الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بناء الجدران ضد المهاجرين لن ينجح

بناء الجدران ضد المهاجرين لن ينجح

” من غير الواضح ما اذا كان الحادي عشر من سبتمبر حافزا لبناء كل هذه الجدران. فكما تقول فاليه فإن الغرض من كل هذه الجدران لم يكن تحويل خط المواجهة الى حد فعلي لمواجهة خطرين هما المهاجرون والارهابيون؛ بل كان الهدف بناء جدار عالمي من العولمة التي بات من المستحيل فعليا على المهاجرين من الجنوب اعتلاؤه.”
ـــــــــــــــ
استعدادات المجر لبناء جدار ارتفاعه 13 قدما بطول الحدود مع صربيا يشكل جزءا من توجه عام، حيث ان هذه الحواجز تضاعفت ولم تتضاءل منذ الحرب الباردة ولكن غرضها مناقض تماما لغرض اقامة جدار برلين اذ انها تعني الإصرار على استبعاد الفقراء.
وإذا كان جدار برلين قد هدم عام 1989 في نهاية رسمية للحرب الباردة، إلا ان المجريين كانوا اول من خرق الستار الحديدي عندما بدأوا في مايو من هذا العام هدم جدار بطول 150 ميلا كان يفصل بلادهم عن النمسا.
لذلك من المفارقات ان تكون المجر اليوم هي التي تريد بناء حاجز حدودي جديد، ولكنها ليست اول دولة في الكتلة الشرقية السابقة لتفعل ذلك حيث سبقتها بلغاريا بتجديد جدار كان يفصلها ذات يوم عن تركيا الرأسمالية.
في كتابها الصادر عام 2014 “الحدود والأسوار والجدران” أحصت الكاتبة اليزابيث فاليه عدد الجدران الحدودية التي بنيت بين عامي 1945 و1991 بـ19 جدارا، وبعد الحرب الباردة ظل 12 جدارا باقيا وأغلبها خارج أوروبا. لا زالت هناك أسوار مثلا بين الهند وباكستان وبنجلاديش وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. بيد انه بينما استمتعت اوروبا ردحا سعيدا من الزمن برسم الحدود معا بعد الحرب الباردة، كانت باقي دول العالم تعيسة الحظ اذا تم بناء 14 جدارا آخر بين عامي 1991 وهجوم القاعدة على الولايات المتحدة عام 2001، وتضاعف العدد اكثر الان.
من غير الواضح ما اذا كان الحادي عشر من سبتمبر حافزا لبناء كل هذه الجدران. فكما تقول فاليه فإن الغرض من كل هذه الجدران لم يكن تحويل خط المواجهة الى حد فعلي لمواجهة خطرين هما المهاجرون والارهابيون؛ بل كان الهدف بناء جدار عالمي من العولمة التي بات من المستحيل فعليا على المهاجرين من الجنوب اعتلاؤه.
بالطبع هذا الكلام ليس حقيقيا بهذا الشكل ذلك. فكلا من الجدران الافتراضية الخاصة بالتأشيرات والترحيلات وغيرها من الاجراءات المهينة والجدران المادية اثبتت انها معوقات للمهاجرين الافتراضيين ولكنها كانت قابلة للاختراق. وانظر كيف يحتفل المهاجرون الافارقة بعد اعتلاء سور شاهق في مليلة ذلك الجيب الاسباني بشمال افريقيا وانظر كيف عبر مخرج الافلام الوثائقية جيمس اوكيفي الحدود من المكسيك الى الولايات المتحدة مرتديا زي اسامة ابن لادن رغم مئات الاميال من السور الذي بنته الولايات المتحدة بطول الحدود، وتلك الانفاق التي يحفرها مسلحو غزة تحت الجدار الخراساني الذي بنته اسرائيل لعزلهم.
هذا لا يعني ان الجدران غير فعالة بالكلية ولكن المهاجرين يميلون للتحول الى طرق يرونها اكثر ترحيبا. فبناء الجدران على الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا في السنوات الاخيرة مثلا زاد من عدد لاجئي مناطق الحرب الذين يحاولون عبور المتوسط وصولا الى ايطاليا.
بناء المجر للجدار الجديد يعني ابعاد هؤلاء اللاجئين والذين يأتي اغلبهم من سوريا حيث يدخلون من تركيا الى بلغاريا واليونان متحدين الأسوار هناك او يعبرون بقارب من الساحل التركي الى الجزر اليونانية ثم يتجهون ركوبا (اذا استطاعوا الدفع للمهربين) او سيرا على الاقدام الى مقدونيا وصربيا للوصول الى وسط اوروبا. وفي دول البلقان يتعرضون لسرقة ما تبقى من متاعهم فضلا عن تحرش الشرطة بهم.
ثم بعد ذلك يواجهون بسور آخر على الحدود المجرية. وتقول الحكومة المجرية انها تستقبل عددا غير متناسب من المهاجرين، حيث تقدر وصول نحو 130 الف مهاجر بدون وثائق هذا العام. وهذا الرقم بالنسبة لبلد تعداد سكانه 10 ملايين نسمة يشكل عبئا خطيرا اذا لم يكن هؤلاء المهاجرون ينوون معظمهم الانتقال الى بلد آخر ، المانيا على الأغلب. وهناك تبذل الحكومة جهدا امينا لاستقبال المهاجرين الشرعيين طالبي اللجوء. ورغم ان 61% من الالمان معارضين لهجرة غير الأوروبيين الا انك تجد عبارات ترحب بالمهاجرين منتشرة في شوارع المانيا وعشرات السكان يحتجون على الترحيلات.
هذه الاقلية المسموعة تدرك ان بناء الجدران ليس حلا في وقت يشهد العالم اكبر عدد من اللاجئين منذ عام 1945 حيث نزح قرابة 60 مليون شخص عن ديارهم، الواقع اغلبها في مناطق صراعات مسلحة، وعلى شعوب الدول الشيوعية السابقة ان تدرك ذلك، لقد بنى حكامهم السابقون الجدران لحرمانهم من اي فرصة الى ان قاموا في النهاية بهدم هذه الجدران، ورحبت بهم الدول الاوروبية التي كانوا يطمحون في الانضمام لها رغم انه كان من الممكن ان يعاملوهم مثلما يعامل اللاجئون السوريون اليوم.
ان المطلوب ليس بناء حصن افضل ولكن تقديم خطة افضل.

ليونيد بيرشيدسكي
كاتب مساهم في بلومبيرج فيو ومقيم ببرلين
خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بالوطن

إلى الأعلى