الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف .. نتفاخر بالأجداد دون اقتداء بهم

اصداف .. نتفاخر بالأجداد دون اقتداء بهم

وليد الزبيدي

لا يتردد العراقيون في كل مكان في الإعلان أنهم البلد الذي بدأت فيه الكتابة، ويتوقفون عند الكتابة السومرية وكيف ابدع ابناء وادي الرافدين في الإتيان بما لم يأت به الأوائل من الذين سبقوهم من الأمم والشعوب، وأول عنوان يطرحونه في التعريف بهويتهم ذاك الذي يشير بدقة إلى أنهم امتداد معرفي وحضاري لسومر واكد وبابل واشور، وبدون أي مقدمات يتحدث المصريون عن الاهرامات وكيف تم بناؤها وتشييدها بهذا الشكل المذهل في سالف الازمان، ويعطر اليمنيون احاديثهم بمأرب وكل ما تحمله اليمن من سعادة في عنوانها العريض “اليمن السعيد” ويتفاخر البحرانيون بحضارة “ديلمون” ومثل ذلك ابناء الجزيرة وفلسطين وعُمان وبلاد الشام والمغرب العربي.
هناك مئات الاسماء الكبيرة التي اضافت ابداعا في مختلف فنون المعرفة في بلداننا العربية عبر العصور، يتفاخر الكثيرون بالعبقرية التي اخرجت الف ليلة وليلة، وفي المحافل الجامعية والاكاديمية يتبارى العرب من الطلبة هناك في ذكر ابن خلدون ومقدمته الشهيرة، ومصطفى جواد وعبقريته في اللغة العربية، وهناك اسماء كبيرة وكثيرة نتفاخر بها، وفي واقع الحال أننا نتفاخر بهؤلاء العمالقة لانهم امضوا السنوات بعد السنوات في القراءة والبحث والاستزادة المعرفية والثقافية، فتركوا لنا ارثا عظيما في مختلف المعارف، وأن هؤلاء قد اجتهدوا كثيرا في ظروف صعبة جدا، فكيف استطاع العقل في بلاد الرافدين أن يخترع الكتابة دون أن تكون هناك أرضية لهذا النوع من الابداع، وما هي الظروف التي احاطت بتلك الجهود التي بذلوها لكي يخلقوا قواعد للعلم يستند إليها الجميع في تطوير معارفهم وابتكاراتهم، ولو افترضنا البشرية ما زالت بدون قراءة وكتابة، كيف هو حالها الذي تعيش فيه، وأن جميع الاختراعات والاكتشافات قد ظهرت بفعل التدوين وانتشار المعارف بين الامم والشعوب، وأن العالم يقف اجلالا للالمان الذين اخترعوا المطبعة، وهو عمل كبير بدون شك ولكن لو لم تكن هناك كتابة ما قيمة المطبعة، وبدون الكتابة كيف يتوصل العالم إلى الاختراعات الاخرى، التي جاءت للبشرية بهذا الكم الهائل من المنجزات العلمية التي ساهمت في تعزيز التمدن في مختلف ارجاء المعمورة.
نتفاخر بأمتنا بالاناشيد والاغاني الحماسية ولولا اولئك العظماء الذين وضعوا أسس العلم والابداع والمعرفة لما وجدنا نافذة حضارية نتفاخر بها امام الاخرين، وعندما يؤسس إنسان ما لأمر مهم في حقبة معينة فإنه لا ينتظر من يكيل له المديح في حقب تاريخية لاحقة، وأن اهم ما يطمح إليه أن يكون ما قدمه ذات فائدة للاخرين، فهو علم يستفاد منه، لكن ما يؤسف له أن يتفاخر الملايين بعدد قليل من العلماء الذين قدموا الكثير دون أن يبادر المئات من بين الملايين لحث الملايين على الاقتراب من منابع المعرفة والغوص في اتونها ، ولكل حقبة مبدعيها ، لكن يبقى الابداع بدون حدود.

إلى الأعلى