السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / (رمضان شهر النقاء وتسامي النفس وصفاء الذات) (5)

(رمضان شهر النقاء وتسامي النفس وصفاء الذات) (5)

مع القرآن في رمضان

رمضان شهر النقاء، وأيامه أيام الصفاء، وساعاته كلها جلاء، يأتي الشهر، وتتبعه وتسير في ظله خيراته وفيوضاته، وتجد النفسُ في هذا الشهر مَلَاذَها وملْجَأها، وتحقِّق الذات فيه كل ما تصبو إليه، من شفافية ونبل، وارتقاء وصعود، ففي رمضان تشعر أنت وكلُّ المسلمين من حولك بوَحدة العبادة، فكلكم صائمون معا، وكلكم طائعون معا، تصومون في لحظة واحدة، وتُفطرون في لحظة واحدة، وتدْعون الله بدعاء واحد مأثور: “اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وبك أمنت، ولك أسلمت، فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به منى، أنتَ المقدم ، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبتَ الأجرُ إن شاء الله” ، في رمضان تتوحد النفوس بدءًا وختامًا، وابتهالا ودعاءً، وكلها تقوم لله، فبعد صلاة العشاء كان الناس يخرجون من المسجد، فهاهم أولاء اليوم ينتظرون معًا لأداء صلاة القيام (التراويح) ، ويستمعون القرآن الكريم يَمُرُّ كله على مسامعهم، ويملأون به أفئدتهم، ويعلمون فيه عن كل شرائح الأمم ، وعواقب كل من الطائعين والعاصين، فهذه آيات تنصح، وأخرى للأحكام تشرح، وثالثة للإنسان تحذِّر، ورابعة له تبشِّر، ويظل المسلم يتنقل في بساتين القرآن الكريم، ويشم عَبَقَ حدائقه، وشذى أزهاره، وفوْح وروده، فيخرج صَفِيَّ النفس، نقي الفؤاد، قويَّ العزيمة، نشيطَ الجسد، وفي رمضان يتصدق الناس، فمنهم من يُفطر الصائم، ومنهم من يَمُرُّ على بيوت الفقراء، يوزِّع حقائب رمضان ، بما فيها مما لذَّ وطاب من الأطعمة والخضراوات والأشربة، ومنهم مَنْ هو مشغول بتقديم لحوم الذبائح، يطعم الجائع منهم، ويحمل الكلَّ فيهم، ويُوصِل الخير لمن كان بعيدًا بيتُهُ قليلا نظره، ضعيفا جسده، لا يقوَى على السير إلى منابع الخير، فيسخِّر الله له هل الخير ، فيجتهدون في الوصول إليه، وإطعامه، ووضع هذا الخير بين يديه، فتصفو نفوسُهم، ويعودون مكلَّلين برضوان الله وحبِّه، وتحصيل الأجر، والمثوبة ، وقُرْبه، ومنهم من تراه ملازما كتاب الله ، سيَّاحا هنا وهنا في قراءته، ما أن ينتهي منه إلا ويبدأ فيه، فهو كالراحل المرتحل.
ترى المسلم في أيام وليالي رمضان رقيق القلب، قارئا القرآنَ، معلمًا الناس أحكامَ تلاوته، هيمانَ بتلاوته وقراءته، سواء في مسجده، أو في بيته، أو في سوقه، أو في عمله، أو في طريقه: ذهابا وعودة، فالكون كله يكون طائعًا ومسبِّحًا، خاشعا، وذاكرا، والجو مِنْ حولنا كلُّه تكبير، وتحميد ، وتسبيح، وتهليل، وترى الشفاه تتحرك ، ذاكرةً ربَّها ، غيرَ مضيِّعةٍ وقتها، تلهج بالحمد، وتنضح بالشكر: أنْ أبقاها الله حتى بلَّغها شهرَ رمضان، شهر الصفاء، والنقاء، والعطاء، والإحسان، الجميع فينا متسامح، والصدور منا بيضاء لا فيها إِحَنٌ ولا شحناء، بل ملؤها العفو والنقاء، ومَنْ كان واجدًا في نفسه لأخيه شيئا ترك ذلك كله لله، ومَنْ كان قد أخطأ في حق أخيه، ذهب إليه، واستسمحه، وطلب العفو والصفح منه، فيرى قلب أخيه مبتهجًا قد عفا عنه، وسامحه، ودعا له، وصالحه، وصارت الأخوة حًكَمًا ورسولا بينهما ، بعدما دبت الشحناء والبغضاء ففرقت بينهما طويلا طوال العام.
في رمضان يرتقي المسلم في علاقته بالله، فيزداد تقوًى، ويرتقى إخلاصًا وحُبًّا، ويشعر بدرجة الإحسان ، يشعر بأنَّ الله يراه، ويراقب أنفاسه، وخُطاه، فيزداد منه قربا، وله حبا، ويتزلف إليه بالطاعة، ويتقرب إليه طالبًا المغفرة، وراجيا الرحمة، وأملا في العتق من النار، فينال الخيرات الثلاثة: ( رمضان أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وأخره عتق من النار)، فيُرِي اللهَ أنه عبد ، والعبد يستحق العتق، إذا أظهر خالص حبه لمولاه، وكامل عبادته لله، وتام انتمائه لشرعه وهداه، رمضان شهر المراقبة، وشهر التقوى، فالمسلم الذي يصوم عن الطعام والشراب أكثر من ست عشرة ساعة، ويكون حلقة جافًّا، ولسانُه يكاد يتشقق، وجوفه خالٍ من أيِّ طعام ، وهو مع ذلك يغضُّ بصره، ولا حظَّ في قلبه لشحناء، ولا مكان لبغضاء، أو حقد، أو حسد، ويده بيضاء نظيفة، وثوبه عفيف شريف، ولسانه ذاكر شاكر، ودواخله نقية، وذاته تقية، لا بد أن تكون مرتبته عند الله َليَّة، وعند الله لها الأفضلية، وباب الريان مفتوح ينادي على الصائمين الذين صاموا عن الطعام والشراب، وجوارحهم قد صامت هي الأخرى عن الغيبة والنميمة، وألسنتهم بعيدة عن السبِّ والشتم والإهانة، وعن الهمز واللمز، وأفئدتهم ظاهرة نقية، ليس فيها تبييت لأحد بشرٍّ ، ولا تُكِنُّ لأحد إلا كلَّ خير، لا شك أن نَفْسًا كتلك النفس ترتقى في عروجها إلى الله، وتصعد في سُلَّم الجِنان وحولها الرَّوْح والريحان، ويَحُفُّهَا رضا الرحمن، ومحبة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وموضوع لها القبول، وكُتِبَتْ في القانتين من عباد الله، فلو أن كل الناس التزموا بقدسية رمضان، وعرفوا كل ذلك وكانوا في أعمالهم كلها مقتدين بإمام الصائمين، وسيد العابدين، وخير خلق الله أجمعين، سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لَوَصَلُوا إلى تلك المرتبة، ولَحَصَّلوا هذه المنزلة، فيسعد بهم الأحياء، وتُسَرُّ بهم الحياة، حيث صفاء القلوب، ونقاء الأفئدة، ورقابة الله، وصدق تقواه، إن رمضان أعظمُ درس، ومدرسته هي روضة مدرسة المدارس التي يتخرج فيها المسلمون كل عام، حيث يأتي رمضان ليَضُخَّ فيها دماء طاهرة جديدة، وينَقِّى القلوب ، ويجعلها فريدة، ويصفِّي النفوس ، فإذا هي بحب الله شديدة، وبكل شرعه وهداه مستفيدة ، ومفيدة.
فاللهم يا ربَّ كلِّ الأزمنة ، ويا إلهَ كل الأمكنة تقبَّلْ منا رمضان، وأصلحْ فيه منا الجَنَان وبلغْنا فيه أعاليَ الجِنَان، يا رحيم يا رحمن، اللهم نقِّ صدورنا ، وصفِّ قلوبنا مما علق به من أدران ودخلها مِنْ رَانٍ، واملأها بفيض حبك، وكريم قربك يا رب الأنام، اللهم هذا رمضان، وهؤلاء عبادك مخلصين طائعين، مخبتين ذاكرين، ولقرآنك محبين وتالين، ولرسولك الكريم متبِّعِين، وعليه مُصَلِّين ومُسَلِّمين، اللهم فلا تحرمْنا القبول، يا خير مأمول، ويا أكرم مسؤول، اللهم تقبلْ منا رمضان ، وما فيه من طاعة وصيام، وذكر وقيام، ودعاء وابتهال، يا مَنْ يجيب دعاء السائلين، ويا من لا يُخَيِّبُ رجاء الراجين، اللهم هذا حالنا، لا تخفى عليك، وكلنا ساجدون بين يديك ، نرجو رحمتك ونخشى عقابك، فآمِنَّا يوم الفزع الأكبر، وأدخلنا جِنان الخلدِ، ومتعْنا بصحبة النبي الأزهر، والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم، وسلمْ، وباركْ على سيدنا محمد ، وعلى أله ، وصحبه أجمعين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى