الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حُلُم الكيان بدولته الكبرى!؟

حُلُم الكيان بدولته الكبرى!؟

د. فايز رشيد

” بدايةً، حرّي القول إن الكيان الصهيوني, الذي رغم مضي ما يقارب السبعة عقود على انشاء دولته, لم يقم بترسيم حدوده, وحتى اللحظة يرفض ترسيمها. الكيان الصهيوني ولفترة طويلة بعد إنشائه ظل يكتب شعاراً على جدار الكنيست الأمامي في مواجهة النواب يقول:”حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال قد يختلف عليه كثيرون. البعض يعتقد بأنه تم دفن المشروع نهائيا والى الأبد. كثيرون ما زالوا يعتقدون بأن هذا الحلم ما زال يداعب مخيلة الكثيرين من الصهاينة, وبخاصة في أوساط اليمين المتطرف الصهيوني الفاشي حتى العظم. نطرح السؤال بعد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود, وبعد انعدام خيارات السلطة, وحقيقة التهيئة لإقامة دولة غزة! وفي سياق وجود أحزاب من غلاة التطرف الصهيوني في الائتلاف الصهيوني الحاكم الحالي. لنفترض حالة تسلم هذه الأحزاب اليمينية الفاشية والاحزاب الدينية للسلطة منفردة في الكيان( وبالمناسبة هم لا يختلفون كثيرا عن نتنياهو) ألن يعمل هؤلاء لتحقيق مثل هذا المشروع /الحلم ؟ اسرائيل حتى اللحظة بكل ائتلافها الحكومي الحالي تعتبر الضفة الغربية,” يهودا والسامرة “. في إحصائية لصحيفة ” هآرتس ” نشرتها منذ أشهر, فإن اليمين في الشارع الإسرائيلي ستبلغ نسبته 62% من عموم اليهود في دولة الكيان الصهيوني عام 2025. بالتالي فإن الأستنتاج بدفن مشروع إسرائيل الكبرى هو استنتاج غير دقيق.
بدايةً، حرّي القول إن الكيان الصهيوني, الذي رغم مضي ما يقارب سبعة عقود على انشاء دولته, لم يقم بترسيم حدوده, وحتى اللحظة يرفض ترسيمها. الكيان الصهيوني ولفترة طويلة بعد إنشائه ظل يكتب شعاراً على جدار الكنيست الأمامي في مواجهة النواب يقول:”حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”. كذلك فإن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أوضح في مؤلفه:” مكان تحت الشمس”بأن حق دولة اليهود يتجاوز حدود فلسطين (التي سمّاها إسرائيل الحالية) إلى أراضٍ كثيرة في الدول العربية, ويعتبر أن هذه الأراضي جرى اقتطاعها عنوةً من الوطن اليهودي”, وأن الأردن يعتبر جزءاً من هذه الأراضي”. بالتالي فإن إسرائيل لم ترسّم حدودها حتى الآن، وهو ما يشي بأن أطماعاً توسعية مازالت قائمة في أذهان وعقول جزء كبير من الإسرائيليين شارعاً وقادة! صحيح ربما يعتبر البعض من الفلسطينيين والعرب أنه تم إسقاط مشروع إسرائيل الكبرى, لكن طبيعة الأطروحات الإسرائيلية الحالية تنطلق من مشروعية الهيمنة السياسية والاقتصادية لإسرائيل على المنطقة العربية, وفي الشرق الأوسط كله, كاستعاضة عن الهيمنة الجغرافية التي من الصعب تحقيقها الآن بفعل عوامل عديدة. ذلك لا ينفي عدم العودة الى المشروع من قبل إسرائيل مستقبلا في ظروف مساعدة غير التي تمر بها في هذه المرحلة. وهذا يتواءم مع المشروع الإسرائيلي في المزيد من التوسع. ولذلك فإن أحد القادة العسكريين الإسرائيليين وعندما سُئل عن حدود دولة إسرائيل أجاب قائلاً:”حدود دولتنا هي حيث تصل دباباتنا وأقدام جنودنا”. هذا تلخيص جوهري لطبيعة وأهداف العدوانية التوسعية الصهيونية، ولا ننسى أنه وحتى اليوم فإن نشيد الصباح في المدارس الإسرائيلية يقول”هذه الضفة لنا وتلك أيضاً – المقصود الضفة الشرقية حيث الأردن”.
إسرائيل لم ترسّم حدود دولتها مثلما قلنا, تماماً مثلما رفضت وترفض سن دستور حتى هذه اللحظة, واستعاضت عنه بمجموعة “قوانين أساس” سنّتها الكنيست, وما تزال تسن العديد منها. عدم وجود دستور في الكيان في بعض جوانبه يتعلق أيضاً بسبب مهم, وهو: أن لا تضطر اسرائيل لترسيم حدود دولتها. من هنا فإن من المستحيل أن تستجيب دولة الكيان لطلب عباس بترسيم حدود الدولة الفلسطينية.
إمكانية إيجاد تسوية عادلة مع إسرائيل غير قائمة مطلقا. لقد صرح رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو بُعيد تشكيله لحكومته الحالية “بأن ولايته لن تشهد قيام دولة فلسطينية”! في نفس السياق جاء تصريح وزير الحرب يعالون, كما أن لا مقدمات مطلقا لاحتمالية ولو صغيرة لقبول الكيان بالدولة العتيدة. منذ سنتين(في تموز 2013) تشكلت في الكنيست مجموعة برلمانية اتخذت اسم “اللوبي من أجل أرض إسرائيل”.المهمة الرئيسية للجماعة: الدعوة إلى فرض “السيادة التاريخية” على كل فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر. يأتي ذلك وسط مساع حثيثة لفرض قوانين تشريعية جديدة،تمنع أية حكومة إسرائيلية من إجراء تسوية نهائية مع الفلسطينيين قبل عرضها على استفتاء عام.
ما قلناه بهدف إلى إجراء إطلالة على ما يحدث في داخل الكيان. هذا قد يكون مقدمة لإطلاق مشروع “اسرائيل الكبرى” مستقبلا وانطلاق شعار “أرض إسرائيل” من مداه المحدود “بفلسطين التاريخية ” الى المدى الأوسع ” أرض إسرائيل الكبرى ” .الأردن بالنسبة للوبي هو المكان الملائم لإقامة الفلسطينيين دولتهم فيه.معروف أن هذا الطرح،قدمه نواب إسرائيليون من الأحزاب الفاشية كمشروع لإقراره بالقراءات الثلاث , أي أن يصبح قانوناً.على ماذا يدّل كل الذي سبق:
أولاً: إن حلم دولة”إسرائيل الكبرى”من”النيل إلى الفرات”مازال يراود أحلام غالبية الإسرائيليين.ليس لدى إسرائيل حالياً من أعداد يهود(قوة ديموغرافية) للسيطرة على كافة هذه المناطق، كما أن الوضع الدولي الحالي لا يسمح بتوسع جغرافي إسرائيلي جديد , ولا إجراء”ترانسفير”لأهالي منطقة 48،وإلا لفعلت إسرائيل ذلك منذ زمن طويل. لكل ذلك طرحت إسرائيل وبالتنسيق مع الولايات المتحدة: )الشرق الأوسط الجديد أو الكبير) من أجل الهيمنة الاقتصادية ومن ثم السياسية على المنطقة. هذا يجعل من إسرائيل جزءأً أساسياً(إن لم يكن الرئيسي) من مكوناتها. لذا من الخطأ الإتكاء الفلسطيني والعربي على أن إسرائيل اكتفت وستكتفي بأرض فلسطين التاريخية فقط، فوفقاً للمفهوم الصهيوني المبني زوراً وبهتاناً على أسس توارتية وتلمودية فإن”أرض إسرائيل”هي الأرض الواقعة بين نهري النيل في مصر، والفرات في العراق. المخططات الصهيونية كانت دوماً وستظل مخططات طويلة الأمد، ففي عام 1897 وفي مدينة بال السويسرية , إبّان انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول،وعد هرتزل أنه “وبعد خمسين عاماً سنقيم الوطن القومي لليهود في أرض إسرائيل”. عملياً الوعد لم يتأخر سوى سنة واحدة.
ثانياً: إن من الاستحالة بمكان حل الدولتين، فلا تقبل إسرائيل ولن تقبل مستقبلاً: بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة مثل كل الدول الأخرى،على أي جزء من الأرض الفلسطينية.الحل الإسرائيلي يتمثل في الحكم الذاتي للفلسطينيين(حتى لو قاموا بتسميته دولة) والإشراف على القضايا الحياتية للسكان دون الأرض , والسيطرة على المعابر والبحر.أيضاً دون توقف الاستيطان، الذي تعتبره كل الحكومات الإسرائيلية حقاً طبيعياً لإسرائيل، “لأنها تتوسع على أرضها”!.بالمعنى الفعلي والواقعي وبسبب من الاستيطان الذي لا ولن يتوقف وبسبب الجدار العازل, انعدمت الفرصة لإقامة دولة فلسطينية.
ثالثاً: عملياً ومن خلال حرص إسرائيل بكافة ألوان الطيف السياسي فيها على أن تكون”دولة يهودية” أي”دولة فقط لليهود “فإن هذا يقوض الأساس الفعلي لكافة الحلول المطروحة الأخرى : كـ “الدولة الديموقراطية العلمانية الواحدة” وكذلك “الدولة ثنائية القومية” وأيضاً “الدولة لكل مواطنيها”.
رابعاً: إن الفلسطينيين والعرب مطالبون بمزيد من الفهم لطبيعة العدو الصهوني، لأحلامه ,لمخططاته وللمتغيرات الفعلية الجارية في شارعه (وليس مجتمعه ففي إسرائيل لا ولن يوجد مجتمع متجانس).
خامساً: أن الولايات المتحدة لن تكون وسيطاً نزيهاً في الصراع الفلسطيني العربي ـ الصهيوني, بل هي كانت وهي ستظل المردد والمُسوّق للاطروحات التسووية والسياسية الإسرائيلية. حقائق نطرحها من اجل المعرفة أولا , ومن أجل مناقشتها بالدرجة الثانية.

إلى الأعلى