السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصوم تربية وجهاد

الصوم تربية وجهاد

عرض: مبارك بن عبدالله العامري
شهر رمضان فرصة عظيمة لا تتكرر إلا في السنة شهر واحد فاجعل أيها المسلم تحقيق التقوى في نفسك ، وابذر بذور التقوى، وليكن حالك في الدنيا أن تتوب إلى الله تعالى من جميع الذنوب والمعاصي، وترك كل ما فيه مخالفة لله تعالى، وأول ما تبدأ به هو تصحيح العقيدة، وليكن كل وقتك بعد رمضان نفس النهج الذي اتبعته طوال شهر رمضان لتحقيق الفوز بجنان الخلد وكتاب (الصوم تربية وجهاد) تناول المؤلف عبر هذا الإصدار العديد من المواضيع التي تهم كل صائم الكتاب لمؤلف الدكتور محمد عبدالله دراز ويقع في 87 صفحة وصدر عن منشورات جمعية المحافظة على القرآن الكريم.
في الفصل الأول من هذا الكتاب أشار المؤلف إلى استقبال شهر رمضان: إنه الربيع، يتحينه الزراع ويترصدونه ليلقوا فيه بذرهم، وليغرسوا فيه غراسهم ، هكذا رمضان هو ربيع الأرواح، كل ما أزلفت فيه النفس من خير وبر يزكو وينمو ويربو : صيامه وقيامه وصدقاته وغدواته وروحاته كلها مباركة مضاعفة الأجر، وحسبه أن فيه ليلة القدر ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ{2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ{3} ) القدر 2-3 فلما أجدر المتخلفين منا عن الركب أن يتداركوا في هذا الربيع ما فاتهم ، وان يحاولوا اللحاق بالقافلة ، قبل أن ينقطع الطريق بهم . وما أقدر السائرين منا في هذه القافلة على أن يضاعفوا اليوم جهودهم ، وأن يستحثوا مطاياهم وركائبهم ، ليزدادوا اقترابا عن مثلهم العليا .ألا وليكن ما نبدأ به حين نستمع إلى هذا النداء ، أن نلتفت إلى الوراء لنحصي على أنفسنا سقطاتنا وزلاتنا ، ولنمحو بماء الندم ما مضى من تفريطنا في حق ربنا ، ولنوطن العزم على الجد والاستقامة في مستقبل أمرنا تلك هي الخطوة الأولى في الاستجابة لداعي الله وتلك هي حقيقة الاستغفار الذي جعله الله ضمانا للأمن والأمان في هذه الحياة، وفيما بعد هذه الحياة وذلك حيث يقول عز شأنه مخاطبا رسوله الرؤوف الرحيم ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الأنفال 33فكان للأمة إذ ذاك حصانتان من البلاء ، حصانة بوجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، وحصانة باستغفارهم لذنوبهم، واليوم وقد ذهبت الحصانة الأولى ولم يبق لنا إلا الحصانة الثانية ، فلنبدأ عملنا في هذا الشهر الكريم بالإقلاع عن كل ظلم ، والتوبة والإنابة من كل إثم (ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) آل عمران 147 ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف 23 بعد أن نفرغ قلوبنا من ظلمات الشهوة ، يجب أن نملأها بنور الحكمة ، فليس الشأن كل الشأن في رمضان أنه شهر الجد والمقاومة ، ولكنه فوق ذلك هو شهر الهدى والرحمة فيه تزدحم بيوت الله ليلا ونهارا بالراكعين والساجدين هدى ورحمة، وفيه تفيض قلوب المؤمنين رحمة وحنانا وبرا وإحسانا بالفقير والمسكين واليتيم وابن السبيل فذلك هو الهدى وتلك هي الرحمة وفيه أنزل القرآن الكريم هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وفيه تصب الرحمات وتستجاب الدعوات (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) البقرة 186 .
وتطرق المؤلف في الفصل الثاني عن الصوم والمظهر الجماعي: فإذا رفعت راية الهلال في سماء رمضان ، رأيت المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقد وقف كل منهم في مكانه على قدم الاستعداد لبدء حركة التدريب على الطاعة والنظام ، وإذا هم كلهم قد أخذوا يرهفون أسماعهم ، ويفتحون أعينهم ترقبا لإشارة القائد الأعلى إليهم بالإقدام أو بالأحجام، وما هو إلا أن تمضي الليلة الأولى من الشهر، وإذا هم طوال الشهر يتلقون كل يوم عن هذه القيادة العليا توجيهين متعاقبين ، كلما طلع الفجر ، سمعوا بالإحجام عن كل مشتهياتهم ، وكلما غربت الشمس تلقوا إذنا بالإقبال على الحلال من تلك المشتهيات فتراهم في لحظة واحدة قد تحركوا طوع الأمر حركة واحدة إيجابية أو سلبية ، وتراهم قد ارتسمت عليهم من هذه الحركة صورة لازبة لا تفارقهم نهارهم أو ليلهم ، فلا ترى منهم في النهار طاعما ولا راويا ، ولا ترى منهم في الليل ممسكا ولا طاويا ، بل تراهم وقد انطبعت على نظام حياتهم مسحة جديدة من هذا النظام ، في عملهم وراحتهم ونومهم ويقظتهم وسائر شؤونهم وتصرفاتهم هكذا ترى قواعد الإسلام ودعائمه الكبرى جعل الله كل واحدا منهم قطبا ذا طرفين ، طرف يربط المؤمن بربه، وطرف يربطه بإخوانه المؤمنين ثم جعل كل واحدة منها ينبوعا لمحبتين لا يكمل الإيمان إلا بهما مجتمعتين: المحبة لله ، والمحبة في الله .كذلك تنصر القلوب المؤمنة في بوتقة الصيام فتعودا قلبا واحدا في جسد واحد وهذا هو المثل الأعلى في وحدة الأمة التي يؤهلنا لها صوم رمضان.
وتطرق المؤلف في الفصل الثالث إلى كتاب الله ففي شهر رمضان (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان) البقرة 185 وليكون دستورا ينظم حياة الناس، ويتضمن أرقى الأسس للأخلاق وليس للأخلاق دستور اقوم ولا أعظم من القرآن ونحن لو أحصينا مبادئ الأخلاق الاجتماعية في القرآن وفي غير القرآن لوجدنا ان ملاكها وقوامها مبدآن: مبدأ العدل ومبدأ الإحسان، وهما يكن من أمر في دقة هذا التقسيم أو عدم دقته، فإن القرآن الكريم هو الجامع لما تفرق في غيره من الفضائل، والمفصل لما أجمل فيه من الآداب والمكارم ، أما في العدل فقد جعله نبراسا للقاضي والحاكم ولكل راع في رعيته قال تعالى (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) النساء 58 وأما الإيثار والبر والرحمة والعفو فقد رسمها القرآن خطة يسير عليها كل من كان أحد الطرفين في معاملة يمارس فيها حقه وهكذا تتبعنا وصايا القرآن الحكيم في سائر المعاملات وعبر هذا الكتاب العديد من المواضيع التي تهم الصائم.

إلى الأعلى