الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فلنكن للإنسان والوطن ليبقى..

فلنكن للإنسان والوطن ليبقى..

علي عقلة عرسان

“بشرتنا” ناعباتٌ محدثاتٌ عابثات نقلاً عن ناعبين محدثين عابثين بوطن وقيم وشعب ودين، بأن جهودهن وجهودهم قد أثمرت في واشنطن وباريس وغيرهما من عواصم القرار في “المجتمع الدولي؟!؟”، أي في الغرب الاستعماري المسمى زوراً وبهتاناً مجتمعاً دوليًّا/ وهو المغتصب لهذه الصفة والمفتري على الآخرين رغم اغتصابه لها، بينما يقصي بذاك عن الموقع العالمي ثلثي شعوب الأرض؟!.. وثمر البشارة الشهي أن الرئيس باراك أوباما أصبح ومعه الأصدقاء المعهودون، على استعداد تام لتوجيه ضربة عسكرية قاصمة للجيش العربي السوري، سواء أتم ذلك بقرار من مجلس الأمن الدولي على الفصل السابع، عبر فرض الممرات الإنسانية والحظر الجوي المطلوبين، أو خارج المجلس وسلطة الفيتو التي قد تعطل هذا القرار .. والحجة أو الذريعة المستجدة التي يتلطون خلفها هي أن فشل مؤتمر جنيف في التوصل إلى حل أو في التقدم على طريق الحل يكفي لإغلاق باب الحل السياسي والذهاب إلى الخيار العسكري بتدخل خارجي، حيث لا مخرج من الأزمة إلا به؟! ـ والحل المنشود من مؤتمر جنيف2 وفق مفهومهم ووجهة نظرهم وخطط مشغليهم، كان وما زال، هو أن يقوم وفد الدولة السورية بتسليم مفاتيح دمشق لوفد الدول المفاوضة في جنيف ـ وإلا فهو معطل للحل ويتحمل مسؤولية الفشل؟! ويعني تعلقهم بفشل الحل السياسي والعمل على تحميل الوفد السوري المسؤولية عنه “بحكم أنه تم وانتهى” من وجهة نظرهم.. يعني العودة إلى خيار القوة الذي لم يُسحب أصلاً من على طاولة السيد الأميركي..
ولم تكن تلك “البشارة” المعلنة التي لا نجد لها في قاموس الوطنية وصفاً يفيها حقها بلغة فصيحة صريحة مبينة.. لم تكن غريبة على تصرف وتوجه ومنطق من دأب منذ الأسابيع الأولى للأزمة في سوريا على استدعاء التدخل العسكري ـ الاستعماري ـ الصهيوني في الشأن الداخلي السوري، للوصول إلى الحكم الذي يبدو أنه هو التغيير المطلوب وسيد المطالب ولا تغيير سواه. ولم يكن القائلون والقائلات بذلك المطلب، لم يكونوا اليوم إلا صدى كما كانوا منذ البداية، ولن يكونوا في الحكم إلا ستاراً وصدى صوت..
وقد بدأ التبشير بفشل جنيف2 والعمل على ذلك منذ الافتتاح، ليس فقط باستبعاد المعارضات الكثيرة وإنما بالتخطيط للإفشال عمداً والعرقلة لتحميل الآخرين المسؤولية عن ذلك.. وترافق الأمر بجملة من التهم الموجهة لسوريا منها تصنيع الأسلحة الجرثومية والتلكؤ بتسليم الأسلحة الكيمياوية لإتلافها، مع أن مسؤول الوكالة السيدة كاغ لم تقل بذلك، والمدى الزمني هو حزيران 2014 والمحاطر المحيطة بالشحن والتسليم في ميناء اللاذقية كبيرة ومعروفة وتستدعي الحيطة والحذر الشديد.. إلخ، وكان كل ذلك بغية التحول إلى الغدر العسكري ومنطق القوة الذي يلجأ إليه قاطع الطريق الأميركي كلما أفلس سياسيًّا لأنه على ما يبدو لا يتقن سوى العدوان وقطع الطريق ولغة الحقد والكراهية.. بدأ ذلك ظاهراً في جلسة الافتتاح في مونترو التي شهدت ما قاله جون كيري وطالب به مما ليس في صلب مرجعية جنيف وما رد به وليد المعلم واستثار به كيري.. ولكن نحن نعرف أن انقلاب الموقف الظاهري لم يبدأ من تلك اللحظات، بل هو سياسة متبعة عبر تخطيط يتابعه تحريض من فرنسا على الخصوص وحلفاء الولايات المتحدة العرب ومن تستخدمهم ويستخدمون كأدوات ومنتفعين، فالخطوات التي بدأت منذ تلك اللحظة في مونترو هي استكمال لمخطط غربي ـ صهيوني يتم العمل عليه لتدمير سوريا والمقاومة وكل من يراه الغرب الاستعماري ـ والكيان العنصري الصهيوني عدواً لهما، ويجري إنجازه والعمل على استمراره في معركة وحشية على الأرض السورية تخرب الدولة وتفكك المجتمع وتنهك الشعب، ونحقق لإسرائيل أهدافاً استراتيجية كبرى في الزمن العربي الرديء، زمن “الربيع الأميركي ـ الصهيوني المسمى عربيًّا”، وعلى رأس ما تحققه من أهداف” التهويد والاستيطان التامين، والانفراد بالفلسطيني حيث تُفرض عليه تصفية قسرية شاملة غير عادلة ولا مقبولة، لقضية كانت وما زالت وستبقى قضية سوريا الأولى مثلما هي قضية الفلسطينيين الأولى، وقضية الأمة العربية الملزمة لها قوميًّا وأخلاقيًّا لأن الشعب الفلسطيني يبقى جزء من الأمة، وتبقى الأمة مسؤولة عنه وعنها.. من دون أن يخل ذلك بكونه: صاحب الحق والأرض والدار والقرار والثأر.
ويلوح في الأفق استعداد أميركي ـ غربي لعمل عسكري، وقائل سوريا الرسمي يراه تهديداً إعلاميًّا يدخل في باب التخويف والضغط، بينما يراه الروسي خروجاً على كل مألوف وقانوني وشرعي، لأن سوريا لم تفشل جنيف، والحل السياسي يبقى هو المفتاح للخروج من الأزمة، ولن يوافق الروس وحلفاؤهم على قرار من مجلس الأمن تحت الفصل السابع يفتح باب استخدام القوة ضد سوريا، وأنهم سوف يستخدمون الفيتو ضد ما يتم التذرع به من ذرائع إسانية، ويقول لافروف بصريح العبارة: عليهم ألا يستخدموا الممرات التي يمر منها السلاح لأغراض إنسانية وليس لتزويد المعارضة بالسلاح في وقت اللجوء إلى الحل السياسي والتفاوض في جنيف.
والأمور من الجانب الغربي عامة والأميركي خاصة تكتسب زخماً عدائيًّا لسوريا يلوح باستخدام القوة.. قال بذلك الفرنسيون والبريطانيون والألمان.. من قوادم الغراب أما الخوافي فلا تملك إلا أن تتبع القوادم. وفي هذا السياق نفهم تصريح جون ماكين ودعوته الصريحة لاستخدام القوة، وهو تصريح يصب في مجرى اليمين الأميركي المتطرف.. فقد قال ماكين في السابع عشر من الشهر شباط/فبراير الجاري “إن سياسة الرئيس باراك أوباما إزاء الحرب الدائرة في سوريا فشلت فشلا ذريعاً، وهي مخزية، وطالب بإعادة دراسة الخيارات المتاحة، وبتسليح الجيش السوري الحر وفرض مناطق حظر جوي.”.. والمغزى واضح وهو ذو دلالات ومرتسمات على الأرض “بشرتنا” بها الناعبات المحدثات ورددها على مسامع العالم الناعقون من واشنطن وباريس ولندن وعواصم أخرى غربية وعربية، عبر فضائيات ولقاءات وتصريحات مرافقة بشحنات سلاح لم تتوقف، وبطائرات إف 16 وبطاريات باتريوت تكمن في الأردن، وبقطع بحرية أميركية تجاوزت إسبانيا إلى المتوسط، وبما يخفى ولا يخفى مما يُعد لسوريا وجيشها وشعبها ليضيف إلى كوارثها كوارث، ويفرض عليها حلاً ليس هو الحل ولا يجلب الأمن بل لا سلم فيه ولا سلم بعده، لأنه وفاق فيه ولا اتفاق عليه بين السوريين ويؤسس لغالب ومغلوب ولدم يطلب الدم.
إنه وضع ينذر بخطر الغدر الغربي ـ الصهيوني المعهود، ويعري من لم يعد بحاجة إلى تعرية، ويضع أطرافاً سورية وعربية وإقليمية ودولية على المحك، حيث تقف أمام الخيارات الصعبة: خيار الحوار والحل السياسي والتفاوض البناء والاتفاق لتجنيب ما تبقى من سوريا والمنطقة ويلات وويلات تضاعف ما عانت وتعاني منه من كوارث وويلاتٍ.. وخيار توسيع دائرة الحرب وتعميق أبعادها وجراحها، وجعلها ذات أبواب وأبواب كلما أغلق باب منها فتح باب..
لا شك بأن الدولة السورية مسؤولة عن دفع الأذى ومطالبة بسد الذرائع، ومدعوة إلى القيام بكل عمل وطني وإنساني وأخلاقي يجنب البلاد والشعب مخاطر العدوان والكارثة المحيقة بنا جميعاً إذا ما وقع عدوان.. والأميركي والصهوني ومن ولغ في الإثم والدم لا يؤمن جانبه.. ومعنى هذا أن نستعد لكل احتمال من جهة ونسعى لحلول لا تفريط فيها بالوطني والإنساني والسيادي.. حلول يبادر إليها الحكماء الشجعان، من بقي منهم إن بقي منهم، ومن ينتظر منهم فعل منقذ إن بقي منهم أيضاً، أو إن التفت قادرون على التضحية إلى تضحية تنقذ وتبني وتجمع على العدل والحق والخير والأمن والسلم جمع الشعب وتكفي الأمة التي نحن منها ولن نكون إلا في طلائعها شروراً ماحقة,
لا يمكن أن نعلق أملاً على من اختاروا عداء للوطن وخروجاً عليه وعلى شعبه وقيمه، سواء أكانوا في الخارج أو في الداخل، فمن باع يبتاع ولا يدفع في سبيل الوطن شيئاً ولا يدفع عنه لطمة.. لكنا نعلق آمالاً على وطنيين يخرجون من دوائر الخوف والصمت والعزلة والنفي الارادي وغير الإرادي ليقولوا لمن يعنيهم القول المنقذ: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا.. كلمة تجمع ولا تفرق، تحقن الدماء ولا تؤسس للمذابح والفواجع والفتن.. وكل يعرف معنى التأسيس للأحقاد والفواجع والفتن، وكل حكيم وسليم القلب يعرف حين يدعى إلى الحكمة أنه مسؤول عما يعرف.. تعالوا في هذا المعروف المعرف الذي نملك فيه من العلم ما يجعل الحكمة ضالة المؤمن والمواطن الصالح إلى قوله تعالى: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ” آل عمران: ٦١
إن طريق المصالحة الوطنية المتبع طريق مجدية وموصلة إلى بعض النتائح الطيبة ويحسن بنا أن نتابع السير فيها بسرعة ويقظة وإخلاص، وطريق تأمين الاحتياجات الإنسانية لأبناء شعبنا المحاصرين وغير المحاصرين والمتَّخذين دروعاً بشرية، طريق ملزمة وإخلاقية وإنسانية وتسد بعض الذرائع، ونحن معنيون بسد الذرائع.. والاستمرار في مؤتمر جنيف مع يقظة فائقة وفكر خلاق يعزز نوايا حسنة وتعززه النوايا الحسنة، أمر أكثر من مطلوب وأكثر من جبهة حامية نخوض فيها معترك الدفاع عن الوطن والمواطنة والمستقبل.. وفتح الكوى والنوافذ والمنافذ أمام من يريدون التنفس والخروج من أزماتهم الخانقة ومآزقهم الصعبة وطرقهم المسدودة واجب ومنفذ لتخفيف المعاناة وكسر شوكة العداوة وتخفيف عدد المعادين، وهو طريق يجلب أشخاصاً من دائرة العداء إلى دوائر الحياد على الأقل.. والسعي بكل الوسائل لتعزيز المواقف مع الأصدقاء وتعرية العملاء وكشف خطط الأعداء مفيد، وقد يكون مفيداً نسبيًّا في حالات، وقد لا يعول عليه كثيراً مع من قطعوا الحبال مع الكرامة والوطن.. فالخيارات أصبحت أكثر من ملزمة لأصحابها، ولكن لعل وعسى؟! وعلينا بمن هم في دائرة الوطن نؤمنهم ونقربهم لننزع غلهم علينا بنزع غلنا عليهم، من ثم نجنبهم “أن يبقوا أو أن يكونوا” أداة بيد أعداء سوريا وشعبها وقيمها..
لسنا بلد شخص أو فئة أو حزب أو طائفة أو قبيلة أو أو.. أو.. إلخ، نحن سوريا بكل تكوينها الجميل وتاريخها الطويل وقيمها السامية وثقافتها العريقة وأبعادها وحضارتها ذات الفضل على الإنسان والحضارة.. وسوريا لكل أبنائها المنتمين إليها بشرف وإخلاص، وهي لكل العرب بيت عقيدة ومقاومة وصهر ونسب.. وهي للإسلام والمسلمين دار وممر ومستقر.. فليكن كل ذلك فوق كل الرايات والنزعات والفئات والشخصيات والاعتبارات لنعيش في سوريا كراماً كما كنا عبر تاريخنا، ولتكن سوريا لأمتها كما كانت عبر تاريخها.. ولنجمع ما تشتت منا، وما تبعثر من جزع عقد لؤلؤه البشر الكرام الذين تمرغهم اليوم أحداث الكارثة الأليمة في الرغام وتعرضهم لشماتة الأنام.. ألا فلتكن سوريا ولتبق، وليكن الإنسان فيها حراً وكريماً وسيداً، ففي هذا قوتها، وهذا من يبنيها ويقويها ويحررها.. فالعبد لا يحرر والحر في القيد تغمره العبودية ويكاد يختنق من دون هواء الحرية.. فيا أبناء بلدي الحبيب سوريا الخير والحب والكرامة تعالوا إلى الحق والحق بين، وتجاوزا الحقد فهو كريه وقتال.. أنا لا أدعي أنني أمثل فئة ما من الشعب السوري العزيز، صغرت أم كبرت، ولا أقول إنني أملك أن أتحدث باسم سوريا أو باسم شعبها، ولا أسوِّغ لأحد مثل هذا الادعاء العريض، حتى الذين يكتسبون مثل هذا الحق في دولة ذات مؤسسات محترمة، ولوقت معلوم وفق الدستور والقانون، بتأييد شعبي وشرعية ونزاهة، عبر انتخابات نظيفة، وفي ظل وضوح رؤية لدى الشعب، وحسن تعبير عن الرأي وحرية تعبير واختيار وتدبير، في ظل أمن من جوع وخوف.. وكان هو أصلاً على درجة من الانتماء والوطنية والحكمة والأمانة والثقة والحرص تجعله يضع مصلحة كل فرد في مقام مصلحته أو فوقها، ويضع مصلحة الشعب والوطن وقرارهما فوق كل المصالح والقرارات والفئات.. وهذا لا يتوفر بالشكل الموضوعي للسوريين الذين يُزجُّون في أزمات بعد أزمات، تخلقها دول أو أحزاب أو طوائف أو فئات، أو يخلقها أشخاص من ذوي الانتفاخ والمطامع التي تدفعها طموحات مريضة لا تقوم على أسس موضوعية وعلمية وأخلاقية وشرعية وإنسانية. ونحن السوريين اليوم في أوضاع لا يكفي معها أن نقول: إن الشعب السوري مظلوم مع هؤلاء وأولئك، وأنه ضحية لهم ولمن يتآمر عليه ويقتله من خلالهم.. ويجرجره من مذبح إلى مذبح ومن مسلخ إلى مسلخ، ويذيقه الويل بعد الويل.. بل علينا أن نخرجه من تلك الدوائر المهينة والقتالة بكل أشكال التضحية والعمل والإبداع..
ألا فلنكن للإنسان والوطن لكي يكون الوطن لنا وليبقى الإنسان فينا..
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى