الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن .. تكـريـم الله للإنسان 14

شـذرات مـن هـدي القـرآن .. تكـريـم الله للإنسان 14

الحمـد لله رب العـالمـين ، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين ، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فـلا زال الحـديث مـوصـولا عـن تكـريـم الله للإنـسان وعـن نـعـمائه التي تتـوالى ،إذا سعى وكـدح ونال مـا قـدره الله له مـن الـرزق ، ورضي بـه انكـسرت حـواجـز الـشـك والقـلـق والتخـلـص ، مـن وساوس الشيطان وحـب التكاثـر، مـن أجـل استهلاك زائف والتمـتع في الـدنيا الفانية ، وأنه لا بـد مـلاق ربه ، قال الله تبارك وتعالى : “يا أيها الإنسان إنـك كادح إلى ربك كـدحا فـمـلاقـيه ” سـورة الانشقـاق 6 0
بـذلك فـقـط تصبح نفـسه عـزيـزة بإيمانها ، قـوية بعـزتها ، فـريـدة بـسـلـوكها ، لا تغـرها الـدنـيا ولا يعـيبها الطـمع ، حـيـث آمـنت بقـوله تعالى : “اعـلمـوا أنما الحياة الـدنيا : لعـب ولهـو وزينة وتـفـاخـر بيـنكـم ، وتـكاثـر في الأمـوال والأولاد كمـثـل غـيث أعجـب الكـفار نباته ، ثـم يهـيج فـتراه مصـفـرا ثـم يكـون حـطاما ، وفي الآخـرة عـذاب شـديد ومـغـفـرة مـن الله ورضـوان ، وما الحـياة الـدنيا إلا مـتاع الغـرور” سـورة الحـديد 20 .
واعـتـقـد النـجاح والـرزق بيـد الله عـزو جـل ، يقـول الله تعالى : “ومـن يتـق الله يجـعـل لـه مخـرجا ، ويـرزقـه مـن حيث لا يحتسب ، ومـن يـتـوكل عـلى الله فهـو حسبه إن الله بالغ أمـره قـد جـعـل الله لكل شيء قـدرا ” سـورة الطـلاق 2/3.
وقال الله تعالى : “ومـن يتـق الله يجـعـل لـه مـن أمـره يسرا . ذلـك أمـر الله أنـزله إلـيـكم ومـن يتـق الله يكـفـر عـنه سـيئاته ، ويعـظـم لـه أجـرا ” سـورة الطـلاق 4/5 .

إن الارتـباط بين التـقـوى والتـوكل ، وقـضاء الله وقـدره مـن ناحية ، وبين الـرزق مـن ناحية أخـرى، كـفـيـل أن يحـرر الإنسان مـن الخـوف ، مـن فـقـدان الـرزق ، ذلـك أن الـرزق قـد تـكـفـل به المـولى عـز وجـل ، حيـث قـال الله تعالى : “وما مـن دابة في الأرض إلا عـلى الله رزقـها ويعـلـم مسـتـقـرها ومستـودعـها كل في كتاب مـبين ” سـورة هـود 6 0
وليـس عـلى الإنسان إلا أن يأخـذ بالأسـباب ، التي أجـملتها الآية الكريمة في قـوله تعـالى : “إياك نعـبـد وإياك نستعـين ” ، ويعـتـقـد جازما أن الله وحـده صاحب الفـضـل في نـيـل هـذا الـرزق له ، وتأمينه مـن الخـوف أيا كان نـوعـه ، مـن مـرض أو جـوع أوعـد و أو نحـو ذلك ، ولا مهـرب مـن ذلـك كله إلا بالفـرار إلى الله ، قال الله تعالى : “فـفـروا إلى الله إني لكـم منه نـذيـر مبين . ولا تجـعـلـوا مـع الله إلـها آخـر إن لكـم مـنه نـذير مبين ” الـذاريات 50 /51 0
إن الإنسان الـذي يكـرم نفـسه حـق الاكـرام ، هـو الـذي لا ينسى نصيبه مـن الـدنـيـا ، ولكـنه وفي الـوقـت نفـسه لا ينسى نصيبه مـن الآخـرة ، فالآخـرة مـقـدمة كما قال الله تعالى : “وابـتـغ فـيـما آتـاك الله الـدار الآخـرة ، ولا تـنـس نصيـبك مـن الـدنيا ، وأحـسن كما أحـسن الله إلـيـك ، ولا تبـغ الـفـساد في الأرض إن الله لا يحـب المفـسـدين ” سـورة القـصص 77.
وتحصيـل نصيـب الآخـرة ، يكـون بالإنفـاق في سـبيـل الله ، وإخـراج الـزكاة والمـواساة للـفـقـراء والمساكـين ، وإغاثة الملهـوف ، ونحـو ذلك قال الله تبارك وتعالى : “آمـنوا بالله ورسـوله ، وأنـفـقـوا مما جـعـلـكـم مستخلـفـين فـيـه فالـذي آمـنوا مـنـكم وأنفـقـوا لهـم أجـر كـبير ” سـورة الحـديـد 7 0
نص القـرآن الكـريـم في مـواضـع عـديـدة ، عـلى تكـريـم الإنسان لأخـيه الإنسان بـوجـه عـام ، وجاءت السـنة النبـوية المطهـرة ، مـؤيـدة ومبينة لهـذا التكـريـم الـذي يشـمـل الناس جـمـيعـا ، والله عـزو جـل هـو القائـل : “لـقـد كان لـكم في رسـول الله أسـوة حسنة لـمـن كان يـرجـو الله واليـوم الآخـر وذكـر الله كـثيرا ” سـورة الأحـزاب 21 .
وقـد وصف الله رسـوله عـليه الصلاة والسلام بـقـوله : “وإنـك لـعـلى خـلـق عـظـيم ” الـقـلم 4 0 ووصـفه أيـضا بـقـوله : “فـبما رحـمة مـن الله لـنـت لـهـم ، ولـو كـنت فـظـا غـليـظ لانـفـضـوا مـن حـولـك فاعــف عـنهـم واسـتغـفـر لهـم وشـاورهـم في الأمـر فإذا عـزمـت فـتـوكل عـلى الله ، إن الله يحـب المتـوكـلـين ” سـورة آل عـمـران 159 ، فـشـمـل ذلك التكـريـم : الـرجـل والمـرأة ، والصغـير والكـبير ، والغـني والفـقـير ، والمريض والسليـم ، والمسافـر والمقـيـم ، والقـريب والبعـيـد ، والحي والميت ، وغـير ذلك مما يشـمله لفـظ إنسان أو آدمي ، إلا أن القـرآن الكـريـم ، والسنة النبـوية المطـهـرة قـد أكـدا في غـير مـوضـع عـلى أنـواع خاصة مـن هـذا التكـريـم ، لأنـواع خاصة مـن الناس ، اهـتماما بها وتـذكـيرا بما لها مـن حـقـوق عـلى المجـتـمـع الإنساني 0
وعـلى رأس قائمة الـذين ينبغي تكـريمهـم ، ورعايتـهـم الـوالـدان ، اللـذان جـعـل الله الإحسان إليهـما تاليا لعـبادته عـزو جـل ، مما يـدل عـلى عـظـيـم شـأن الـبر بهـما ، وتـكـريـمهـما يقـول الله تعالى : “وقـضى ربـك ألا تعـبـدوا إلا إياه وبالـوالـدين إحسانا ، إمـا يبلـغـن عـنـدك الكـبر أحـدهـما أو كـلاهـما ، فـلا تـقـل لهـما أف ، ولا تـنهــر هـما وقـل لهـما قـولا كـريمـا ، وأخـفـض لهـما جـناح الـذل مـن الـرحـمة ، وقـل رب ارحـمهـما كـما ربـياني صـغـيرا “الإسراء 23ــ 24 0
ويتسع نـطـاق هـذا التكـريـم ، ليشـمـل ذوي القـربى ، واليتامى والمساكـين الـذين قال الله في شـأنهم : “وإذ أخـذنا مـيثاق بني إسـرائـيـل لا تعـبـدون إلا الله وبالـوالـدين إحسـانا ، وذي القـربى واليـتـامى والمساكـين وقـولــوا للناس حسـنا ، وأقـيـموا الصـلاة وآتـوا الـزكاة ، ثـم تـولـيتـم إلا قـليـلا مـنـكـم ، وأنـتم معـرضون ” سـورة البقـرة 83 0 وقال عـزو جـل : “واعـبـدوا الله ولا تـشـركـوا به شـيئا وبالـوالــدين إحسانا ، وبـذي القـربى واليـتامى والمساكيـن والجـار ذي القــربى والجار الجـنـب والصاحـب بالجـنـب وابن السبيـل وما ملكـت أيمانكـم، إن الله لا يحـب مـن كان مخـتالا فـخـورا ” سـورة النساء 36 0
ومـن هـذا المنطـلـق الـرحـيـم ، ينطـلـق الإنسان في تكـريـم أخـيه الإنسان ، بالإحسان إلـيه وحسن الظـن به، وحـسن معـاملته والتعـامل مـعه بالـرقـة والشـفـقة والتسامح ، والتـواصي بالحـق والتـواصي بالصبر والتـواصي بالمرحمة0
وإلى أن نلـتـقي في لـقـاء آخـر أستـودعـكـم الله والسـلام عـليكـم ورحمة الله وبـركاته 0

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى