الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / خياران: النظام أو الفوضى

خياران: النظام أو الفوضى

أ.د. محمد الدعمي

تستدعي العملية العسكرية العملاقة الشاملة التي أطلقتها الحكومة الأميركية، الفيدرالية والمحلية، لإلقاء القبض على قاتلين كانا قد هربا من سجن كلينتون التصحيحي، منذ أكثر من عشرة أيام الملاحظة والمناقشة بأناة. السجينان قاتلان خطيران يمكن أن يشكلا خطرًا وجوديًّا على كل من يصادفهما، إلا أن المسألة التي تطلبت تجحفل وحدات متنوعة من الشرطة والجيش الأميركي وأجهزة الاستخبارات في البحث عن الرجلين الهاربين، بتكلفة مليون دولار يوميًّا، لا تتحدد بخطورة الهاربين فقط، لأنها، في حقيقة الحال، تتحدد في سؤال مفاده الخيارين: (1):”النظام”، أو (2) “الفوضى”.
هذا هو المعنى النهائي لهذه العملية الشاملة، فليست هناك أية مبالغة في الإجراءات، ذلك أن نجاح السجينين الهاربين في الإفلات من قبضة العدالة إنما يعني اختراق النظام الأميركي برمته. ينطوي هروب السجينين على تجاوز لسلطة القضاء الأميركي؛ ولأن القضاء في الدول المتقدمة والمستقرة كينونة مقدسة لا يمكن لأحد أن يتجاوزها أو يحيدها، فإنه يخدم عمادًا لوجود الدولة وبقائها. بمعنى أن السجينين لو هربا حتى قبل يوم واحد من إكمال مدة محكوميتهما، فإن هروبهما إنما يعني تجاوزًا واختراقًا للنظام الأميركي. لذا فإن الحملة الشاملة لا يمكن أن تنحسر فقط بسبب خطورة الهاربين، وإنما هي بسبب الحرص على النظام وبقائه.
وهذا، لعمري، هو واحد من أهم الفوارق بين الدول المتحضرة التي تحترم القضاء وسلطته، من ناحية، وبين الدول التي تستحف بالقضاء، فتتجاوزه أو لا تعيره ما يستحق من اهتمام. لذا، إن شاء المرء أن يقيس مدى استقرار وتقدم أية دولة، فإن عليه أن يتفحص نظامين أساسيين، هما: النظام القضائي، والنظام التربوي والتعليمي. القضاء وسلامته يؤشران فرض سلطة القانون، بينما يؤشر النظام التربوي سلطة العلم والمعرفة والحرص على مستقبل واستقامة الأجيال، بطبيعة الحال.
والحق، فإن ما حدا كاتب هذه الأسطر لتناول هذا الموضوع الخطير إنما يتلخص، في الاستخفاف والتجاوز اللذين تعرضهما سلطة الدولة عندما تطلق سراح السجناء والمدانين على نحو متعامٍ، دون تمييز بين مقترف جريمة أو جنحة وأخرى، ناهيك عن حالات التساهل والخدر اللتين تعكسهما الدولة عندما تخترق سجونها أو تهاجم من قبل قوة خارجية، فتفتح أبواب السجون للمجرمين والمدانين وأصحاب السوابق والجنح كي ينطلقوا أحرارًا بين فئات الشعب المسالمة التي لا ترنو لسوى حياة سلمية خالية من العنف والجريمة والتجاوز والظلم.
وللمرء أن يقرأ النص الأميركي أعلاه على سبيل المقارنات والمقاربات مع اعتباطية ما يفعله بعض الحكام عندما يتجاوزون القضاة والأحكام والقوانين، ليطلقوا “العفو العام الشامل” لجميع نزلاء السجون، دون التفكير في طبيعة جرائمهم وفي المخاطر التي يمكن أن يشكلوها حال إطلاقهم أحرارًا بين الجمهور. هذا النوع من السلوك هو الذي شاب تجاوز بعض أولي الأمر للقضاء على سبيل شراء التأييد والشعبية بأي ثمن، أو من أجل تحقيق أهداف سياسية مؤقتة. وهو، بالضبط، ما فعله الرئيس السابق، صدام حسين، عندما وضع النظام القانوني والقضائي على الرف ليطلق جميع السجناء والموقوفين في عراق ما قبل الغزو الأميركي، سنة 2003. هذه الحال لا تختلف كثيرًا عما حدث قبل بضعة سنوات في العراق كذلك، عندما تجاهلت الدولة عملية عسكرية كبيرة قامت بها عناصر إرهابية لإطلاق سراح جميع سجناء ونزلاء سجن ابو غريب، السيء الصيت. تمت العملية في جنح الليل ولم تتمكن سلطات الدولة من أن تفعل شيئًا عدا كيل الاتهامات وتبادلها بين أذرعها وأجهزتها على نحو لا مسؤول. وأخال أن السيطرة على ثلث أراضي العراق من قبل إرهابيي الدولة الإسلامية اليوم هو من نتائج عدم اكتراث الدولة بسلطة القضاء وتجاوزها لها دون دواعٍ أو ضوابط منطقية مقبولة، للأسف.

إلى الأعلى