الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : السوء في الأخبار

اصداف : السوء في الأخبار

وليد الزبيدي

يقول الإنكليز عدم وجود اخبار بحد ذاته خبر جيد، وعندنا أينما تذهب تجد الناس يشتمون الشاشات والإذاعات لأنهم اصبحوا “مدمنين ” أخبار، وفي الواقع اصبح سماع الأخبار حاجة يومية، بل أكثر من ذلك، حاجة لمتابعة ما يجري، وقد اصبح ساعة بساعة وليس يوما بيوم، ورغم أن الجميع يعرفون أن ما هو مقبل من الأخبار لا يحمل ما هو مفرح، بمعنى أن لا أخبار عن التنمية والبناء والأعمار وتحسين البيئة والانتقال بالواقع الصناعي والتربوي والزراعي ، وأن صور القتل والتشرد والدماء والدمار هي الطاغية على كل شيء.
بمفهوم التنمية المجتمعية فإن الخبراء يقولون إن وسائل الاتصال الحديثة ساهمت بقوة في تحجيم الوعي في المجتمعات، وأن الأمر لم يتوقف عند الفضائيات وما ترميه من حمم كثيرة مستهدفة العقل البشري، بل إن ذلك يمتد إلى زمن بعيد، فبقدر ما احدثت ثورة الطباعة في القرون الوسطى من انتقالة هائلة في الميدان المعرفي بعد توفير الكتاب بنسخ عديدة وأصبح تداوله ميسرا ونقله بين المدن والدول أكثر سهولة، ومن ثم فتح باب التبادل والتلاقح الثقافي والمعرفي بين الأمم والشعوب من خلال الترجمة التي قدمت خدمة كبيرة للمجتمعات، فإن أول انتقالة في هذا المضمار تعرضت للانتقاد، وقد يستغرب البعض إذا ما عرفوا أن ظهور الصحف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قد قوبل بانتقادات، وثمة من قال إن ما تنشره الصحف من معلومات مبتسرة يقلل اهتمام الناس بالكتاب، كما أن المقالات القصيرة لا ترقى إلى مستوى الكتاب بما يقدمه من فكر ومعلومات وطروحات معمقة، وحذر البعض من تراجع في الوعي بسبب اهتمام الناس بما تقوله الصحف، وإن أخبارها لن تزيد من الوعي البشري بقدر ما تصحّر هذا الوعي، لكن ظهور الإذاعات قبل نحو قرن من الان أثار موجة من السخط ،لأنها ستشغل الناس عن الكتاب وتبعده عن الصحيفة التي سبق انتقادها، وأن المجتمعات ستنشغل بالاستماع إلى الموسيقى والغناء وتلهو بعيدا عن ينابيع المعرفة.
أما بظهور التلفاز وما يقدمه من صورة فإن الإذاعة كانت الاقل خطرا في موضوع تصحّر المجتمعات معرفيا وثقافيا، حتى ظهر التلفاز بالالوان وبعد ذلك هاجم المجتمعات التلفاز الفضائي وتراجع الاهتمام بالروافد المعرفية الحقيقية بمستويات كبيرة جدا.
وينشغل الناس بمتابعة الأخبار رغم أن الكثيرين سئموا ذلك، لكن لا نافذة لمتابع كوارثنا إلا الشاشة الصغيرة، التي تغذينا بكل ما هو سيء ومشاهد الدمار والقتل وهذا الفضاء الواسع من الخراب، دون نافذة صغيرة للخلاص من كل هذا العويل والصراخ.
لم تعد الأخبار تؤذي المعرفة فقط، بل اصبحت اداة تهشيم يومي، بل وفي كل ساعة وفوق هذا وذاك اصبحت مصدرا للتخوين والتخويف وللإذلال احيانا والحذر من المجهول.

إلى الأعلى