السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعيدا عن السياسة .. في رمضان

بعيدا عن السياسة .. في رمضان

محمد عبد الصادق

” وخالط لين العديد من أبناء الطبقة الغنية في مصر ويروي أن قلة منهم من يفرطون في صيامهم , ولكن غالبيتهم حريص على الصيام وتقديم الطعام للصائمين بإعداد حجرة مخصصة لاستقبال الضيوف وعابري السبيل عليها أصناف من الزبيب والتين المجفف والكعك والبندق المحمص والجوز و”قلل” الماء البارد وفناجين القهوة ,”
ـــــــــــــــــــــــ
لا أدري منذ هل علينا الشهر الكريم وتنتابني حالة من العزوف عن كل ماله علاقة بالسياسة, وبعد أن كنت أجلس أتابع نشرات الأخبار وما تبثه وكالات الأنباء ومواقع الشبكة العنكبوتية, أجدني مع دخول رمضان أحن لأجواء روحانية بعيداً عن شحناء السياسة وصداع الآراء وتضارب الرؤى وتداعي الأفكار, لدرجة خالجني إحساس أن ممارسة أي نشاط له علاقة بالسياسة ربما يفسد الصيام, لذلك قررت أن أهجر القراءة والكتابة في السياسة وعاهدت نفسي أن أنأى بنفسي عن الجدال والنقاش والمناهدة, و كل ما له علاقة بالسياسة ,حتى أستطيع ممارسة الطقوس الرمضانية من صيام وقيام وتلاوة القرآن وتدبر خلق الله ربما استطعت إعادة الهدوء إلى نفسي المتعبة وأنجح في التخلص من ضغط الدم المرتفع الذي لم يعد يجدي معه دواء أو عقاقير, وأهجر العصبية وسرعة الغضب الذي أصبح ملازماً لي جراء ممارسة هذا النشاط السيا سي المقيت.
وأستميحكم عذراً أن تشاركوني قراءة كتاب عن المصريين المحدثين في القرن التاسع عشر للرحالة الإنجليزي الشهير إدوارد وليام لين ( ولد عام 1801م في انجلترا وتوفي عام 1876في القاهرة ) والذي نصحه الطبيب بالسفر لمصر لعلاج مرض الربو الذي لازمه منذ طفولته ويحتاج لشمس وطقس دافئ لتتحسن حالته , جاء لين إلى القاهرة في عام 1825م في عصر محمد علي وكانت مصر تعيش حياة تقليدية أقرب للقرون الوسطى, ولم تكن الحداثة عرفت طريقها إليها بعد, فقد كان محمد علي مهتما بإنشاء الجيش وبناء الأسطول ومصانع الأسلحة والذخيرة, وكان مشغولاً بتسيير الحملات العسكرية إلى الحجاز وإفريقيا وجنوب السودان, حتى أنه أرسل حملة بحرية لمساعدة نابليون في حملته على المكسيك.
تعلم لين اللغة العربية ودرس القرآن واطلع على الثقافة الإسلامية وترجم جزءاً كبيراً من معاني القرآن إلى اللغة الإنجليزية.
ومن أشهر ما كتب لين عن رحلته إلى مصر وصفه لأحوال المصريين في رمضان وعن ذلك يقول : وبدأ لين وصفه لشهر رمضان بليلة الرؤية والتي تبدأ بتوجه عدد من الأشخاص المشهود لهم بالأمانة والورع ودقة الملاحظة إلى الصحراء, حيث صفاء الجو وهو ما يمكنهم من رصد هلال الشهر الكريم وأكد لين: شهادة مسلم واحد على رؤية الهلال كانت كافية لإعلان القاضي الشرعي بداية الشهر الفضيل, وكان هناك موكب ضخم يتجه إلى المحكمة في قلعة صلاح الدين حيث مقر الوالي ودواوين الحكومة, يضم الموكب ممثلين عن كافة طوائف الشعب ويرأسه المحتسب ويسير امام الموكب مجموعة من الجنود, وخلال فترة وجود لين في القاهرة كان التدخين باستخدام “البيبة ” متفشياً بين المصريين ولكنه لاحظ اختفاء البيبات خلال ساعات الصيام التي يحمل المصريون بدلاً منها المسابح والعصي أو يمشون فارغي اليد, وخلال الساعات الأولى من الصباح لاحظ لين أن شوارع القاهرة تكون خاوية من المارة ومن يظهر من الناس يكون نكدي المزاج, خاصة المدخنين ولا تعود الحركة لشوارع القاهرة إلاً قرب العصر, ولاحظ لين أن التجار بمجرد فراغهم من البيع والشراء يهرعون إلى المساجد لقراءة القرآن أو يجلسون للقراءة على أبواب حوانيتهم , وخالط لين العديد من أبناء الطبقة الغنية في مصر ويروي أن قلة منهم من يفرطون في صيامهم , ولكن غالبيتهم حريص على الصيام وتقديم الطعام للصائمين بإعداد حجرة مخصصة لاستقبال الضيوف وعابري السبيل عليها أصناف من الزبيب والتين المجفف والكعك والبندق المحمص والجوز و”قلل” الماء البارد وفناجين القهوة , ومما لفت نظر لين في رمضان المسحراتي إذ يذكر أنه كان لكل حي مسحراتي خاص به يطوف الشوارع والحارات والأزقة قبل الفجر بساعة ونصف ليعلن للناس وقت السحور مستخدماً طبلة صغيرة ودرة للقرع عليها وذكر لين أن المسحراتي كان يولي بيوت الأغنياء أهمية خاصة بالنداء عليهم بأسمائهم فردا فردا طمعاً في العطاء , ولم يكن يتوقف طويلاً أمام منازل المتوفين حديثاً حرصاً على مشاعر سكان المنزل , وكان المسحراتي يحصل في نهاية رمضان من كل بيت على قرشين أو ثلاثة قروش حسب حالة ساكنيه , ومما يحكيه لين أن نساء الطبقة المتوسطة في القاهرة كن يضعن بعض القطع المعدنية في أوراق ويشعلن فيها النار ويلقينها إلى المسحراتي حتى يمكنه رؤية مكان سقوطها على أرضية الشارع ويكون رد فعل المسحراتي أن يقرأ لهن الفاتحة وينشد لهن بعض الروايات القصيرة .
وتحدث لين عن أداء بعض أتقياء القاهرة لصلاة نافلة قبل منتصف الليل سماها صلاة الأبرار (ربما يقصد صلاة التهجد)؛ حيث يحرص المصلون فيها على قراءة الآيات من 5 إلى 9 من سورة “الإنسان”:( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً, عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً, يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً, ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً, إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً), كما تحدث لين عما سماها صلاة السلام وهي قيام المصلين بعد منتصف الليل بنصف ساعة بإنشاد عدد من المدائح النبوية , وفيما يتعلق بطعام السحور يقول لين إن هناك كثيرا من أهل القاهرة لم يكونوا يكثرون من الطعام وقت الإفطار ويتناولون الأطعمة الدسمة في وقت السحور, وإن كان هناك من يعكس الوضع ,وهناك صنف ثالث من الناس يساوي بين الوجبتين, وفيما يتعلق بإحياء العشر الأواخر من رمضان ,فقد لمس لين حرص كثير من المصريين على اعتكاف هذه الأيام بلياليها في المساجد الكبرى , خاصة جامعي الحسين والسيدة زينب , بجانب حرص الكثيرين على إحياء ليلة السابع والعشرين من رمضان لتحري ليلة القدر لما لها من منزلة وفضل عند المسلمين, وروي لين قصة طريفة عن معتقدات المصريين المرتبطة بليلة القدر, بأن هناك من المصريين من يعتقد أن في ليلة القدر يتحول الماء المالح إلى ماء عذب, لذلك كان هؤلاء الناس يقضون الليل في الصلاة والدعاء وتذوق الماء المالح, فإذا صار حلواً عرفوا إنها ليلة القدر, كانت هذه رؤية أدوارد لين لرمضان القاهرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر وهي تنم عن أهمية هذا الشهر في حياة المصريين.

إلى الأعلى