الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مصر ودورها في القارة الإفريقية

مصر ودورها في القارة الإفريقية

سامي حامد

بعد تجاهل مصري تجاه القارة الإفريقية استمر لعدة عقود خاصة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وتحديدا بعد محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا منتصف التسعينات، عادت مصر مجددا إلى أحضان إفريقيا وتحديدا منذ أن تولى عبدالفتاح السيسي رئاسة مصر قبل عام، حيث أعطى السيسي القارة الإفريقية الاهتمام الذي تستحقه خاصة بعد بروز أزمة سد النهضة الأثيوبي، حيث يندرج هذا الأمر تحت أولويات الأمن القومي المصري فيما يتعلق بمصالح مصر المائية، وقد بدأ الحراك المصري صوب إفريقيا استدراكا لما فات في العقود الأربعة الأخيرة من عمر الدولة المصرية، حيث نجح السيسي في تحريك المياه الراكدة مع أثيوبيا فيما يتعلق بسد النهضة، وأخيرا استضافت مصر القمة الثلاثية لرؤساء دول وحكومات “الكوميسا” ومجموعة شرق إفريقيا ومجموعة تنمية الجنوب الإفريقي “الساداك” والتي انعقدت في مدينة شرم الشيخ الأسبوع الماضي، وقد جاءت هذه القمة تكريسا لمنحى تتبناه الدولة المصرية حاليا!
25 دولة من التكتلات الإفريقية الثلاثة شاركت في هذه القمة التي اختتمت أعمالها في شرم الشيخ مؤخرا، وهذه الدول تمثل نحو 75% من إجمالي عدد سكان إفريقيا ويقطنها نحو 625 مليون مواطن اتفقت على تحرير التجارة بينها، ما سينعكس إيجابيا على اقتصاديات هذه الدول وهو نجاح يحسب لمصر .. فالحضور المصري في إفريقيا بثقله التاريخي وممارساته الناجحة في دعم الأفارقة في مراحل فارقة في عمر أوطانهم يمثل حجر زاوية يمكن البناء عليه، وهذا بالضبط ما حدث في قمة شرم الشيخ حيث كان التحضير والحضور المصري لافتا للأنظار، وجاءت كلمة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية للقمة معبرة عن آمال مصرية عريضة تجاه الارتقاء بالمستوى الاقتصادي للقارة السوداء وجعلها قوى اقتصادية عظمى.
والحقيقة أن مصر بحكم دورها التاريخي في القارة الإفريقية منذ أن كانت راعيا أساسيا لحركات التحرر والاستقلال قبل ما يقرب من 60 عاما ما زال يحكمها إلى اليوم الحرص الكامل على حماية البنيان الإفريقي من أي تصدع والعمل على تسوية وحل النزاعات الإفريقية التي تزايدت في السنوات الأخيرة وتمثل تهديدا لوحدة القارة وسلامتها، ولعل أكثر ما يحسب للسياسة المصرية هو قدرتها على تحسس المخاطر التي تحيط بالقارة الإفريقية والمبادرة لدرئها. كما أن تحديات العصر تفرض على مصر دون أن تتخلى عن هويتها العربية أن تمد أبصارها تجاه الدائرة الإفريقية التي يصعب على مصر أن تخرج منها لأنه ليس بمقدور دولة أن تخرج عن واقعها الجغرافي!
لقد اعتبر المراقبون أن توقيع اتفاقية تحرير التجارة بين أعضاء التكتلات الإفريقية الثلاثة يمثل نواة مهمة نحو تحرير التجارة على مستوى القارة .. ويرى البعض أن الاتفاقية هي بمثابة خارطة طريق من أجل اعتماد نهج التنمية لعملية التكامل الثلاثي اعتمادا على اندماج الأسواق وحركة رجال الأعمال والتنمية الصناعية وتنمية البنية التحتية، حيث دعت القمة الـ18 للاتحاد الإفريقي التي عقدت في يناير العام 2012 بأن تقوم التجمعات الثمانية في القارة الإفريقية بالانتهاء من الوصول لمنطقة التجارة الحرة بحلول عام 2014، وتقوم التجمعات خلال الفترة من العام 2015 إلى العام 2016 بعملية الاندماج في منطقة التجارة الحرة القارية، وهو ما تم تحقيقه بتوقيع اتفاقية تحرير التجارة وإعلان شرم الشيخ. أما بالنسبة للدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي وغير المنضمة لأي تجمع فيمكنها الانضمام مباشرة إلى منطقة التجارة الحرة القارية العام 2017.
إن التكتل الإفريقي الذي نشأ قي شرم الشيخ ما بين التجمعات الثلاثة “الكوميسا” و”الساداك” و”شرق إفريقيا” مقدمة لمنطقة التجارة الحرة الإفريقية، حيث يضم أكثر من 50% من دول القارة بناتج محلي يبلغ 1,2 تريليون دولار وهي أرقام تفتح آفاقا للتكامل الاقتصادي والتجاري .. وتعد القارة الإفريقية الاقتصاد الواعد للعالم الآن نظرا لأنها تمتلك قوى سكانية شابة، كما تضاعف معدلات النمو في أغلب الدول لأنها بدأت بمعدلات نمو قليلة وفي الوقت نفسه زاد مستوى التعليم في القارة السوداء، وستعمل اتفاقية التجارة الحرة بين التكتلات الثلاثة على زيادة الاستثمارات الأجنبية لأنها ستكون جاذبة للاستثمار الأجنبي نظرا للتسهيلات التي سيحصل عليها أي مستثمر لأنه إذا استثمر في أي دولة من أعضاء الاتفاقية سيكون من حقه التصدير لأي دولة من الدول الأعضاء.
لقد نجحت مصر في العودة سريعا إلى القارة الإفريقية ويرى المراقبون أن القاهرة يمكنها قيادة حركة التنمية في إفريقيا بحكم تاريخها وعلاقاتها المتميزة مع أغلب دول القارة، ولذلك يخطئ من يظن أو يزعم أن اعتذار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عن المشاركة في أعمال قمة الاتحاد الإفريقي التي استضافتها جنوب إفريقيا مؤخرا يعني أن هناك تغييرا في رؤية مصر الاستراتيجية .. بل إن المفارقة أن الذي مثل مصر في قمة جنوب إفريقيا نيابة عن الرئيس السيسي هو المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء المصري، وهو شخصية معروفة في الوسط الإفريقي كونه كان يشغل منصب شركة المقاولون العرب، وهي الشركة التي قامت ولا تزال بالعديد من مشروعات البنية التحتية في العديد من دول القارة.

إلى الأعلى