الإثنين 21 أغسطس 2017 م - ٢٨ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الثابت والزائل في التخلف عراقيا

الثابت والزائل في التخلف عراقيا

عادل سعد

هائلة حقًّا تلك البرامج الإعلامية والثقافية الموجهة للعراقيين لتغيير قناعاتهم، أو تثبيت أخرى، أو ممارسة الخلط بين الاثنين وسط سوق مفتوحة من الضخ السياسي والديني والاجتماعي، وكثيرة وسائل الإعلام الملونة جميعها وهي تخاطب المواطن العراقي، بعض هذه المخاطبات تأتي في إطار تأثير إعلاني متميز نسبيًّا في الأصول المرتبطة بالتأثيرات على الرأي العام ضمن أية محافظة، أو منطقة من البلاد.
إن مجموع منظمات المجتمع المدني العراقية التي تزعم ليل نهار أنها منذورة من أجل إرساء حياة اجتماعية آمنة قائمة على التضامن والتعايش والنية الحسنة والسلوك الحضاري الشفاف، تضاهي عدد منظمات المجتمع المدني في الهند مع أن عدد نفوس العراقيين بحدود ثلاثين مليون نسمة حسب آخر تقديرات وزارة التخطيط، في حين أن عدد نفوس الهند تجاوز المليار، وإذا أردت الإضافة هنا من أجل الكشف عن المفارقات، فإن النخب العلمية العراقية تغطي الآن كل العراق، إذ تتواجد حتى في القرى النائية مع ملاحظة أن كل المحافظات العراقية تمتلك الآن جامعات، بل إن بعضها فيه أكثر من جامعة واحدة حكومية وأهلية وبمختلف الاختصاصات الإنسانية والعلمية واللسانية، أما الصحف والنشرات الدورية التي تزعم (الوصل) بالعقل العراقي فليس بمقدورك ضبط عددها لأنها تتوالد أميبيًّا وتنتشر وتختفي وتتذبذب على مدار الأيام، والعراقيون يأكلون وعيونهم على شاشات التلفاز السياسي، والغنائي، والطائفي، وفضائيات المسلسلات التركية والمصرية، مع وجود أفضلية لدى أغلبية العراقيين للبرنامج الذي يقدمه الإعلامي اللبناني المعروف جورج قرداحي (المسامح كريم).
إن مناسبة استعراض هذه (العاصفة) الإعلامية والثقافية، ما جرى قبل أيام في أثناء جلسة صلح بين قبيلتين عراقيتين تقاتلتا بكل الأسلحة المتوفرة داخل سوق العراقية، استخدموا البنادق الصغيرة والمتوسطة بل والثقيلة في بعض الأحيان، المهم أنهم جلسوا للصلح نتيجة وساطات سياسية ووجاهية بعد أن اقتنعت القبيلتان أن لا إحدى منهما تستطيع أن تحقق النصر النهائي على الأخرى، ولكن لم يكن الصلح في إطار عفا الله عما سلف ولا في إطار الآيات الكريمة (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، أو (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ
وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، الذي حصل أن الصلح انتهى بتقديم تعويض للقبيلة التي تضررت من جراء عدوان القبيلة الأخرى عليها، وقد احتل المال قائمة التعويضات إلى جانب تقديم ست نساء، وتم تمرير الصفقة، وكأن هؤلاء النساء الست بضاعة يمكن أن تشتريها القبيلة المعتدية من السوق تعويضًا مجزيًا.
لقد تم تدوين الاتفاق بعد مساومات عديدة على خفض عدد (النساء الفصليات) من خمسين فتاة إلى الرقم المشار إليه في صولة مفاخر أنهم أنجزوا صلحا متميزا بتخفيض عدد النساء الممنوحات.
هل يعقل هذا ونحن نتوخى الآن عناوين كبيرة من السلوك الإنساني الذي يحترم إرادة المرأة ويصون حقوقها، هل يعقل في القبائل العراقية أن تعتمد هذا التعويض المخزي مع كل هذا الضخ الثقافي العلمي والإنساني والتراثي، أليست هذه محنة أن تحكم النظرة المتخلفة إلى المرأة واقع الصلح وإنهاء الخصومات.
لقد كتبت على صفحات (الوطن) قبل عامين مقالة بعنوان (الورم العشائري) بعد أن لفتت نظري لافتة تتصدر أحد الأبنية في حي المنصور من بغداد تقول (لا يجوز التصرف بهذا البناء لأنه مطلوب عشائريا)، حيث أشرت فيها إلى أنها فضيحة أخلاقية أن يكون رأي العشيرة وقرارها فوق رأي القانون والقضاء العادل.
وبمعنى هذه الحادث، وبمعنى كل الحوادث العراقية الأخرى يمكن الاختصار أن العقل العشائري لا يصغي إلا إلى تخلفه.

إلى الأعلى