الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / القدس وحكومة نتنياهو الجديدة

القدس وحكومة نتنياهو الجديدة

علي بدوان

ليس مصادفة أن يبدأ بنيامين نتنياهو، عهده الحالي في رئاسة الوزارة من جديد بإعلانٍ صريح وفصيح، فحواه ما قاله بالحرف الواحد “ينبغي أن نبني المزيد في القدس لتبقى العاصمة الأبدية لإسرائيل”. فأطلق عطاءات وموافقات التوسع الاستيطاني التهويدي في مناطق القدس وداخل أحيائها العربية الإسلامية والمسيحية، وبديهي أن نتنياهو في سلوكه الفج يقفز عن الواقع والتاريخ ويتعامل كما لو أن كل العالم يعترف بأن القدس عاصمة لكيانه الصهيوني أو لـ”الشعب اليهودي” حسب تعبيره.
وفي حقيقة الأمر، يلحظ المتابع لشؤون مدينة القدس وجود نشاط غير عادي لجمعيات ومؤسسات يهودية أميركية، تعمل على تمديد وتوسيع نشاطها الاستيطاني الإجلائي ضمن حدود المدينة المقدسة، بالتناغم مع نشاطات وأعمال مجموعات المستوطنين ومع الجهات “الإسرائيلية” المعنية ومنها ما يسمى “حارس أملاك الغائبين”، حيث الدعم اللامحدود الذي تقدمه الحكومة “الإسرائيلية” الجديدة لتلك الجهات مستعينة بالجهاز القضائي الذي يوفر الغطاء والدعم القانوني لها، وذلك بهدف تهجير العائلات الفلسطينية المسلمة والمسيحية المقدسية وطردها من منازلها، والسيطرة على العدد الأكبر من العقارات التي تعود للمواطنين الفلسطينيين، عن طريق عمليات الضغط بقصد إجبار تلك العائلات على الرضوخ لمنطق البيع “الإسرائيلي” وتمويل الاستيلاء على العقارات والأنشطة الاستيطانية بالمدينة، ومنها الضغوطات الاقتصادية والشروع بجباية ديون متراكمة من السكان تقدر بملايين الدولارات، ومن يتخلف عن الدفع ستسحب منه الإقامة وسيصدر بحقه أمر طرد.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد تمت عمليات مختلفة للسيطرة على عدد جيد من العقارات الفلسطينية، تقع ما بين الهدم والاستيلاء والمصادرة، وقد مست تلك العمليات عدة مئات من العقارات والمنازل في قلب مدينة القدس وفي شطرها الشرقي على وجه التحديد، ومن المتوقع مضاعفة وتيرة هذا النهج.
عدا عن ذلك فإن تكثيف عمليات الاستيلاء على العقارات في قلب مدينة القدس ومحيطها القريب، يتزامن مع الانتهاء من بناء جدار الفصل العنصري حول المدينة وحدودها الإدارية بعد توسيعها، حيث بات هذا الجدار يعزل قرابة (165) ألف مواطن عربي فلسطيني من أبناء المدينة، ليصبحوا بعرف سلطات الاحتلال “غائبين” وبالتالي يمكن أن تتم عملية وضع اليد على عقاراتهم ومساومتهم عليها لبيعها للجمعيات الاستيطانية الناشطة، ومنها الجمعيات اليهودية الأميركية.
وكانت حكومة نتنياهو السابقة، عملت على منح الجمعيات الاستيطانية اليهودية الضوء الأخضر للاستيلاء على العديد من المعالم التراثية والثقافية التاريخية في مدينة القدس، ومنها منزل مفتي فلسطين المرحوم محمد أمين الحسيني، والشروع في إقامة حديقة توراتية على الجهة الشرقية من جبل المشارف والطور والعيسوية في محيط المدينة القريب، حيث أعادت سلطات الاحتلال تصنيف الأراضي في المناطق المشار إليها ليتحدد فيها البناء بشروط مشددة وضمن قيود صارمة، على أساس أن تحويل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي في القدس المحتلة يهدف إلى تحويل القدس إلى “رمز ديني وتوراتي للشعب اليهودي” على حد الرواية والسياسة “الإسرائيلية” القائمة على المشروع الكولونيالي الاستيطاني التهويدي التوسعي.
وفي هذا السياق، فقد استولت سلطات الاحتلال على الجزء الأكبر من مقبرة (مأمن الله) التاريخية في قلب مدينة القدس والتي تضم رفات الآلاف من الشهداء الذي سقطوا على مر العقود الماضية في الدفاع عن المدينة المقدسة وعن أرض فلسطين، بحجة السعي لإقامة متحف “التسامح” (لاحظوا عبارة متحف التسامح على رفات الموتى ..!).
إن إسرائيل تسعى لفرض سياسة الأمر الواقع وإخفاء المعالم العربية والإسلامية والمسيحية عن المدينة، لمنع أي تسوية سياسية مستقبلية، فالحقائق على الأرض تقول بأن أكثر من (10%) من مساحة الضفة الغربية، والتي تزيد عن (5760) كيلومترًا مربعًا عزلت داخل الجدار الفاصل، إضافة لعزل مناطق الأغوار الفلسطينية التي تمثل من (26%) من مساحة الضفة الغربية، بهدف قطع حدود الضفة الغربية عن واقعها العربي (الأردن شرقا)، ولمنع إقامة دولة فلسطينية.
ففي إطار سياسته التوسعية المستمرة، صادر الاحتلال الصهيوني مئات الآلاف من الدونمات في الضفة الغربية من أصحابها الفلسطينيين لإقامة جدار الضم والتوسع، وتشير التقديرات حسب مسار الجدار إلى أن مساحة الأراضي الفلسطينية المعزولة والمحاصرة بين الجدار وخط فلسطين المحتلة عام 1948 تبلغ حوالي (733) كيلومترا مربعا، منها حوالي (348) كيلومترا مربعا أراضٍ زراعية و(110) كيلومترات مربعة مستغلة كمستعمرات وقواعد عسكرية و(250) كيلومترا مربعا غابات ومناطق مفتوحة بالإضافة إلى (25) كيلومترا مربعا أراضٍ مبنية فلسطينية.
وتجدر الإشارة إلى أن أعداد المستوطنين في الضفة الغربية بلغت مع نهاية العام 2010 ما مجموعه (517,774‏) مستوطنًا. وتشير الإحصائيات إلى أكثر من (500) ألف مستوطن يتوزعون على أكثر من (450) مستوطنة وبؤرة استيطانية بالضفة الغربية منذ العام 1967، وينفذ هؤلاء المستوطنون عشرات الاعتداءات اليومية ضد الفلسطينيين.
ويتضح من البيانات والمعطيات المنشورة من قبل جهات عدة ذات مصداقية، أن (51,6%) من المستوطنين يسكنون في محافظة القدس حيث بلغ عـددهم حوالي (267,325)‏ مستـوطنًا منهم (201,273‏) مستوطنًا في القدس الشرقية، وتشكل نسبة المستوطنين إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية حوالي (21) مستوطنا مقابل كل (100) مواطن فلسطيني، في حين بلغت أعلاها في محافظة القدس حوالي (71) مستوطنا مقابل كل (100) فلسطيني.
وخلاصة القول، إن ما يجري الآن بحق مدينة القدس يعتبر إعلان حرب على المدينة المقدسة، ومرحلة خطيرة في عملية تهويد كل ما هو فلسطيني في القدس الشرقية المحتلة. فالمدينة ومحيطها يتعرضان لأخطر المشاريع الاستيطانية الإجلائية التهويدية، حيث تسعى سلطات الاحتلال لرسم واقع جديد على الأرض يحسم مصير المدينة المقدسة عمومًا والمسجد الأقصى على وجه الخصوص.

إلى الأعلى