السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ثورة لم تبلغ أهدافها

ثورة لم تبلغ أهدافها

احمد صبري

لم يتوقع الذين عاشوا لحظات ثورة 14 تموز التي أطاحت بالملكية في العراق وما أفرزته من تداعيات على الأوضاع المحلية والعربية والدولية أن تتراجع أهداف تلك الثورة جراء الخلافات التي قطعت حبال الود والتفاهم بين رموزها منذ بداية انطلاقها، وحولت هذا الحلم إلى ما يشبه الكابوس ما زال العراقيون يعانون منه ويدفعون ثمنه.
هذا الحدث الذي عزز مكانة العراق ودوره كمركز استقطاب مؤثر في محيطه العربي والدولي وأعاد إليه حريته وحقق استقلاله الناجز في فترة النهوض القومي التي كانت سمة تلك المرحلة، وهي من أشد فترات الإثارة في التاريخ العربي، غير أن اختلاف الرؤى بين ثوار تموز والمصالح الشخصية والتدخلات الخارجية أدت جميعها إلى عدم تحقيق أحلام العراقيين برؤية بلادهم مستقرة مزدهرة؛ لأن العواصف كانت أقوى من أن يصمد ثوار تموز أمامها فتحول العراق إلى ساحة للصراعات والخلافات المحلية والإقليمية أدت إلى تعطيل مسيرته نحو البناء وتعضيد أواصر التوافق بين أبنائه.
وخيمت على العراق أجواء عدم استقرار وفوضى وتصفيات بين المكونات السياسية التي كانت تهيمن على الساحة العراقية في تلك المرحلة، ما أصاب العراق بالشلل والتراجع في مسيرته.
عندما نستعيد تلك الذكريات والأحلام التي كانت تراود أبناء العراق نصاب بخيبة الأمل وشعور بالمرارة؛ لأن تلك الثورة كان يمكن أن تكون بداية مشرقة لمرحلة جديدة تنقل العراق من حال إلى حال وتحقق للعراقيين آمالهم الذين قدموا من أجلها التضحيات الجسام، وتؤسس قاعدة التوافق السياسي وتحويل العراق إلى نموذج يحتذى به في المنطقة العربية.
المؤلم في المشهد السياسي الذي يعيشه العراق فصولا متتالية من دون رؤية للنور في نهاية النفق رغم مرور (57) عاما على ذلك الحدث الذي هز العالم، فإن العراق ما زال يقف في نفس المربع لم يتخلص من تلك التداعيات التي تسببت في تعطيل مسيرة تموز رغم أن بدايتها كانت سياسية وتحولت بعد غزوالعراق عام 2003 إلى طائفية.
ويبدو أن العراق سيبقى ينزف من هذه الجروح الغائرة في أعماقه ما لم يتخلص ويتجاوز آثارها، ويتمسك بالمشروع الوطني الرافض للطائفية والعرقية، ويتمسك بثوابت الوطن وإرادته وسيادته واستقلاله الناجز كما سعى إلى تحقيقها ثوار تموز رغم حملة التشكيك التي طالت بعض رموزهم وصدقية توجهاتهم.
وبتقديرنا أن ما جرى ويجري في العراق هو امتداد لتداعيات إخفاق ثوار تموز في التوافق على برنامج وطني يعزز أسس الشراكة والمصير المشترك، ولم نتفاجأ بالأزمات السياسية بين شركاء الحكم. غير أننا فوجئنا بلغة التهديد والوعيد إلى حد التخوين والإقصاء بين الفرقاء، ما يعكس أن الطبقة السياسية التي تحكم العراق وفق مبدأ تقاسم السلطات والشراكة في القرار السياسي أخفقت هي الأخرى في ترجمة هذه المفردات إلى الواقع بفعل حدة وخطورة الاتهامات التي تبادلها المتخاصمون.
فالشراكة بالحكم ينبغي أن تستند إلى الثقة والاعتراف بالآخر، وهذان الشرطان في أسسس الحكم سقطا ولم يجدا لهما مكانا في مسار العملية السياسية.
فتجربة السنوات التي أعقبت الاحتلال والتي جاءت بالطبقة السياسية يبدو أنها غير كافية لتعزيز أسس الشركة بين أطرافها. والدليل على ذلك أن هذه الأزمات المتوالية أفرزت واقعًا جديدًا ربما يقودنا إلى العودة إلى سنوات العنف والعنف المضاد بفعل الشحن والتحريض وتبادل الاتهامات التي تهدد وحدة ومستقبل العراق.

إلى الأعلى