الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المشهد السياسي في تونس.. خطوة على الطريق

المشهد السياسي في تونس.. خطوة على الطريق

كاظم الموسوي

” عبّر الدستور فعلا عن وعي وطني وإرادة شعبية للبناء وحشد الطاقات لحاضر أجمل ومستقبل سعيد. وهذه اشارة محمودة لانطلاقة جديدة لمواجهة التحديات القائمة والعمل على مواجهتها بعزيمة اكبر وخيارات افضل. ولعل ظروف تونس تسمح لها بذلك، فالقوة المؤثرة في القرار السياسي فيها مازالت للقوى السياسية والاجتماعية وحماية أو دور مؤيد للجيش.”
ـــــــــــــــــــــــ

أبرز ملامح المشهد السياسي في تونس اليوم هي استقالة حكومة علي العريض و”انسحاب” حزب النهضة الاسلامي، فرع حركة الاخوان المسلمين في تونس لها من واجهة السلطة، وتكليف الوزير فيها، مهدي جمعة، بتشكيل حكومة كفاءات مستقلة تقود البلاد إلى انتخابات عامة، وكذلك الاتفاق على دستور 26 كانون الثاني/ يناير 2014 والتصويت عليه بأغلبية ساحقة (صوَّت لمصلحة الدستور 200 نائب، مقابل 12 ضده، وامتناع 4 نواب عن التصويت).
هذه الملامح الرئيسية تشكل خطوة على الطريق نحو انجاز اهداف الثورة وتحقيق المصالح الوطنية وتجنيب تونس مصائر مجهولة وكوارث وضحت بداياتها في بلدان مجاورة اخرى. وجاء التوافق على الدستور الجديد، بعد يوم واحد من إعلان رئيس الوزراء المكلف لتشكيلة حكومته، مؤشرا ايجابيا على نجاح خارطة الطريق التي وضعها الرباعي الراعي للحوار في بلوغ أهدافها (يضم الرباعي الراعي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس الاتحاد العام). وكانت خارطة الطريق قد اكدت على اختيار رئيس حكومة مستقل وتعيين حكومة غير حزبية واستقالة حكومة حزب حركة النهضة الاسلامي بعد ثلاثة أسابيع وتكمل الحكومة المعينة الجديدة الدستور وقانون الانتخابات كما ستختار الهيئة الانتخابية للانتخابات القادمة خلال أربعة أسابيع. وقد تم المسار المرسوم خلال صراعات وحوارات حادة وتفاهمات واسعة وقبول/ اختيار تعايش سلمي بين القوى السياسية بكل تياراتها وتوجهاتها. ولابد من الاشارة هنا الى استفادة حزب النهضة الحاكم وهيئاته القيادية وخاصة رئيسه الشيخ راشد الغنوشي من دروس تجربة حكم الاخوان في مصر، في قبول خارطة الطريق والتنازل النفعي/ الاضطراري عن الحكومة، وفسح الطريق لهذه الخطوة وما يليها من خطوات جديدة تصب في تطوير المشهد وتحسين صورته ونموذجه السياسي في محيطه العام. وتسجل له مثل قبوله مع أحزاب أخرى ممن شاركت في جلسات الحوار الوطني الذي رعاه الرباعي، على اختيار جمعة، رغم اعتراض اخرى عليه وتقليل التأييد العريض لانجاز مهماته. إلا انها ترسم خطوة على الطريق الطويلة للانتقال الديمقراطي ومصالح الشعب والوطن والثورة.
عبّر الدستور الجديد عن طموحات ثورة شعبية جديدة، سجلت بداية الحراك الشعبي ومحفز الغضب العربي وتحركت فيها غالبية سياسية واجتماعية متعددة في مساراتها ومرجعياتها ومشاريعها المستقبلية. وقد حافظ الدستور على مكاسب مهمة ترتبط أساساً بمدنية الدولة والحريات وحقوق الإنسان، وتأكيد الهوية العربية الإسلامية لتونس ومطالب الثورة، بعد توافق الكتل السياسية حول بعض الفصول المثيرة للجدل، على غرار الفصل المتصل بحرية المعتقد وتجريم التكفير. ورأى خبراء ودبلوماسيون غربيون، كما نشرت وسائل إعلام، إن الدستور التونسي الجديد دستور ليبرالي، بعد أن تنازل الإسلاميون عن اعتماد الشريعة كمصدر أساسي للتشريع، لكنهم أكدوا أن الطريق لاتزال شاقة أمام تونس للخروج من الفترة الانتقالية، حيث تواجه الحكومة الجديدة عدة تحديات، من بينها تحسين الوضع الاقتصادي ومحاربة البطالة وتقليل نسبة الفقر والحرمان خاصة في المناطق الجنوبية والغربية، ووقف صور الاستبداد والانتهاكات التي شهدتها البلاد قبل الحراك الشعبي وبعده، ومواجهة الإرهاب بكل اشكاله ووقف اعمال العنف ومسبباته.
اقرار الدستور بالتوافق وبرضا اغلبية القوى السياسية الفاعلة قدم فرصة تاريخية لمواجهة معظم الاشكاليات المعقدة، الممنوعة سابقا في أجواء مفتوحة وعلنية. وانعكس كل ذلك إيجابيا على الحصاد النهائي للعملية السياسية في تونس.
في مادتي الدستور الأولى والثانية وضع الأساس لبناء دولة عصرية، مدنية لكل مواطنيها وأحزابها وتياراتها ومنظماتها. كما ورد في الاولى “دولة حرة، مستقلة، وذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها، والجمهورية نظامها”. وفي الثانية “تونس دولة ذات طبيعة مدنية، مؤسّسة على المواطنة، وإرادة الشعب وأولوية الحق”.
وكان رئيس المجلس التأسيسي، مصطفى بن جعفر، قد قال في كلمته الافتتاحية لجلسة الاحتفال: “إن وثيقة الدستور الجديد، سيتم نشرها في الجريدة الرسمية يوم 10 شباط/ فبراير”. ونصت المادة 147 من الدستور الجديد على أنه يدخل حيّز التنفيذ فور نشره في عدد خاص في صحيفة الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية)، بعد أن يقوم رئيس المجلس التأسيسي، بإعلان تاريخ النشر مسبقاً. وأشاد رئيس المجلس بالدستور الجديد، مشيراً إلى أن التصديق عليه “دليل على عمق القواسم المشتركة بين التونسيين، وإرادة العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد”. وأضاف أن “الثورة التونسية تعدّ ثورة متفرّدة، ومتميزة عن باقي الثورات العربية بالروح الثورية، وأشكال النضال السلمي، ونموذج للانتقال الديمقراطي في بلد عربي مسلم، سيكون مرجعاً بحق لدول المنطقة العربية كلّها”.
عبّر الدستور فعلا عن وعي وطني وإرادة شعبية للبناء وتحشيد الطاقات لحاضر أجمل ومستقبل سعيد. وهذه إشارة محمودة لانطلاقة جديدة لمواجهة التحديات القائمة والعمل على مواجهتها بعزيمة أكبر وخيارات أفضل. ولعل ظروف تونس تسمح لها بذلك، فالقوة المؤثرة في القرار السياسي فيها مازالت للقوى السياسية والاجتماعية وحماية او دور مؤيد للجيش. كما ان وضع تونس الاقتصادي والاجتماعي ومفاجأة الحراك الشعبي وهروب الرئيس السابق بن علي، أتاح لها مجال التفرغ لنفسها والعمل بنفسها دون تدخلات خارجية وفتح البلاد واسعا لضخ مليارات دولارات الدعم العربي الذي وفر في بلدان عربية أخرى دعما للإرهاب والعنف، كما حصل وبات معلوما.
التحديات ليست قليلة، وليست كلها من العهد السابق للحراك الشعبي والثورة عليه فقط. بل معها ايضا ما هو استمرار لها، وتتطلب معالجات جريئة وسريعة لوضع قطار التغيير على السكة الوطنية وتجسيد الملامح الجديدة فعليا والإسراع في أوليات المرحلة الانتقالية الجديدة. طبعا بما فيها محاسبة فترة حكم حركة النهضة ومساعيها “للتمكين” والاستيلاء على الدولة ومؤسساتها، والفساد والاغتيالات للشخصيات التقدمية وغيرها. ولابد للاستمرار من التفكير بعقل منفتح وجديد حقا.

إلى الأعلى