الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انطباعات ومشاهد من قلب العاصمة التايلندية بانكوك 2/4

انطباعات ومشاهد من قلب العاصمة التايلندية بانكوك 2/4

سعود بن علي الحارثي

” في بانكوك كل شيء معروض لمن يرغب ويشتهي ولمن غلبته نفسه الأمارة ولمن حكم هواه على عقله بما في ذلك الأجساد النسائية, وجيوب العرب تأتي إلى هنا مليئة بالدرهم والدينار وتعود خاوية إن لم تكن مديونة, وفي أمة العرب أمة لا تجد القوت وأطفال يبحثون عن اللقمة في علب القمامة.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيا : مشاهد وانطباعات عامة.
تتسم الحركة في بانكوك بالحياة المتجددة والنشاط الدائم, فالأسواق لا تعرف الهدوء , ومعظم المحلات التجارية لا تغلق أبوابها قبل الرابعة صباحا والناس بين نائم ومناوب في عربته ومحله ومكتبه , مواصلين ليلهم بنهارهم والشوارع عامرة بوسائل النقل على مدار الساعة, والحركة المرورية خانقة أحيانا برغم ما تتيحه شبكات الطرق الواسعة والكثيفة المعلقة منها والأرضية الرئيسية والفرعية الطويلة والقصيرة من إمكانيات واسعة, تلك المصممة في تخطيط حكيم وهندسة يعجب بها الزائر والمقيم حيث تتحرك فيها جميع وسائل النقل في تناسق جميل وتنظيم دقيق يعطي لكل حقه في الحركة في المكان والزمان, ففي البنايات متعددة الطوابق تتابع العين حركة السيارات على مستويات متعددة ومسارات متشابكة ومتداخلة, أرضية وعلوية وأخرى بينهما تخيل للرائي المتسرع في حكمه أن الفوضى هي المتحكم في المشهد وأن حوادث عنيفة لا شك واقعة وأن عشرات بل مئات العربات ستصطدم ببعضها إلا أن الحقيقة لابد أن تتكشف تدريجيا فالتخطيط المدروس والنظام المحكم والضبط الدقيق وفق وسائل وآليات حديثة تتحكم في الحركة المرورية بانسيابيتها ومرونتها وتوزع الحقوق والواجبات بشكل متوازن وعادل ومتقن, وللماشي على رجليه حقوق واسعة حيث تقف له كل وسائل النقل من أجل أن يتحرك بأمان واطمئنان وجسور المشاة مظللة والكثير منها يعمل بنظام السلالم الكهربائية وربطت بالمجمعات التجارية الفخمة والأحياء السكنية في بعض المواقع المزحومة بالحركة , وبانكوك التي تنقشع السحب وتتلبد في سمائها بسرعة عالية وتغتسل مبانيها وشوارعها بالمطر مرات في اليوم الواحد قادرة على امتصاص المياه وتجفيف شوارعها وأرضها بأسرع مما يتصور المرء, تخطيط وتطور يراعي الحاجة والتوسع والنمو الذي تشهده البلاد في جميع القطاعات … وبجانب البنايات الشاهقة والمجمعات الواسعة والأضواء الباهرة والأسواق العامرة والشوارع الصاخبة بالحركة والنشاط والمكاتب المؤثثة بأفخر أنواع الأثاث وأعلاه قيمة والتي تدر لأصحابها الملايين, يبرز واقع آخر يحمل البؤس والشقاء والعوز , صورة معاكسة لشريحة من البشر المسحوقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى تلتحف السماء وتفترش الأرض تشقى اليوم بكامله من أجل أن تحصل في نهاية المطاف على لقمة عيش هزيلة … يد تسوق عربة تقليدية تحتوي على رأس مال صاحبها يعاني الأمرين من أجل كسب شريف, وأخرى تحمل عشرات القطع لسلع وبضائع يعرضها على المارة في الشوارع الرئيسة وأمام المحلات التجارية وفي الأسواق في حركة لا تعرف الكلل ولا تنقاد للتعب والوهن, سؤال كنت أردده باستمرار عن حصيلته من يوم قضاه يلف الشوارع ويعرج على المطاعم والمقاهي ومواقع التجمع البشري عارضا لعبة أطفال أو زوج من الجوارب أو قطعة قماش عل أحدا يرأف به فيشتري بعضا مما لديه؟ وثالثة تمتد في خجل وحياء علها تجد قلبا رحيما يمدها بما يسد جوعتها إن سدت أبواب الرزق من عمل يحفظ ماء الوجه, رأينا من يمشي على بطنه باحثا عن رزقه, ومن فقد بصره ووجد في الغناء والموسيقى واطراب الآخرين عملا يسترزق منه, وفي كل موقف ومشهد درس ومعنى وحكمة وفرصة للتدبر وحمد الخالق سبحانه وتعالى على النعمة والصحة. وجوه وأجسام وملامح تعبر عن البؤس الإنساني وعن عجرفة وغرور من يملكون المال وعن الفجوة الواسعة وتعدد صور الحياة التي يعيشها البشر, صور لأناس يزحفون تحت أرجل المارة تكاد الأقدام تسحقهم, وطفولة مهدرة مشتتة تطرح التساؤلات تلو التساؤلات عن واقعها المؤلم وأسبابه, تتمنى أن لو امتلكت المال والقوة لتنتقم لواقعها ومن تسبب فيه أفضل انتقام, تأخذها الأحلام والآمال شرق – غرب وترفعها الأمنيات والتطلعات إلى أرفع مكانة, لكنها لا تلبث أن تفيق على الحقيقة التي تستعصي على التغيير. في بانكوك كل شيء معروض لمن يرغب ويشتهي ولمن غلبته نفسه الأمارة ولمن حكم هواه على عقله بما في ذلك الأجساد النسائية, وجيوب العرب تأتي إلى هنا مليئة بالدرهم والدينار وتعود خاوية إن لم تكن مديونة, وفي أمة العرب أمة لا تجد القوت وأطفال يبحثون عن اللقمة في علب القمامة. يبرز هذا الواقع الأخر بقوة في عصر الحضارة, حضارة المادة والعولمة والمصالح بوجهيها, وجه يتجمل بلباس الفخامة والوجاهة والمظاهر الخادعة, ويمتطي جواد العظمة والغرور والكبرياء, يعيش حياة الترف والبذخ والمجون يتلاعب بالأموال ويصرفها في لهوه وصخبه تحت الأضواء الكاشفة دون حسيب أو رقيب … ووجه لا يعرف أبطاله سوى البؤس والكدح والحزن والمعاناة والعمل الخشن, حيث تشتد وطأة الحياة على إنسان قلما يجد من يلتفت إلى بؤسه وعلته أو يقف ولو للحظة لفهم مشكلته وعوامل بؤسه, فرجل الواقع المتسربل بالمال والوجاهة لا يريد أن يطل ببصره إلى الواقع المعاكس خوفا من العدوى ومن يعيش بينهما منصرف كليا لتغيير واقعه واللحاق بالواقع الجميل المشرق, ولا يمكن للإنسان الحر إلا أن يتساءل عن أسباب عزوف من يعيش في غناء فاحش عن مساعدة وتطوير الإنسان المحتاج الذي يعيش فقرا مدقعا وبؤسا شرسا حتى تصبح الصورة في عموميتها جميلة ونظيفة لا يكدرها مكدر ولا يسود أناقتها وبياضها سواد؟. وبرغم انتشار المراقص والبارات وأندية العراة ومواقع الدعارة والعروض الاباحية بكل أشكالها والتي تمثل واحدة من الاغراءات الكثيرة لجذب السائح, إلا أن الأمن والاستقرار وغياب مظاهر العنف والاستغلال وحوادث الطرقات والسرقة مما يميز الحياة في تايلند, إذ أن السائح والزائر لها يتحرك في ساعات متأخرة في الليل ويمشي في الأسواق والشوارع العامة والأحياء بحرية تامة دون أن يعترض سيره معكر أو عائق أو شعور باستفزاز من أي كائن من كان, ولا يشعر بخوف أو قلق في هذا البلد الآمن, وتتوفر وسائل نقل الأجرة بأشكالها المتعددة في الليل والنهار وبأسعار زهيدة. ومآذن المساجد تطل بشرفاتها شامخة من بين المباني والمناطق السكنية تصدح بقول الحق,( الله أكبر الله أكبر الله أكبر) في اليوم خمس مرات, وحتى في المجمعات التجارية الكبيرة خصصت مساحة للصلاة , والمسلمون التايلنديون يعملون جنبا إلى جنب مع مواطني هذا البلد في تجانس وانسجام تامين لا يعكر صفوهما معكر. وأسعار الفنادق في تايلند وبمختلف مستوياتها تعبر عن الرقي والنظافة والسعة والفخامة, ومع ذلك فأسعارها معقولة وواقعية وفي متناول السائح, وموظف الفندق يقدم خدماته للمقيم بتفان لا مثيل له ويبادر للقيام بأعمال لا تدخل في اختصاصه الوظيفي أحيانا ولكن ليقينه بأهمية السائح وووعيه بدوره في تشجيع اقتصاد بلده يعمل ما في استطاعته في تحبيبه وتشجيعه للعودة مرات إلى هذا البلد الساحر أو تمديد اقامته بفضل هذا الحزم من الامتيازات. الفحوصات الشاملة في مستشفى ( ويشتاني ) تصل تكلفتها إلى ما يقارب المائتين ريال عماني … تنتقل بالمفحوص من جهاز كشف إلى آخر ومن غرفة خصصت لنوع من أنواع الأشعة أو التحليل أو الرنين المغناطيسي أو فحص لعظلات ونبضات ونشاط القلب إلى غرفة تالية هذا فضلا عن فحوصات الدم والبول وغيره وذلك على مدى ثلاث ساعات من عمر الفحص, ليصل به المطاف إلى غرفة الطبيب ليشرح له النتائج بكل دقة وتفصيل وشفافية, الحالة الصحية, الأسباب, الأعراض, الحلول العلاجية, الوقاية, الآثار ويجيب على كل الأسئلة التي يطرحها المفحوص, والذي قد تتكشف له الفحوصات عن مفاجآت غير سارة ومعها سيل من النصائح والتوجيهات والارشادات الغذائية والرياضية والسلوكية وكميات من الأدوية أو مزيد من الفحوصات والتحليلات التخصصية ومواعيد ومقابلات لأطباء متخصصين في مجالات أخرى تغير من مجرى حياته … وقد تسعده النتائج فيخرج من المستشفى باشا سعيدا مرتاح البال وهكذا هي حياة الإنسان في فرحه وحزنه مرتبطة في عمومها بالمنزلتين. وبرغم الحركة النشطة التي يشهدها المستشفى من موظفين كثر ومراجعين بأعداد كبيرة ومن جنسيات متعددة إلا أن الهدوء والصمت يسودان المكان حتى ليخيل للمراجع بأن المستشفى قد أخلي فجأة من البشر, حتى الأطفال المرضى أو المصاحبين لأسرهم يتصرفون تصرف الكبار في التزام الهدوء وفي الحديث والجلوس واتباع النظام والحركة والتحكم في ميولهم الطفولية إلى الشغب والحركة المتواصلة والازعاج, وفي هكذا مواقف ومشاهدات كنت لا افوت الفرصة في المقارنة بين ما يجري في هذه المستشفيات ومؤسساتنا الصحية وما يحدث فيها من فوضى وارتفاع للأصوات وحدتها والشجار المتواصل ومحاولة تجاوز الطوابير والنظام . السياحة العلاجية في تايلند تقدم خدماتها على أفضل المستويات ووسائل النقل التابعة للمستشفى على استعداد لنقل المريض والزائر له بناء على رغبته من أي موقع يعيش فيه في بانكوك وتعيده بعد انتهاء مهمته, وفتحت المستشفيات فروعا لها في شارع العرب لتسجيل وتحديد المواعيد وتسليم التقارير الطبية والقيام بمهمة اعتماد الاجازات الطبية من السفارات. الوظائف والأعمال والمهن في تايلند جميعها في أيدي التايلنديين, إذ قلما يرى السائح والزائر لأي موقع أو مؤسسة وجها غير تايلندي يقوم بها, ما يؤكد على وعي هذا الشعب وحسن التخطيط الذي تنفذه مؤسساته , وأخذه بأسباب النهوض والقوة ومستوى التعليم الذي وصل إليه. لقد أخذ الشعب التايلندي بأسباب الحضارة ومضى قدما في الطريق الصحيح قاطعا شوطا متقدما ومحققا إنجازات واسعة ولم تحد تلك الإنجازات من نشاطه بل يطمح إلى المزيد , وظل هذا الشعب متمسكا بتاريخه المشرق وفيا لتقاليده وأصالته , شعب متحضر في سلوكه وفي تعامله مع مفردات الحياة محب للنظام والهدوء يعمل في صمت وفقا لخطط وبرامج محسوبة ومنتظمة مصر على الاستمرار في تحقيق المزيد من النجاح والتطور , صور تستحق القراءة والتأمل وأخذ المفيد منها …

إلى الأعلى