الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / استقبال المسلمين لشهر رمضان

استقبال المسلمين لشهر رمضان

إذا نظرنا إلى المسلمين من حيث واقع استقبالهم لشهر رمضان المبارك نجدهم يتفاوتون في كيفية استقبالهم للشهر الفضيل، ويختلفون في طريقة الإعداد له، وهذا التفاوت والاختلاف إنما هو ناتج عن نظراتهم المتباينة لهذا الشهر، إذ كل فئة من المسلمين تنظر إلى شهر رمضان من زاوية مختلفة، ووفق رؤية مغايرة في ضوء مشارب تلك الفئة وأهدافها وغاياتها التي ترنو إليها وتسعى إلى تحقيقها وتطمع في اكتسابها؛ فهناك من المسلمين من يستقبل شهر رمضان بتكديس صنوف ما طاب من الطعام، وتوفير أنواع ما لذَّ من الشراب، ولربما يلجأ الكثير من هؤلاء إلى الاستدانة والاقتراض بطريقة أو بأخرى مما يؤدي إلى تراكب الديون عليهم مما يثقل كاهلهم، والدين همّ بالليل مذلة بالنهار، وهذا الصنيع لا شك أنه إسراف محرم شرعاً، وكأن شهر رمضان شهر نهم وتخمة، وأكل وشرب أكثر من غيره، وهناك من يستقبل شهر رمضان بالدعاية والترويج؛ لتحقيق مكاسب دنيوية ومنافع مادية، فتكثر التنزيلات والتخفيضات ـ حسب زعمهم ـ في الأسعار، بل وترصد الجوائز المشجعة للشراء، والحوافز المغرية للإقبال على التسوق، يصل بعضها إلى جوائز يومية، وكأن شهر رمضان المبارك موسم من مواسم رواج التجارة، وهناك من يستقبل شهر رمضان بإعداد الفوازير والمسرحيات والمسلسلات والبرامج، والنكت والطرائف، وكأن شهر رمضان شهر للتسلية والمرح والضحك والترفيه، وهناك من يستقبل رمضان باللعب والمسابقات الرياضية المختلفة طيلة ليالي الشهر الفضيل، وكأن شهر رمضان موسم للعب واللهو، وهناك من يستقبل الشهر المبارك بالخلود للنوم والركون إلى الدعة والراحة، وكأن شهر رمضان شهر للخمول والكسل والفتور والملل، وهذا كله مناف لقدسية الشهر وعظمته وفضله، ومعارض لحقيقة العبادة فيه وعظيم ثوابها، ولكن لا يعني هذا الرفض المطلق لكل ما ذكر آنفاً، وإنما يجب أن يكون كل شيء بحسبه في حدود الاعتدال، ووفق تعاليم الإسلام ومبادئه السمحة، مع وجوب مراعاة واحترام حرمة الشهر الكريم، على أن هناك الكثير من المسلمين – عسى أن يكونوا كذلك – من يدرك حقيقة شهر رمضان المبارك، فينظرون إليه على أنه شهر عبادة وعمل، وعلم ودعوة، وموسم طاعة جد واجتهاد، ومضمار للتنافس على الخير، والمسارعة إلى المعروف، والتعاون على البر، والتسابق للتقرب إلى الله تعالى بشتى صنوف الطاعات، والأعمال الصالحات، وفرصة لمحاسبة النفس ومجاهدتها، ومحطة سنوية لتزود بزاد الإيمان والتقوى.
إذا كان الزراع يتنافسون في موسم الزرع والبذر بغية الحصول على إنتاج سليم وحصاد كثير وخير عميم، وإذا كان التجار وأصحاب المهن والحرف يتنافسون في موسم التجارة وإقبال الناس على الشراء بغية الحصول على ربح كبير ومكسب وفير، فإنه من الأولى على المسلمين أن يتنافسوا ويتسابقوا في شهر رمضان المبارك؛ لأنه موسم التجارة مع الله تعالى، وموسم الغرس في الدنيا، فشهر رمضان موسم من مواسم الآخرة وسوق من أسواقها، التجارة فيه رابحة، وربحها مضمون ومضاعف، حيث تضاعف الأجور والحسنات في شهر رمضان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه:(إذا دخل شهر رمضان نادى منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر)، ولقد وعى السلف الصالح من الصحابة والتابعين وغيرهم عظمة شهر رمضان، وما فيه من فضائل وخصائص، وأدركوا قدسية الصيام، وما فيه من منافع وفوائد، فكان شهر رمضان عندهم غنيمة من الغنائم، وموسماً من مواسم الخير، يتسابقون فيه للحصول على أكبر قدر من الثواب والأجر، ويتنافسون فيه للفوز بأسمى المنازل، وأرفع الدرجات، وأعلى الجنات. فعلى المسلمين أن يعلموا حقيقة الصيام ويدركوا فضل شهر رمضان وثوابه، وعليهم أن يستشعروا عظم العبادة في هذا الشهر، لذا عليهم أن يكونوا مستعدين لاستقبال رمضان بما يليق به، وبما يتفق مع عظمته وفضله، وقدسية العبادة فيه وحقيقتها، وهذا الاستعداد إنما يكون بالتوبة الصادقة، وتطهير القلوب من الضغائن وتخليصها من السخائم، ورد الحقوق إلى أصحابها، والعزم الأكيد على أداء فريضة الصيام على أكمل وجه، واستغلال نهار رمضان وليله فيما يعود بالنفع والفائدة في الدارين، فعلى المسلم أن يجتهد في إحياء ليالي شهر رمضان بالعبادة لما فيها من فضل وثواب، خاصة أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهذا لا يتحقق إلا إذا وضع المسلم لنفسه في هذا الشهر جدولاً يومياً ولو مبسطاً يبين فيه كيفية استغلاله لهذا الشهر الكريم على أن يأتي في مقدمته التفقه في أحكام الصيام لمعرفة شروط صحته وحقيقته وأركانه، وسننه وآدابه ونواقضه ومكروهاته ليؤدي هذه الفريضة العظيمة السنوية على الوجه المشروع، فالصوم كأي عبادة بحاجة إلى تعلم لأن الله تعالى يعبد بعلم وعلى بصيرة، أيضاً الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، والمحافظة على صلاة الجماعة والجمعة، والحرص على حضور حلقات العلم ومجالس الذكر، والإكثار من الصلاة والدعاء والاستغفار والتصدق ولو بالقليل فإنه عند الله عظيم، أضف إلى ذلك إقامة الأمسيات الهادفة، والمسابقات الدينية وبالجملة فإن هناك الكثير من أبواب الخير والبر والله وحده هو الموفق والمعين.

د/يوسف بن إبراهيم السرحني
خبير بوزارة التعليم العالي

إلى الأعلى