الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أي غربٍ تعني؟

أي غربٍ تعني؟

أ.د. محمد الدعمي

” إنها فقط العطل في أوروبا هي التي تؤشر تطور الإنسان الغني وتحسسه الذوقي الرفيع. فباريس، بالنسبة للذهنية الأميركية الإرستقراطية، ترادف الذوق الرفيع والسلوكيات الراقية، حتى في “أتكيت” تناول الطعام وإستقبال السيدات في محفل عام. إنها متاحف ودور أزياء أوروبا، وليست نيويورك هي التي تؤشر مستوى غنى وكم ثروة الأميركي الغني.”
ـــــــــــــــــــــــــ

إنه لمن نافلة القول أن الذهنية العربية والإسلامية، عامة، تميل الى الدمج والتعميم، بدليل الإستخدام الإعتباطي، أحياناً، للفظ “غرب”. مع أشقائنا في شمال أفريقيا يبدو اللفظ ليؤشر فرنسا وإسبانيا، وبالتمديد والتوسيع، هو يشمل إيطاليا واليونان؛ أما في المشرق العربي، أي عبر الشريط الإقليمي الممتد من العراق الى سلطنة عمان جنوباً، ومن فلسطين غرباً الى العراق شرقاً، يعني اللفظ أعلاه “بريطانيا” وأحياناً فرنسا، والآن هو أكثر دلالة على الولايات المتحدة الأميركية.
هذا النوع من الدمج والتعميم يؤسس لتعامٍ مغرق في عدم دقته حيال الفروقات والإختلافات، بدليل أننا كلما إرتطمنا عسكرياً أو سياسياً، مع دول العالم الغربي عممنا عليها لفظ من نوع “صليبي”، أو “إستعماري” على نحو مخل بطبيعة الحال. هذا هو ما حدث في العدوان الثلاثي على الشقيقة مصر عام 1956، وهو ما حدث عبر الحروب العربية الإسرائيلية كافة (1948، 1967، 1973)، درجة دمج إسرائيل مع الغرب، وكأنها ليست دولة شرق أوسطية.
ولكن المرء يتفاجأ، عندما يتخصص بالثقافات، الغربية، بأن وضع “الغربيين” جميعاً في “سلة واحدة” تحت عنوان “الغرب” يتجاوز حقائق مهمة. من الناحية التاريخية، البريطانيون يعدون الفرنسيين منافسين وأعداء لهم، فلذا، يهمهم التمييز بين شاربي الشاي، البريطانيين، ومحتسي القهوة الفرنسيين. أما أثناء الحربين الكونيتين الأولى والثانية، فقد برهن العالم الغربي على أنه ليس بـ”عالم” موحد قط، وعبر ملايين القتلى من أفراده الذين تركتهم الحربان الدمويتان اللتان لم تشفع لأوربا “صليبيتها” كي تتجنبهما، للأسف. جميعهم آريون، بل وجميعهم آريون ومسيحيون، إذن من أين تنطلق مشكلة التمييز: من اللغة؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا يأنف الأميركان من الإنجليز، فيعدونهم قوماً أدنى منهم تقدماً، برغم الإستعمار البريطاني لأميركا طوال عقود عديدة، حتى إنطلقت “الثورة الأميركية” ضد “ابي ناجي” Ball John ، اي بريطانيا. وكلاهما المستعمِر والمستَعمر (بكسر الميم أولاً وفتحمها ثانياً) يتكلمان لغة واحدة، هي لا لغة قريش ولا لغة قيس أو قحطان، وإنما لغة “آل مونتغمري” و “آل فورد”!
ومع هذا كله، يشعر المرء بنظرة علوية أميركية تخص البريطانيين بالدونية. بل إن الأغرب يتجسد في أن أغنياء الولايات المتحدة، إذا ما أرادوا التبختر بين أقرانهم ومواطنيهم، فانهم يعمدون الى الإعلان بأنهم قضوا العطلة السابقة في إيطاليا أو ألمانيا أو فرنسا. بالنسبة للأغنياء الذين يرمون الى عكس الجانب الحضاري المتفوق من شخصيتهم على أقرانهم، فانهم لايعدون عطلة في كاليفورنيا أو في هاوايي دلائلاً على التحضر والذوق الرفيع.
إنها فقط العطل في أوروبا هي التي تؤشر تطور الإنسان الغني وتحسسه الذوقي الرفيع. فباريس، بالنسبة للذهنية الأميركية الإرستقراطية، ترادف الذوق الرفيع والسلوكيات الراقية، حتى في “أتكيت” تناول الطعام وإستقبال السيدات في محفل عام. إنها متاحف ودور أزياء أوروبا، وليست نيويورك هي التي تؤشر مستوى غنى وكم ثروة الأميركي الغني. هو يعلن أنه إبتاع هذه البدلة من أفخر دور الأزياء الإيطالية أو الباريسية كي يتبختر بخيلاء ويعكس ذوقيته الرفيعة، ولكن لحظة الإختلاف أو الإحتكاك السياسي ينزع عفريت الوطنية الأميركية لباسه الرسمي، ليلوح للأوربيين بالعصا الغليظة، مذكراً إياهم بدور أميركا في تحريرهم من مخالب الرايخ الثالث.
وإذا ما كانت هناك دائماً ثمة فروق بين هذا الغربي وذاك الغربي، يبقى المرء حائراً في كيفية رؤيتنا، عرباً ومسلمين، في العيون الأميركية والأوربية، فهل ثمة ما يميزني عن الفرد المصري او التركي أو الباكستاني، إنه سؤال مقلق بحق.!

إلى الأعلى