الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / استراتيجية السياسة الأميركية في الشرق الأوسط

استراتيجية السياسة الأميركية في الشرق الأوسط

د. فايز رشيد

أميركا دخلت عمليات الشرق الأوسط سياسيا لملئ فراغ بريطانيا ومحاربة (الشيوعية) في المياه الدافئة

(الجزء الأول)
بدأت الولايات المتحدة في التطلع نحو المنطقة ، لملء الفراغ البريطاني، ولوضع العراقيل أمام ما تعتبره مدّاً شيوعيا وإمكانية تأثيره على البحار الدافئة . وقبل هذا وذاك بدأت الولايات المتحدة خطواتها الأولى في نهج استراتيجي وشت ملامحه بإحكام السيطرة على مناطق جغرافية كثيرة من العالم، وبضمها: الشرق الأوسط – المنطقة الحيوية – في القاموس الجيوسياسي لبناء مناطق النفوذ آنذاك..
وكتدليل على رغبة اميركا في السيطرة على المنطقة حتى عن طريق الهجوم العسكري على حلفاءها فقد كشفت وثائق بريطانية عن أن الولايات المتحدة فكرت في استخدام القوة للاستيلاء على حقول النفط في الشرق الأوسط أثناء حرب أكتوبر 1973 عندما حظرت الدول العربية صادرات النفط. وأظهرت الوثائق أن الحكومة البريطانية كانت تعتبر هذا القرار خطيرا جدا لدرجة أنها وضعت تقييما مفصلا عن الخطوات التي قد تتخذها الولايات المتحدة ، يذكر أن اللوائح البريطانية تقضي بالكشف عن الوثائق السرية بعد مرور 30 عاما عليها. وكان يعتقد أن القوات الأميركية المحمولة جوا ستستولي على منشآت النفط في السعودية والكويت، وربما كانت واشنطن ستطلب من بريطانيا أن تفعل المثل في أبو ظبي بالإمارات. وتظهر الوثائق كيف يحتل تأمين إمدادات النفط قمة اهتمامات الحكومات.
ان الجهد الأميركي للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتحويلِهِ إلى منطقة نفوذ أميركية، لم يتوقف منذ مطلع القرن الماضي، وشهد مدّاً وجزراً تبعاً لموازين القوى الدولية، وتبعاً لتوازن القوى بين شعوب المنطقة والقوى الاستعمارية، وخصوصاً موازين القوى التي تحكم العلاقة بين شعوب هذه المنطقة وبين الولايات المتحدة، حيث شهدت تقلباتٍ مستمرةً في العقود الماضية، تبعاً لتغير الأنظمة ونمو الحركات المعادية للاستعمار في كثير من أقطار الشرق الأوسط.
ان الجهود الاميركية اتخذت بعداً جديداً في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي فقد سرّعت ووسعت نطاقَ محاولاتها للسيطرة. و الا انها وبحسب تقرير لوكالـة “رويترز” حمل عنوان “الحرب في العراق تزيد الضغط على القوات الأميركية”، قد لتخذت في الانحصار نتيجة بعض العوال التي لخصها اللفتنانت جنرال “جيمس هلملي” في قوله: “إن الحرب في كل من العراق وأفغانستان وضعت جميع المتطوعين من قوات الجيش الأميركي تحت الضغط، وأثارت القلق حول القدرة على إعادة تجنيد القوات، كما بلغ الإنفاق على الموازنة ذروته، وخاصةً الموازنة الحربية، مما رفع كلفة تمويل الحرب إلى أضعاف ما هي عليه المكاسب التي كان يمكن أن يتم جنيها من العراق، وأصبح عجز الموازنة الأميركية التي كانت حتى عام 2000 تتمتع بفائض كبير تجاوز المئة وخمسة وستين مليار دولار حوالي 400 مليار دولار.
ـــــــــــــــــ
بداية , من الضرورة التأكيد على :أن هذا الكم الهائل من المفكرين الاستراتيجيين ,الذين يستعين بهم ساكن البيت الأبيض ورغم تعدد وجهات نظرهم فيما يتعلق بالسياسة الأميركية في العالم وفي الشرق الأوسط: يشكلون قاسما مشتركاإن في تحديد الأهداف الإستراتيجية في المنطقة, أو في اقتراح النهح لتحقيق تلك الأهداف!. يتفاوتون بالطبع في اجتهاداتهم لكنهم يجمعون على القواسم المشتركة, التي وُضع أساسها منذ بدء ظهور الولايات المتحدة كقوة عالمية. أيضا, فإن الاستراتيجية الأميركية بعيدة عن الجمود غير أنها تظل في نفس الدائرة المرسومة مسبقا.
لقد تنبأ بريجينسكي (أحد عمالقة الفكر الاستراتجي على صعيد العالم) بانهيار الاتحاد السوفياتي! ذلك في كتابه الصادر منذ زمن بعنوان “أميركا بين عصرين”. للأسف ,صدقت نبوءة بريجينسكي!الكاتب توقع أيضا:أن يكون الصراع مستقبلا في أوراسيا (الدول المحاذية للحدود الأوربية – الآسيوية.لم يكن هو الأول الذي أكد على مستقبل الصراع, بل سبقه المفكر الاستراتيجي البريطاني هالفورد ماكندر (صاحب نظرية القلب أو النظرية المركزية- الربط ما بين الجغرافيا والسياسة – الجيوسياسية) , والمفكر نيكولاس سبيكمان.بريجينسكي في كتابيه:”رقعة الشطرنج” و “خطة اللعب” توقع أيضا صعود امبراطورية جديدة بديلة للاتحاد السوفياتي هي الصين. من اقتراحاته لتطويق الامبراطورية الجديدة : إحاطتها بحزام إسلامي يكون قادرا على التمدد. وفقا للكاتب الصحفي سليم مطر في مقالته: “قال لي الحكيم الأميركي” والتي يدون فيها اعترافات مفكر استراتيجي أميركي(لم يذكر اسمه) يقول بلسان المفكر:”لقد استعنّا بكل تجاربنا السابقة وبالأخص : تجربة إنشاء ميليشيات في أوروبا, بعد الحرب العالمية الثانية, تحت أسم Stay-Behind” “,التي نفذتها أميركا في العالم والتي أطلق عليها اسم “الراية الخداعة False Flag ” والتي تعني: قيام أميركا بعمليات إرهابية ضد مصالحها , كمبرر لشن الحروب على أية دولة في أية منطقة من العالم . يؤكد المفكر أيضا : على السعي لهيمنة الإعلام الأميركيعلى الصعيد العالمي. ذلك لا يجوز وفقا لرأيه ووفقا لما اعتبر ريغان “أن الفشل الأميركي في فيتنام كان بسبب الفشل في استعمال الإعلام”.
من قبل , قال الزعيم البريطاني الشهير ونستون تشرشل عن نهج الولايات المتحدة ما يلي :”الأميركيون ينتهجون الخطوة الصحيحة بعد تجريب كل الخطوات والأساليب الخاطئة”. من الملاحظ خلال العقود الاخيرة : أن الإدارات الأميركية بدأت تولي مؤسسات الفكر والدراسات الاستراتيجية ,أهمية كبرى, إلى جانب الحلول العسكرية – الأمنية. من أبرز اللاعبين للأدوار الكبيرة في تحديد السياسة الأميركية في منطقتنا الصهيوني الأميركي مارتن إنديك مدير ” مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط”, و كذلك الصهيونية تمارا كوفمان مسؤولة ” برنامج الإصلاح في العالم العربي”. المركز تبنى شعارين فيما يتعلق بمنطقتنا : “إعادة التوازن في الشرق الأوسط” و ” نحو استراتيجية بناءة للاحتواء في المنطقة” .بناءا عليه اقترحا خطوطالاستراتيجية التي سنستعرضها تاليا. كيسينجر بدوره يدخل على المرتكزات الاستراتيجية الأميركية. ذلك بتوقعاته التي سجلها في كتابه “النظام العالمي”, والذي نشرت صحيفة ” صنداي تايمز ” مقتطفات منه … يقول عن أحداث المنطقة :إن ما يجري في الشرق الأوسط هو صراعات عنيفة, أكثر عنفا واتساعا من الحروب الدينية في أوروبا في القرن السابع عشر ويستطرد..” فـ “الدين بات يحمل السلاح”. كيسينجر تنبأ أيضا في حديث أجراه مع صحيقة “ديلي سكيب ” الأميركية بأن “إسرائيل ستحتل نصف المنطقة العربية .. وأن الحرب العالمية الثالثة على الأبواب”. ما سبق هو مقدمة لا بدو منها لتوضيح ما سنقوله تاليا.كذلك من الضرورة التوضيح: بأن مهمة هذا البحث الإحاطة بعناصر الاستراتيجية الأميركية بشكل عريض , دون التطرق إلى انعكاسها على الوطن العربي تفصيليا باستثناء: الشق المتعلق بحماية الكيان.
شهدت سنوات منتصف القرن الماضي وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية إنحساراً للنفوذ البريطاني في الشرق لأوسط، وتداعياً في قدرة “الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها” على الاستمرار في حمل أعباء سياستها التاريخية، كانت الإمبراطورية تتلاشى، وأخذ الذبول يعتري المعالم الأساسية لعنفوانها.
من زاوية ثانية، في تلك المرحلة بدأت الولايات المتحدة في التطلع نحو المنطقة وبناء المصالح فيها، لملء الفراغ من جهة، ولوضع العراقيل أمام ما تعتبره مدّاً شيوعياً وإمكانية تأثيره على البحار الدافئة من جهة أخرى. وقبل هذا وذاك بدأت الولايات المتحدة خطواتها الأولى في نهج استراتيجي وشت ملامحه بإحكام السيطرة على مناطق جغرافية كثيرة من العالم، وبضمها: الشرق الأوسط – المنطقة الحيوية – في القاموس الجيوسياسي لبناء مناطق النفوذ آنذاك.. كان هذا هو جوهر التوجه الأميركي الذي غلّف خطواته في عهد الرئيس ترومان بحصر سياسة الولايات المتحدة في إطار معاداة الشيوعية في الوطن وعبر البحار، ولذلك اتخذ الكونجرس الأميركي في “حزيران من عام 1947 قراراً عرف “بقرار فاندنبرغ” والداعي إلى “انتهاج سياسة أميركية معادية للشيوعية على أساس الاتفاقات الجماعية حيث أمكن، والعمل الانفرادي حينما تدعو الحاجة إلى ذلك)، وكذلك أقرّ مقترحات الرئيس ترومان الأخرى. بالمعنى الفعلي، فإن مضمون القرار، أعطى الولايات المتحدة حق استخدام القوة حيثما تعتبر ذلك ضرورياً، حتى وإن تناقض ذلك مع القانون الدولي المعاصر، وقرارات الأمم المتحدة.
لقد تضمنت مقترحات الرئيس الأميركي آنذاك، والتي أقرّها الكونجرس: مبدأً رئيساً وهو مبدأ الاحتواء (Containment)، وتضمنت أيضاً سلسلة خطوات ترتكز إلى مفهوم توراتي يقول “من ليس معنا فهو ضدنا”.
ومن أجل تحقيق سياساتها اتخذت الولايات المتحدة أساليب كثيرة من بينها: تقديم مساعدات للدول الأخرى، وقد جرى التعبير عن ذلك من خلال مشروع مارشال ومشروع النقطة الرابعة H4، إيجاد واجهات ويافطات تحت مسميات كثيرة: ثقافية واجتماعية واقتصادية من أجل تفعيل دور المخابرات المركزية الأميركية في هذه الدول، إقناع الشعوب الأخرى بنمط الحياة الأميركي في “الرخاء والسعادة”؛ بمعنى آخر، العمل على تسيّد النموذج الأميركي كنمط حياة في العالم، وفي مراحل تاريخية مختلفة تدخلت الولايات المتحدة عسكريا وبشكل مباشر إن في الحرب العالمية الأولى عندما كانت الولايات المتحدة من وراء البحار طرفاً في معركة الإمبراطوريات آنذاك، أو في الحرب العالمية الثانية، وقد أعطت تدخلها عناوين مثل “الاستجابة لنداء الواجب” “و”الاستجابة لنداء المبدأ”، و”حق الشعوب في تقرير مصيرها” تنفيذاً للمبادئ الأربعة عشر، التي كان قد أعلنها الرئيس ويدرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى، وجعل منها أسساً للسياسة الأميركية الخارجية.
لقد تخطت التدخلات الأميركية فيما بعد، حدود ما سبق ذكره، إلى القيام بإنزالات عسكرية، لبنان 1958، القيام بغارات عسكرية مباشرة: ليبيا، السودان، أو بالغزو المباشر: كما حصل في غرينادا وغيرها، أو الاحتلال المباشرة كما في فيتنام وأفغانستان والعراق .. وكان ذلك رغماً عن الأمم المتحدة والشرعية الدولية.

د.فايزرشيد

إلى الأعلى