مثل هذا الانقسام على مدار تاريخه الطويل.

إلى الأعلى