السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / استقبال رمضان (1)

استقبال رمضان (1)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
الصوم فريضة خالصة تقبل عليها النفوس، وتراه راحة وروحاً، وروضا للمرضى ، وحدائق ذات بهج لا تراه عبئا ثقيلا، ولا حملا تنوء به الأنفس بل تقبل عليه إقبال الظمآن على الماء البارد في اليوم الصائف، لعلمها أن الصيام يصلها بالله تعالى ويربي في النفس التقوى، في هذه الأيام المباركة المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها مدعوون لحفل تستقبل فيه القلوب والنفوس الزكية التي يلفها نسيم رمضان، فيتخلل بأشعته المنسابة الرقراقة أعماق القلب فينقيه، وأغوار الروح فيعليها ويرفعها، وجذورالنفس فيرويها بماء الحياة، لتنبت شجرة إيمان أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فمن شاء الهدى فله الهدى، ومن شاء الضلالة فله الضلال، من أحسن استقبال الزائر فغسل قلبه بماء الهداية، ولبس أفضل ما لديه من ألبسة التوبة والإنابة؛ أسبغ عليه من عطاياه، وأضفى عليه من بحر جوده وزيادة هداه، فالهدى يأتي بالمزيد، والأوبة تأتي بأختها، ولا يزال العبد يرتجي زيادة التقوى ويأخذ بأسبابها حتى يحصِّلها وينال منزلتها، وليس كمثل رمضان زائر يأتي بالهدايا والعطايا، فينادي في الناس: هل من مقبل على العطاء؟! هل من مستجيب للنداء؟! ألا مَنْ أقبل على فريضة فله أجر سبعين، ومن أقبل على نافلة فله أجر فريضة. رمضان شهر الإكثار من الطاعات قد جاء الكثير من الأحاديث الشريفة الدالة على فضل العبادة في هذا الشهر الكريم على سائر الأيام قال (صلى الله عليه وسلم):(من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أجود الناس وكان أسخى وأكرم ما يكون في رمضان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الخير من الريح المرسلة فينبغي للعبد أن يتأسى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الشهر ، فيعكف على كتاب الله عزوجل فيتلوه آناء الليل وأطراف النهار.
ورمضان شهر التربية يأتي رمضان والقلوب قد تهيأت للإقبال على الله ، والنفوس قد عقدت العزم على بذل المستطاع لبلوغ مرضاة الله ، فيعيد المرء حساباته وينظر في معاملاته مع خالقه فيبدأ أولى خطواته على طريق الجهاد في سبيله بأن يبدأ في مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء ، فإذا استقام له أمر صومه نظر في حالة قلبه وما ران عليه بسبب الذنوب والمعاصي طوال العام فيسعى في طهارته من فساد النيات ومن الغل ومن الحسد ومن الميل إلى ما حرم الله رمضان شهر الصبر والإرادة إن من أسماء شهر رمضان أنه شهر الصبر والصبر كما معروف على ثلاثة أنواع صبر على طاعة الله ، وصبر على معصية الله ، وصبر على قدر الله وشهر رمضان يعين العبد على تحقيق الصبر على طاعة الله فإذا جاء رمضان انقلبت حياته فتراه يصبر على الطعام والشراب الساعات الطوال بنفس هادئة راضية ، ويصبر عن زوجه وهي بين يديه فلا يأتيها ، فرمضان قد أحدث فيه تغييرا محمودا وقوى عزيمته.يا أيها الصائم كُنْ عبد الله الرباني، كن المؤمن بالله العظيم، الذي يستقبل شهر الله استقبال المؤمنين الربانيين الخاشعين، الذين يعظمون شعائر الله وما يكون لله وما يختاره الله وما يأمر به الله، وشهر رمضان هو من اختيار الله، فالله خلق الأزمنة واختار من أيامها يوم عرفة، ويوم الجمعة، واختار من شهورها شهر رمضان، فشهر رمضان عظيم؛ لأنّ الذي اختاره هو الله العظيم، وأراده أن يكون عندنا عظيمًا ،هذا الشهر هو اختيار الله لكم فاقبلوه، وأقبلوا على ما اختاره الله لكم. إنّ التفكّر في هذا الأمر، في أنّ شهر رمضان هو اختيار الله لنا يجعلنا نعظم هذا الشهر، ونقدّر هذه الخيرة من الله، ونجلها؛ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج ـ 32)، فرمضان خيرة الله وشعيرة من شعائر الله، وهذا ما يجعل العبد المؤمن الصادق يعظم هذا الشهر ويحتفي به ويستقبله استقبال عباد الله الربانيين.يا ايها المسلم كُنْ عبد الله الرباني، المؤمن بلقاء الله، الذي يستقبل شهر الله العظيم استقبال الفرحين، ألم تسمع إلى قول ربنا -جل ثناؤه-:(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس ـ 58)، ورمضان هو من فضل الله ورحمته التي يفرح بها العبد المؤمن، وللصائم فرحتان، وهو خير من متاع الدنيا الزائل، ومما يجمعه الزائلون من هذه الدنيا الزائلة.كن عبد الله الرباني، المؤمن بلقاء الله، الراجي لشفاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) باتباع سنته وهديه، الذي يستقبل شهر رمضان بصيام نهاره احتسابًا لله: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه”، ولأجل الله: “يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي”، نعم، من أجل الله عزّ في علاه خالقنا وراحمنا وإليه مصيرنا، سنصوم شهر رمضان، من أجل الله سنتحمل عناء صيام رمضان، من أجل الله سنصبر على العطش في نهار رمضان، رجاء أن يسقينا من حوض نبيه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، من أجل الله سنصبر على الجوع في نهار رمضان، سنصبر على التعب والحرّ في نهار رمضان، رجاء أن يجعلنا ربنا من الذين يظلهم في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه.اجعل همّك همًّا ربانيًّا في رمضان، همّ من يستقبل رمضان استقبالاً ربانيًا، يستقبله وهمّه: ماذا سأصنع في رمضان؟! ماذا سأقدم في رمضان؟! كيف سأستغل نهاره وليلة؟! كيف سأضاعف أعمالي الصالحات وسجلات الحسنات؟! كيف سأتميز في رمضان هذا عن رمضان السابق؟! كيف أجدد حياتي وإيماني؟! كيف أقوِّي علاقتي بالله؟! كيف أرضي الله؟!الاستقبال الرباني لرمضان لا بد أن يكون فيه تجديد التوبة وتأكيد الاستغفار قد مرّ علينا أحد عشر شهرًا، الله أعلم ما أسلفنا فيها وكلنا ذو خطأ، والله وحده أعلم بالذنوب التي تراكمت على أظهرنا، وبالخطايا التي سوّدت صحائفنا، وبالتقصير والإهمال الذي انتاب أيامنا وليالينا، وهذا شهر عظيم مبارك قد أظلنا، شهر البركة وشهر التوبة، فلنكن من عباد الله الربانيين التائبين المستغفرين، فلنستقبل شهر الله المعظم هذا بالتوبة إلى الله العظيم؛ استجابة لنداء الله لنا:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً)(التحريم ـ 8)، ولنقبل على الاستغفار إقبال العطشى والحائرين، يقول التواب الرحيم، واسع المغفرة والإحسان، في الحديث القدسي الصحيح: “يا ابن آدم: إنّك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثمّ استغفرتني غفرت لك ولا أبالي”، وتذكر قول أحد الصالحين وهو يزيد الرقاشي حينما كان يخاطب نفسه قائلاً: ويحك – يا يزيد – من ذا يصلي عنك بعد الموت؟! من ذا يصوم عنك بعد الموت؟! من ذا يترضى عنك ربك بعد الموت؟!.

إلى الأعلى