الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المكون الصوفي في الشخصية السودانية

المكون الصوفي في الشخصية السودانية

الخرطوم ـ أحمد حنقه:
لا شك أن عبارة (الشخصية السودانية) هي مثار جدل منذ أمد بعيد يرجع إلى حقبة الاستعمار الثنائي عندما رفع المتعلمون والمثقفون والسياسيون السودانيون شعار محاربة القبلية، والدعوة لقومية سودانية تتجاوز القبلية، وحول ذلك أنظر رد على عبد اللطيف، في محاكمته، على سؤال القاضي له عن قبيلته، وهو رد مشهور يحفظه حتى تلاميذ المرحلة الاولية. وانظر ايضاً الى نقد الشاعر والناقد حمزة الملك طمبل للذين ينادون في اشعارهم عن البيئة السودانية، ويفضل على اشعارهم اهزوجة الشيخ بابكر بدري التي وضعها لتلاميذ المرحلة الأولية والتي جاء فيها:
جاء الخريف وصبت الأمطار
والناس جميعاً للزراعة ساروا
هذا بمفرده وذاك بابنه
والكل في الحش السريع تباروا
ولعل هذه الوضعية (المأزومة) يعكسها بلا قصد الشاعر ابراهيم العبادي في تلك الاغنية الشهيرة التي ذاعت في تلك الحقبة والتي يقول مطلعها:
جعل دنقلاوي وشايقي شن فايداني
غير كلمة ندم خلت أخوى عاداني
خلوا نبانا يسري مع البعيد والداني
يبقى النيل أبونا والاسم سوداني
ولعل مدرسة (الغابة والصحراء) الشعرية تدخل في ذات السياق، بل وحتى تطلعات مصطلح (السودانيوية) الذي صكه الراحل أحمد الطيب زين العابدين يدخل في هذا الاطار، والي يومنا هذا لا يزال مصطلح (الشخصية السودانية) ملتبساً عند اكثر من يتناوله، بمن فيهم أولئك الذين هللوا وكبروا لانفصال الجنوب على الرغم من ان ذلك يوحد اهل السودان باعتبارهم جميعاً، او على الاقل، اغلبيتهم الغالبة من المسلمين، وكأنما المعتقد الديني هو نفسه (الشخصية) وهذا امر ان لم يكن بدافع من سوء الطوية فإنه السذاجة بذاتها!
ولإدراكنا بالتعقيدات التي تجتاح وتكتنف مسألة الشخصية، والتي هي من إشكاليات الهوية نفسها، فاننا نتحدث حول الشخصية السودانية (على العموم)، ونحاول إلقاء شيء من الاضاءة لقرب الصوفية من الوجدان السوداني خاصة وان الاسلام تسرب في هذا الوجدان بعيداً عن قعقعة السلاح و(ما كان ليستكن في وجدان اهل السودان لولا تعاليم الفقهاء المتصوفة الأول الذين وفدوا الى ديار الوثنية والمسيحية كدعاة مرشدين لا كغزاة فاتحين ولعل هؤلاء الرجال كانوا يدركون ما حاق بجيوش الفتح التي وفدت من الشمال لتخضع الناس للاسلام بحد السيف).
ولم يكن سبيل هؤلاء الرجال في نشر الدين إكراهاً حملوا به اهل السودان على النوافل بل مهاداة حببت الى قلوبهم الفروض.
ومع هذه الحسنى والمهاداة كانت التربية، وكانت القدوة. هذا هو المنهج الذي سار عليه الفقهاء. بل هذا هو الاساس الذي اقاموا عليه بنيات الاسلام في السودان، فدين الله متين لا يوغل فيه العارفون الا برفق. وقاد هذا الادراك الواعي لماهية الدين وطبيعة اهل السودان وعاداتهم الموروثة التي تواطأوا عليها والتي لا تخرج عن جوهر الدين وان جافت بعض احكام الشرع)! منصور خالد الفجر الكاذب – ص 304
ان الجيل الأول من الفقهاء الذين جاءوا الى البلاد من الخارج وفدوا الى ارض مسيحية ووثنية ، ونشأوا وعاشوا في دولة الفونج الذين لا مجال للقطع بأنهم من اصول عربية، وهناك رأي يقول انهم من نسل الزنج الذين غربهم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الى جزيرة لامو على ساحل المحيط الهندي فنزحوا منها الى السودان عبر الصومال وأثيوبيا، بل ان هناك من يقول من قبائل (اللوو) التي نزحت من فكتوريا نيانزا ومنها الشلك، أما دعوى النسب الى بني امية فترجع الى الظن السائد آنذاك بأن (الأمراء من قريش) فما من أمير الا وافتعل له نسباً قرشياً، بدءاً بالفرس الذين نسبوا انفسهم للسيدة فاطمة الزهراء، وصولاً الى سلاطين دارفور الذين انتسبوا الى العباس بن عبد المطلب، وحتى في عصرنا الحديث هذا نجد ان الملك فاروق ـ وهو الألباني الأصل ـ قد اصطنع له، او على الاصح اصطنعوا له نسباً قرشياً يصله زوراً بنبينا الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، كما ان معظم علماء الدين الشيعة في ايران لن نجد منهم إلا من يصل بنسبه الى آل البيت الكرام.
ونعود لنقول ان الدعاة والفقهاء الأوائل جاءوا الى السودان في عهد مملكة سنار كدعاة ومبشرين، وليس كغزاة فاتحين.
فجاءه أولاً ابراهيم البولاد، ومحمود العركي، وتاج الدين البهاري، والتلمساني المغربي، وأخذوا يعلمون الناس بالحسنى واللطف وبشيء من المداراة، الى ان نبع بينهم رواداً في التصوف مثل الشيخ عيسى ود بشارة، والشيخ محمد عيسى سوار الذهب، والشيخ بدوي ود أبو صفية ، كما تتلمذ على ايديهم علماء كان لهم فيما بعد دور بارز في الدولة المهدية مثل الشيخ جميل الله اول قضاة المهدي، والشيخ ابراهيم عبد الدافع اول مفتي في السودان.
وحتى محمد احمد المهدي ـ قبل المهدية ـ كانت دعوته دينية صوفية بحتة (وقد خلت من كل أثر للسياسة او محاولة تكوين طائفة دينية خاصة داخل إطار السمانية أو تكوين طائفة مستقلة عنها) ابو سليم – منشورات المهدية – (د).
ثم جاءت المهدية (سرية في مبدأ الأمر ثم معلنة للخاصة، ثم معلنة اعلاناً عاماً استعداداً لمعركة ابا القادمة. ويبدو واضحاً ان حركة المهدية جاءت امتداداً للدعوات السابقة وان العزم على الهجرة الى الرباط قد ظل مستمراً وان احلافاً قد عقدت مع عدد من زعماء شرق كردفان كالشيخ المنا اسماعيل، وموسى الأحمر، وعساكر ابو كلام، والشيخ سليمان للانضمام الى الحركة وقت مجيء المهدي إليهم. وقد سارت المهدية في هذا المسير وتحت مؤثرات صوفية عميقة حتى فتح الأبيض) المصدر السابق – المهدية (هـ).
وحتى في أقدم مناشير الدعوة المهدية يستعين المهدي في دعم دعوته بمحيي الدين بن عربي وكتابه (الفتوحاب الملكية)، وابن عربي هو من كبار واوائل الصوفية، بالاضافة الى الشيخ أحمد بن ادريس الفاسي وهو مؤسس الطريقة الادريسية التي انبثقت منها الطريقة (الختمية) المنتشرة في السودان والى حد ما في مصر والقرن الافريقي.
وكما نعلم فان كبار الصوفية ـ عدا الختمية ـ كانوا سنداً وركيزة راكزة للمهدية رغم خصوصية هذه الاخيرة، وانما كان عداء المهدية لأولئك العلماء المقربين من الحكم القائم آنذاك وقد اطلق عليهم المهدي وصف (علماء السلطان).
والمهم في الامر ان الشخصية السودانية (في عمومها) لا تنفك عن الصوفية، حتى وان كانت غير مسلمة، وفي ذلك قال احدهم ان في داخل أي سوداني قبة فقيه! وفي يومنا هذا نجد ان الشخصية السودانية هي الأكثر تأثيراً بالصوفية، وحتى ان الدعوة السلفية وربما الدعوة الشيعية ـ رغم الامكانيات المادية الكبيرة ـ فإنهما تجدان الكثير من العنت في الانتشار، بل ان هذا التأثير الصوفي على الشخصية السودانية يمتد حتى الى المجالات الابداعية وخاصة في مجال الشعر قديمه وحديثه، ونشير هنا الى محمد المهدي المجذوب (المولد) ومحمد عبد الحي (العودة الى سنار) ونحو ذلك كثير، وما احتفاء السودانيين بكتاب طبقات ود ضيف الله هذا الاحتفاء الشديد رغم ان الكتاب يضم الكثير من المبالغات والشطط الا أن ذلك يتجاوب الى حد كبير مع الوجدان السوداني.

إلى الأعلى