الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من أجل عُمان

من أجل عُمان

محمد بن سعيد الفطيسي

” لابد ان يعي الجميع حدود واجباتهم وحقوقهم ومسؤولياتهم تجاه بعضهم بعض, وانه حين يتوافر قدر اكبر من الثقة والتفاهم بين الحكومة والشعب, فانه سيكون تفسير المشاكل والتحديات وحلها كذلك أكثر سهولة ويسر بينهما, وان الخلافات والاختلافات بينهما, والشقاق والتنازع في أدوارهما ليس إلا دمار وخراب على أوطانهم وفي النهاية عليهم جميعا بلا استثناء.”
ـــــــــــــــ
( إن الحكومة والشعب كالجسد الواحد , اذا اختل عضو فيه اختل الجسد كله , لذلك ادعوكم الى العمل معا لمستقبل بلدنا , وبعون الله سوف ننجح ) خطاب جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – الى الشعب 9/أغسطس/1970م.
هكذا أراد قائد مسيرة هذا الوطن العزيز وباني نهضته ان تكون العلاقة بين الحكومة كمؤسسات ومسؤولين, والشعب كمواطنين, علاقة تعاون وتكاتف وتلاحم وتكامل, تشبه في شكلها ومضمونها عمل الجسد الإنساني الواحد , الذي يحتوي على أعضاء مختلفة الأدوار والأهداف, تكمل بعضها البعض بالرغم من تلك الاختلافات لغاية واحدة وهي بقاء ذلك الكيان في حالة من العمل الصالح والسليم, الذي يحقق في نهاية المطاف ما خلق له في هذا الكون من أسباب وغايات.
وكذلك البناء الوطني لأي امة من الأمم التي تحتكم الى العقل والحكمة والحكم الرشيد في حياتها الوطنية, إذا لابد أن يعمل بتلك الطريقة التكاملية التعاونية, الطريقة التي يقوم فيها كل جزء بدوره المقدر له على الوجه الصحيح, دون غلو ولا تفريط, وإلا فان نتيجة فقد او تلف او ضعف او توقف عضو من أعضاء ذلك البدن الوطني عن تحقيق الهدف المنوط به او الدور الذي وجد له, الا تشويه واختلال وانهيار ودمار لمطلق الجسد الوطني.
وليس أفضل دليل على صحة ومصداقية ذلك من تلك المشاهد المروعة والمخيفة التي تطالعنا بها كل يوم شاشات التلفاز حول أمم قريبة وبعيدة اختلف أبناؤها وأطراف بنائها الوطني فيما بينهم حول ما ادعوا أنها قضايا ومصالح أوطانهم, او ان كل طرف منهم هو من يمثل تلك المصلحة والقيم عليها والحافظ لها, والحقيقة أنها ليست أكثر من تناحر وتناجش وتحاسد وتباغض حول مصالح وأهواء شخصية لا دخل لأوطانهم ومصالحها فيها , فاستغل أعداؤهم تلك الفرقة والاختلافات والانقسامات بأشكالها لبث الفتن والقلاقل وتوسيع دائرة الخلافات حتى وصلت بهم وبأوطانهم الآمنة المستقرة في نهاية الأمر الى التناحر والصراع والتدخلات الخارجية والتفكك الوطني.
وما الحكمة السلطانية والفكر المستنير الذي حمل مشاعله قائد هذا الوطن منذ بداية مسيرة النهضة المباركة سوى امتداد لذلك الوعي التاريخي والحضاري بخطورة الاختلافات الفكرية والايديولوجية والمشاققات السياسية والتنازع السلبي حول القضايا والمصالح الوطنية بين أطراف البناء الوطني, وأبناء الوطن الواحد سواء كان ذلك بين المواطنين أنفسهم, او بين المواطنين وحكومتهم, او بين مؤسسات الدولة بعضها بعض, فكان التنبيه المستمر من قبله ” أطال الله عمره ” على خطورة الجهل والتجهيل وقلة الوعي بتلك الحقائق التاريخية, وعلى أهمية التفاهم والتنازع الايجابي بين مختلف أطراف البناء الوطني, وفي هذا السياق قال في خطابه الموجه لكبار رجال الدولة في 15/5/1978م ( ان السياسة التي اخترناها وأمنا بها هي دائما وابدأ التقريب والتفهم بين الحاكم والمحكوم, وبين الرئيس والمرؤوس, وذلك ترسيخا للوحدة الوطنية وإشاعة لروح التعاون بين الجميع, أكان ذلك بين من يشغلون المناصب العالية في الحكومة وبين معاونيهم والعاملين معهم, او مع بقية المواطنين).
وما هذا التقريب والتفهم والتعاون بين الجميع الا مبدأ من مبادئ التوازن المحمود في بناء وتوطيد أركان السياسة الداخلية السليمة والحكيمة, والتي يطلق عليها بسياسة التدافع الايجابي في العلاقة بين طرفي البناء الوطني، أي الحكومة بمؤسساتها والمسؤولين بها من جهة, وبين الشعب او المواطنين من جهة أخرى, والتي يفترض ان تعني بمعنى آخر التنافس الايجابي المشروع في الأفكار والمصالح والحقوق والواجبات, بين تلك الأطراف المكملة لبعضها البعض في خدمة وطنها, وإلا فان نتيجة اعتلاء او تحجيم او تهميش دور كل طرف, والتطرف الفكري في فهم العلاقة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين على أساس غالب ومغلوب او منتصر ومهزوم او خادم وتابع هو دمار الأوطان وتفككها, وان كان هناك من علاقة حقيقية وسليمة بين الحكومة والمواطنين, بين حضارة المجتمع والمؤسسات السياسية في أي امة متحضرة فهي وظيفة تعزيز الثقة المتبادلة بينهما في قلب الوحدة الوطنية.
فليس ثمة صلاحيات مطلقة للحكومة كما يؤكد ذلك الدكتور محمد خاتمي في كتابه التنمية السياسية والاقتصادية والأمن تخولها ان تفعل ما تشاء, بل ان عليها اخذ نزعات الناس وأذواقهم بعين الاعتبار, وفي نفس الوقت لا بد ان يعي المواطنين الضغوطات والتحديات والمشاكل التي تحيط بحكومتهم فتحد في أحيان كثيرة من قدرتها على خدمتهم بالشكل الذي يطمحون إليه او يأملونه منها, وبمعنى آخر لابد ان يعي الجميع حدود واجباتهم وحقوقهم ومسؤولياتهم تجاه بعضهم بعض, وانه حين يتوافر قدر اكبر من الثقة والتفاهم بين الحكومة والشعب, فانه سيكون تفسير المشاكل والتحديات وحلها كذلك أكثر سهولة ويسر بينهما, وان الخلافات والاختلافات بينهما, والشقاق والتنازع في أدوارهما ليس إلا دمار وخراب على أوطانهم وفي النهاية عليهم جميعا بلا استثناء.
ختاما, إن كان من رسالة وطنية يجب ان توجه للجميع, رسالة يمكن ان نختصر فيها الفائدة من كل ما سبق ذكره, رسالة نوجهها الى كل أطراف البناء الوطني في عماننا الحبيبة الغالية, الى الحكومة والشعب في هذه المرحلة التاريخية, في وقت تعيش فيه الكثير من أوطان المسلمين الفتن والقلاقل والنزاعات والحروب التي قسمت أوطانهم وفرقت وحدتهم الوطنية, بسبب اختلافات الداخل وتنازع المصالح والأهواء الشخصية التي غلبت وتغلبت على مصالح أوطانهم نقول: ان عمان غالية تستحق منا كل التضحيات, فلنكن على قدر تلك المسؤولية الوطنية التاريخية لهذا الوطن العظيم, ولنكن أهل لان نكون امتداد لمسيرة قائد نهضة هذا الوطن الذي بذل عمره وشبابه لكي يصل بعمان الى ما وصلت إليه اليوم, محافظين على منجزات نهضتنا المباركة, ولنفهم بان لكل امة أجزاء لا تكتمل مسيرتها الا بها, ولا يتحقق لها السلام والأمن والأمان والاستقرار والتقدم والرقي الا بتعاونها معا, آلا وهما الشعب وحكومته, وان الاختلافات وعدم التفاهم بينهما ووعي حقوق واجبات كل طرف منهما في مشروع بناء أمتهم الوطنية, هو سبيل لا تحمد عواقبه.
فمن اجل عمان الغالية, لنوحد أصواتنا وصفوفنا ولنصفي نفوسنا, في مواجهة كل أشكال الفرقة والتقزم والانقسامات والاختلافات الداخلية, ولنعمل معا في تشارك وتفاهم حيال قضايانا الوطنية, لا غالب بيننا ولا مغلوب, لا منتصر ولا مهزوم, بل جسد واحد ووطن واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد, متعاونين معا على مواجهة الأزمات والصعاب التي تواجهنا ووطنا العزيز, فاليد الواحد لا تصفق, يقول الحق سبحانه وتعالى( وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ )صدق الله العظيم.
حفظ الله عمان من شر كل حاسد كائد حاقد فاسد, وأدام عليها وعلى قيادتها وشعبها الأمن والأمان والسلام والاستقرار والرخاء, وبارك لنا وحدتنا الوطنية وتلاحمنا الداخلي, وحفظ لنا قائد مسيرتنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم. اللهم أمين

إلى الأعلى