الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان 12

الحمـد لله رب العـالمـين ، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين ، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن تكـريـم الله للإنـسان وعـن نـعـمائه التي تتـوالى، ومـن ذلك تـعـليـم الله الإنـسان كـيـف يـستعـيـذ مـن الشيطان ، ومن كل شـر في المعـوذتـين : { قـل أعـوذ بـرب الفـلـق } و { قـل أعـوذ بـرب الناس } ومـن تـكـريـم الله عـز وجـل للإنسان المسلـم : أن جـعـل الـقـرآن شــفـاء لعـلـل الـنـفـس والجـسـد وجـعـله بصائـر للناس، وجـعـلـه هـدى ورحـمة للمـؤمـنـين فـقال الله تبارك وتعالى : {هـذا بصائر للناس وهـدى ورحـمة لقـوم يـؤمـنـون } سـورة الأعـراف 203 0
وتتضمـن هـذه البصائـر القـرآنية حـقـوق الإنسان الشرعـية العـامة والخاصة وتجعـلهـم يقـفـون عـلى ما لهـم مـن الحـقـوق ويعـرفـون ما عـليهـم مـن الـواجـبات فـيـؤدون الـواجبات المتعـلـقة بالنفـس، وكـذلك يـؤدون الـواجـبات المتعـلقة بالغــير وقـبـل ذلك وبـعـده ما يجـب عـليهـم مـن العـبادات لله الـواحـد القهار، فـيحـفـظـون بـذلك دينهـم ونفـوـسهـم وعـقـولهـم وامـوالهـم وأعـراضهـم 0
وقـد أرشـد القـرآن الكـريـم إلى التخـلـق بمـكارم الأخـلاق ، وحـث عـليها حـيث يقـول الله تبارك وتعالى : { إن هـذا القـرآن يهـدي للـتي هـي أقـوم ويبشـر الـمـؤمنــين } سـورة الإسراء 9 0
ومـن مـظاهـر تكـريـم الله للإنسان : تحـريـم دم الإنسان وماله وعـرضه وتشـديـد النكـير وتغـلـيظ الـعـقـوبة عـلى مـن يـفـعـل ذلك ، يـقـول الله تعالى : { مـن أجـل ذلك كـتبـنا عـلى بـني إسـرائـيـل أنـه مـن قـتـل نفـسا بغــير نفـس أو فـساد في الأرض فـكأنما قـتـل الناس جـميعـا ، ومـن أحياها فـكأنما أحـيا الناس جـميعـا } المائدة 32 0

وسـن الله الشـرائـع السماوية العـادلة الـرادعـة ، لحـماية هـذه النفـس الإنسانية لـقـوله تعـالى : { ولـكـم في الـقـصاص حـياة يا أولي الألـباب لـعـلـكـم تـتـقـون } سـورة البقـرة 179 0
ومـن تكـريـم الله للإنـسان إعـطـاؤه حـق المـساواة لـكل فــرد مـع الآخـر ين ، فـلا يتفـاضـل أحـد عـلى أحـد إلا بالتـقـوى والعـمـل الصالح ، قال الله تعـالى : { يا أيهـا الناس إنا خـلـقـناكـم مـن ذكـر وأنثى وجـعـلناكـم شـعـوبا وقـبائـل إن أكـرمكـم عـنـد الله أتقـاكـم } سـورة الحجـرات 13 .
وبهـذا الحـق يتـسـاوى الناس جـمـيـعـا في تطـبـيـق أحكام الشـرع الحـنيـف ، ويحصلـون جـميعـا عـلى فـرص مـتكافـئة في العـمل وفي التعـليـم والعـلاج ونحـو ذلك لا فـرق بـين غـني أوفـقـير ، وشــريف أو وضـيع ، أو قــوي و ضـعـيـف ، أو عـربي و عـجـمي ، وفي ظـل مجـتـمع تسـوده المساواة وبنعـم بالإنصاف ، وتعـم الـعـدالة وتنتـشـر الألفـة ، ويتـلاشى الكــبر ، ولا أدل عـلى ذلك مـن هـذا التـطـبيق العـملي المتمثـل في فـرائض الصلاة والصيام والحج ، حـيـث يقـف المصلـون والصائمـون والحجاج جـميعـا أمام الله سـواء 0
وأخـيرا يأتي التـكـريـم الأعـظـم في الآخـرة ، بـما أعـده الله للطـائعـين مـن الكـرامة في دار المقـام حـيـث يـدخلهـم الجـنة ، يتمتـعـون فـيها بنظـرة النعـيـم ويحـضـون بالـرضـوان والفـضل العـظـيم ، وقال تعـالى : { وعـد الله الـمـؤمنـين والمـؤمـنات جـنات تجـري من تحـتها الأنهار، خـالـدين فـيها ، ومساكـن طـيبة في جـنات عـدن ، ورضـوان من الله أكـبر، ذلك هـو الـفـوز الـعـظـيم } سـورة الـتـوبة 72 .
بالعـلم والمعـرفة : إن الإنسان إذا عـلـم أنه مـكـرم مـن الله عـز وجـل ، وأن مـن تكـريـم الله له قـربه مـنـه ، ومعـيته له فـإن أبسـط مـظاهـر التكـريـم لنفـسه أن يعـمـل عـقـله وقـلبه وجـوارحه ، بأن يـتفـكـر ويأمل ويتــدبـر في ملكـوت الله عـزو جـل ، ونعـمه التي لا تعــد ولا تحصى ، فـمتى ما تعـلم المـرء كـيـف يقـرأ باسـم ربه الكـريـم ، كـرم فـكـره وقـلبه بمعـرفة الله عـزو جــل ، فـي كل شيء يـراه في هـذا الـوجـود المـترامي الأطـراف ، وأنه ما خـلـق عـبـثـا وكـذلك لابـد أن يكـون له نظـام محـكـم 0
فـمن ذلـك التكـريـم ، تكـريـم الإنسان لنفـسه ، وإقـباله عـلى نفـسه ، فـمتى ما اقـبـل الإنسان بفـكـره وقـلبه ، عـلى الله بإخـلاص ونية حسنة أقـبـل الله عـليه وزاده نـورا عـلى نـور، وهـداه إلى سـبـل الخـير والتقـوى وفـقهه في الـدين مصـداقا لقـوله صلى الله عـليه وسلم : ( مـن يـرد الله به خـيرا يفـقه في الـدين ).
فالإنسان إنما يكـرم نفـسه بالعـلـم والمعـرفة ، حتى يكـون أهـلا لتكـريـم الله له ، ومن يفـعــل ذلك وهـو مـؤمـن بالله فـيـقـدم عـملا فـكـريا أو ثقـافـيا ، أو اكـتـشافـا عـلمـيا يثـري به الحيـاة ، ويلـق مـن الناس التكـريـم والثناء العـطــر ومـن وينال مـن الله عـزو جـل عـظـيـم الجـزاء إن كان عـمله خالصا لوجهه الكـريـم ، في الـدنـيـا والآخــرة .
ومـن تكـريـم الإنسان لنفـسه ، أن يـروضها بالعـبادة ويطهـرها بالطاعة وذلك دون تطـرف أو غـلـو، ذلـك أن الـتيـسـير والـرفـق بالـنـفـس والأمـور التي دعا إلـيها الـقـرآن الكـريـم ، وحـثـنا عـلي اتباعـهـا الـرسـول الكـريـم صلى الله عـليه وسـلم ، فـقـال الله تبارك وتعـالى : { يا أهـل الكتاب لا تـغـلـوا في دينكـم ولا تقـولـوا عـلى الله إلا الحـق ، إنما المسيح عـيسى بن مـريـم رسـول الله وكلمـتـه ألقاها إلى مـريـم وروح مـنه فـآمـنـوا بالله ورسـله ، ولا تـقـولـوا ثـلاثة انـتهـوا خـير لـكـم ، إنما الله إله واحـد سبحانه أن يكـون له ولـد ، له ما في السماوات وما في الأرض ، وكـفى بالله وكـيلا } النساء 171 0
وقال صلى الله عـليه وسـلم : ( إن هـذا الـدين متـين ، فـأوغـلـوا فـيه بـرفـق ولـن يـشاد الـدين أحـدا إلا غـلـبه ) ، وإذا فـعـلنا ذلـك كـنـا أهـلا لمعـية الله عـزو جـل ، ويكـون ذلـك التـقـوى والإحـسان والصـبر وغـيرها مـن مـظـاهـر الطاعـة التي يحـبها الله تعالى ، وهـذه المعـية تجـعــل الإنسان مـوقـنا بأن الله عــزو جـل ، رقـيـب عـليه مطـلـع عـلى سـره وعـلا نيته ، ومن ثـم فـعـليه العـمـل بمـوجـب ذلـك أي بغاية الإخلاص ، والحياء والخـوف والخـشية ، وأن يعـبـد الله بأقـواله وأفـعـاله وكأنه يـراه ، كما جـاء في الحـديـث الـنبـوي الشـريف : ( الإحـسان أن تعـبـد الله كأنـك تـراه فـإن لـم تكـن تـراه فإنه يـراك ) 0
وإذا عـلم الإنسان أن معـية الله بالنصر والتأييـد لا تكـون إلا للـرسـل وأهـل الإيمان فـلا شـك أن مـن تكريمه لنفـسه ، أن يجـعـلها مـن أهـل هـذا الإيمـان ، ولما كانت هـذه المـعـية الإيمانية ، تتأكـد مـن خـلال تـوفـيـق الله ومحـبته ، وأن يكـرم الإنسان نفـسه ، بأن يجـعـلها ممـن تـنـطـبـق عـليه شـروط هـذه المعـية ، مـن التـقـوى والصبر والإحسان 0
وإلى أن نلـتـقي في لـقـاء آخـر أستـودعـكـم الله والسـلام عـليكـم ورحمة الله وبـركاته 0

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى