الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. فيزياء الصيام

رحاب .. فيزياء الصيام

كنت في أحد المحلات التجارية الكبرى في صلاله. ذهبت الى هناك عقب صلاة الجمعة مباشرة كان المحل مزدحما بالزبائن، تكتظ طوابير المتسوقين عند موظفي دفع الحساب، بينما تزدحم جموع أخرى عند أرفف البضائع. أشعر بفرحة الناس وأسمع وأرى حميمية تجمع الأبدان والعقول والنفوس تحت مظلة روحية واحدة نسجتها مشاعر الصيام. منذ أسبوع كان الحال مختلفا هنا، كان العبوس والتحفظ واللهاث غالبا على حركة الناس داخل نفس المحل. ما السر وراء هذا التحول؟ ما الذي غير النفوس خلال يومين اثنين فقط من دخول شهر القرآن؟ يبدو أن الصيام قد نشط الفضاء الروحي للناس، فاخترق وعي الصيام العالم الباطن المتصل مباشرة بالخالق عز وجل، وصار التواصل النوراني سلسا سهلا، وتخلص الصائمون من الطاقات السلبية نتيجة تصفيد الشياطين واخماد براكين الطاقة السلبية. إنها حالة وجدانية روحية يعيشها الناس على مستوى وعي روحي وانساني غير مسبوق. هنا في هذه اللحظات من بعد صلاة الجمعة وحتى لحظة حلول الإفطار تتحد المادة بالروح، تلتقي الأجساد وقد تخلصت من الشهوات والنزوات بالروح، وتكتسي المشاعر شفافية غير مسبوقة، لا أستطيع أن اصفها أو أتحدث عنها، لكنني أتعرف عليها فقط من خلال حالة السكينة التي اختبرها الآن، وهنا. وأشعر بأننا صرت متحدا من حيث لا أعلم مع جميع الناس، لنشكل معا عقلا جميعا، لأننا نقول نفس الأذكار في نفس اللحظة، وخرجنا معا من المساجد بعد أن جلسنا نفس الجلسة نستمع إلى الخطباء في مساجد شتى في أحياء عديدة. إنها حالة متكررة اشعر بها في الممشى الذي يتوافد المشاة بعد صلالة العصر يوميا، أفواج من الناس، رجالا ونساء، شيوخا وكهولا وشبابا، بين مهرول وماش، بين هامس بالأذكار ومتأمل صامت ومرح يضحك مع أصدقائه وزملائه المارة. أرى وأسمع وأشعر بنفس القدر من الحميمية بين الناس، أعيش حالة من الوفرة الإنسانية التي يمكن لو وزعت على المجتمع لاتسعت لحاجاته وتطلعاته الروحية.
إن لرمضان لسكينة، وإن للصيام لتقوى يوقظها فتنبت سريعا في نفوس الصائمين. إنه الصيام؛ حالة من اليقين، وهي مختبر عجيب للصدق مع الله، وهو نشاط بدني وروحي سرعان ما يزيح كل مظاهر التبلد الغيبي ويستبدلها بيقظة روحية، لا يمكن وصفها بالكلمات فحسب، بل لا بد أن تختبرها بنفسك وتعيشها حتى تستطيع أن تنقل وتعبر عن بعضها بألفاظ قليلة. إن اليقظة الروحية التي ينشطها الصيام تفتح خيارات أخرى للإدراك والفهم والحكمة، وعندما نمر بتلك اليقظة الروحية وخاصة قبيل الإفطار ونحن نردد” اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفنا” يرددها الصائمون كثيرا، وفي تلك اللحظات التي يردد فيها الصائمون هذا الدعاء بنفس الصيغة قبيل الآذان، في المساجد وأماكن الإفطار العامة ينشط التواصل العقلي للمؤمنين متجاوزا حدود الزمان والمكان، ومتغلبا على جميع الفواصل والعرقيات واللغات والثقافات، لأن موجات الدماغ للصائمين الذاكرين تتحد، كما أن موجات المشاعر تمتزج، والتطلعات والغايات تصبح متماثلة فيشكل الصائمون معا عقلا جمعيا قويا يتواصل مع الروح الكونية التي يحركها الله سبحانه وتعالى وفقا لنشاط الناس ونواياهم وأدعيتهم. كنت وأنا أشاهد ماراثون الصائمين أُحدّث نفسي قائلا: ماذا لو تجمع كل هؤلاء في صعيد واحد على كلمة واحدة وبمشاعر تفيض صدقا وأخوة ومحبة واخلاصا واشرأبت أعناقهم وارتفعت أكفهم وشخصت ابصارهم وقلوبهم متضرعة إلى الله سبحانه وتعالى أن يعطيهم من الخير كله وأن يوحد على الحق كلمتهم، ويعملون على اسم واحد من أسماء الله الحسنى وهو ” السلام” واتحدوا عليه لكي يجسدوا معناه ومدلوله فيما بينهم، فما الذي يمكن أن يحدث في العالم؟ ما الذي يمكن أن يحدث لو استثمرنا طاقة الصيام ووجهنا للمحبة والتفاهم والتواصل من أجل خير المسلمين والبشرية؟

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى