الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “ما لك إلا جنيف”

“ما لك إلا جنيف”

صحيح أن أحدا لم يكن يتوقع أن تنتهي الجولة الثانية من جنيف2 بنتائج مبهرة، لكن احتمال الفشل التام للمفاوضات السياسية لحل الأزمة السورية لم يكن ايضا واردا تماما. وبدا من الواضح الآن أنه الوسيط الدولي، ممثلا لقوى العالم الرئيسية والأطراف العربية المعنية، سيعود بالأمر إلى الأم المتحدة بتقرير يلوم الحكومة السورية على “عدم احراز تقدم” في المفاوضات. ويصور البعض ذلك بعودة الخيار العسكري ـ بمعنى التدخل الخارجي ضد الحكومة السورية ـ للطرح بعدما اتفق الروس والأميركيون على مفاوضات جنيف كسبيل لتسوية، وبعدما حلت أزمة السلاح الكيماوي السوري باتفاق روسي/اميركي يقضي بالتخلص منه.
صحيح ان فشل الجولة الثانية من المرحلة الثانية من جنيف ربما يعني فترة من العمل العسكري ضمن الحرب الدائرة في سوريا، والتي يذهب ضحيتها ابرياء من السوريين في الأغلب الأعم من الحالات. ومنذ أعلن في جنيف عن فشل جولة المفاوضات، بغض النظر عن تبادل المسؤولية بين وفدي الحكومة والمعارضة، بدأ الحديث عن “تدفق” السلاح على المعارضة في الفترة المقبل، وزار رئيس الائتلاف المعارض الداخل السوري وظهر في صور برفقة المسلحين. وجرى تغيير القائد العسكري لمقاتلي “الجيش الحر” فيما اعتبر رسالة على تغيير في العزم العسكري للمعارضة في الفترة المقبلة. وبالطبع لم تتوقف العمليات العسكرية للحكومة، في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة بغية استعادتها.
وربما كان اتفاق “حمص” الانساني الذي تم التوصل إليه في الجولة الأولى من جنيف2 هو الانجاز العملي الوحيد الذي أسفرت عنه مفاوضات جنيف حتى الآن. ويبدو أن محاولة الروس الدفع باتجاه تعميم ذلك الاتفاق: فك الحصار الحكومي مقابل ايصال مساعدات انسانية واخراج المحاصرين، على مناطق أخرى في سوريا لم ينجح. فالمعارضة، والقوى الدولية والاقليمية التي تسندها، تدرك ان الحكومة السورية تحقق مكاسب على الارض عسكريا ـ وتحديدا منذ خسارتها معركة القصير التي تدخل فيها حزب الله اللبناني إلى جانب الحكومة السورية. ومن ثم فإن اي اتفاق “انساني” سينتهي باستعادة الحكومة السيطرة على مناطق فقدتها لصالح المعارضة. لذا كان التركيز في جنيف على نقطة الحكم الانتقالي الذي يعني من وجهة نظر المعارضة وداعميها نهاية حكم الرئيس الأسد ويعني من وجهة نظر الحكومة تسليما للسلطة. ولعل الوصف الأدق لذلك هو “عملية تغيير للنظام” بالمفاوضات طالما لم تحدث بالقوة العسكرية. وكان الروس واضحين تماما في رفض أي عملية “تغيير نظام” في سوريا، وهذا سبب التلاسن الاميركي/الاوروبي مع موسكو.
لا يبدو ان هناك من هو متحمس لتدخل عسكري خارجي في سوريا، تحديدا بهدف واحد هو “تغيير النظام”، ليس لتوازنات دولية بين الغرب وروسيا والصين ولا لحسابات اقليمية ـ لم يعد لها تأثير كبير الآن ـ وانما لاعتبار عملي يتعلق باستراتيجية “فك الارتباط” الاميركية مع الخارج ومنطقتنا بالتحديد والكلفة المحتملة للتدخل واثره على المدى البعيد. كما انه لا يقصد بتفادي اثر التدخل ان دروس افغانستان والعراق وليبيا اخذت في الاعتبار، انما القصد هو الأثر على علاقات ومصالح الدول المعنية بالتدخل وحلفائهم في المنطقة والعالم. ومع شبه استبعاد التدخل لا يتوقع ان يسفر حمل الامر إلى الامم المتحدة ـ ولا حتى مجلس الامن ـ اي تبعات ضخمة على مسار الاحداث في سوريا. مع ذلك، فإن زيادة تسليح المعارضة قد يعزز من وضعها ويجعلها تحقق بعض مكاسب على الأرض تعزز موقفها في مفاوضات تسوية.
المهم، انه بدون تدخل عسكري خارجي ـ من قوات الناتو مثلا او تحالف تقوده اميركا ـ ليست هناك أي فرصة لحسم عسكري في سوريا بمعنى تغيير النظام بالقوة المسلحة فقط. ومما يعزز هذه الخلاصة ان الحكومة السورية، حتى مع الدعم من ايران وحزب الله والغطاء السياسي الروسي، غير قادرة على التخلص من المعارضة المسلحة تماما في البلاد بما يمكنها من استعادة سيطرة دمشق على مناطق واسعة خارج سلطتها الآن. وكذلك المعارضة، ومهما كان الدعم الخارجي لها، غير قادرة على حسم الأمر والتخلص من النظام. خاصة وان المعارضة منقسمة، ومن بينها فصائل “جهادية” مرتبطة بقوى الارهاب التي لا يمكن لأي طرف من داعمي المعارضة التعويل عليها. صحيح ان هناك بعض فصائل تتهم الحكومة السورية اطرافا محددة بتمويلها، لكن حتى تلك الفصائل قد لا تختلف عن “المجاهدين” في افغانستان أو البوسنة أو الشيشان الذين يصبحون هدفا لبلدانهم ومموليهم بمجرد انقلاب ارهابهم عليهم.
وهكذا، وفي ظل غياب الحسم العسكري واستمرار الموقف الروسي والصيني ـ الذي يستند إلى توازن مع الغرب اكثر منه حرصا على النظام في سوريا ـ لن يكون أمام أطراف الأزمة السورية سوى العودة إلى مفاوضات تسوية. ربما تكون المفاوضات المقبلة في جنيف او في غيرها، وبالتأكيد سيكون كل طرف قد جمع ما يمكنه من اوراق التفاوض. لكن مهما تغيرت العوامل، وباعتبار جنيف رمزا لمفاوضات تسوية سياسية بديلا لحل عسكري، يمكن القول لكل طرف من اطراف الأزمة السورية “ما لك إلا جنيف”.

د. ايمن مصطفى
كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى