الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الرحمة…. صفة جامعة

الرحمة…. صفة جامعة

الرحمة كلمة حبيبة محببة، ولفظة محبوبة مطلوبة مرغوبة، الرحمة كلمة جميلة الشكل والمظهر، وعظيمة المعنى، والمضمون والمدلول، الرحمة صفة جامعة لكل خصال الخير، وصفات البر، وسمات الفضل، الرحمة من أجل الفضائل قدراً، ومن أعلى الفضائل شأناً، ومن أقوى الفضائل وأعمقها تأثيراً وأثراً في صلاح حال الفرد والأسرة، وفي حفظ كيان المجتمع والأمة، ويكفي الرحمة شرفاً وفخراً أن الله تعالى كتبها على نفسه، فقال: { كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } سورة الأنعام الآية”54″، ويقول تعالى: { قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } سورة الأنعام الآية”12″، وأضافها إلى نفسه سبحانه، فقال: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين بتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } سورة الأعراف الآية”156″، ومن أسمائه الحسنى الرحمن الرحيم، يقول تعالى:{ هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم } سورة الحشر الآية”22″، والقرآن الكريم شفاء ورحمة وهداية يقول تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ولا يزيد الظالمين إلا خساراً } سورة الإسراء الآية”82″، ويقول تعالى: { تلك آيات الكتاب الحكيم* هدى ورحمة للمحسنين* الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون* أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } سورة لقمان الآيات”2-5″، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، فقد قال عنه ربه تبارك وتعالى: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } سورة الأنبياء الآية”107″، وقال: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم } سورة التوبة الآية”128″، وقال: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } سورة آل عمران الآية”159″، ويقول تعالى عنه صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضي الله عنهم: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } سورة الفتح الآية”29″، ومن صور رحمته صلى الله عليه وسلم أنه إذا سمع صوت بكاء طفل خفف الصلاة شفقة به، ورحمة بأمه، وذات يوم كان صلى الله عليه وسلم يصلي فأطال في سجوده حتى ظن الصحابة أنه قُبض، فلما انتهى من الصلاة سألوه عن سبب إطالته في السجود، فقال صلى الله عليه وسلم: ” إن ابني هذا وأشار إلى الحسن أو الحسين قد اعتلي ظهره، فكرهت أن أرفع حتى يقوم “، وذات يوم دخل عليه صلى الله عليه وسلم الأقرع بن حابس وهو يقبل الحسن، فقال الأقرع: لي عشرة من الولد ما قلت واحداً منهم قط، فقال صلى الله عليه وسلم: ” من لا يَرحم لا يُرحم ” وهذا خريج مدرسة النبوة وجامعة الرسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أولاده يلعبون على بطنه وهو مستلق على ظهره، فدخل عليه ذات يوم أحد عماله، فكأنه استنكر مار رأى، فأحس عمر منه ذلك، فقال له كيف أنت مع أهلك وولدك؟، فرد عليه الرجل قائلاً: يا أمير المؤمنين إنني إذا دخلت بيتي سكت الناطق، فقال له عمر رضي الله عنه: اعتزل عنا، فإن لم تكن رحيماً بأهلك وولدك، فكيف تكون رحيماً بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟، لقد جعل الله تعالى في النواة الأولى للمجتمع البشري المودة والرحمة بين الزوجين، فقال: { ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } سورة الروم الآية”21″، ويقول النبي صلى الله عليه: ” جعل الله الرحمة مائة جزءاً، فأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه “. نعم لولا رحمة الله العامة الشاملة؛ لعاشت الإنسانية بأسرها في عنت وبؤس، وفي شقاء ومعاناة، فالله تعالى يتولانا برحمته ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، ويتولانا برحمته ونحن نعيش في هذا الحياة على ظهر الأرض في مختلف مراحل العمر، ويتولانا رحمته ونحن في باطن الأرض في قبورنا، ويتولانا برحمته في ساحة العرض عليه يوم الفزع الأكبر. فمن رحمته تعالى بنا أن سخر لنا جميع ما في الكون لننتفع به، وأكرمنا بالإسلام الذي أخرجنا به من الظلمات إلى النور، ومن رحمته تعالى بنا أنه يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إل سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء يقول تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } سورة البقرة الآية”261″، ومن رحمته تعالى بنا أنه فتح لنا باب التوبة من جميع الذنوب مهما عظمت وتعددت، وجعله مفتوحاً بالليل والنهار حتى الغرغرة، يقول سبحانه: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور رحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون { سورة الزمر الآيتان”53-54″، ومن رحمته تعالى بنا أنه يعفو عن الصغائر التي نقترفها ويتجاوز عنها؛ إذا اجتنبنا الكبائر، يقول تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً } سورة النساء الآية”31″، ويقول تعالى: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة } سورة النجم الآية”32″، فالصغائر تكفر إضافة إلى اجتناب الكبائر عدم الإصرار عليها؛ لأن الصغيرة بالإصرار عليها تتحول إلى كبيرة، وفي هذا المعنى يقول ابن عباس رضي الله عنهما: ” لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار”، ومن رحمة الله تعالى بنا أنه يبدل بالتوبة النصوح السيئات إلى حسنات، يقول تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم وحسنات وكان الله غفوراً رحيماً } سورة الفرقان الآية”70″، فالرحمة مطلوبة من كل مسلم مع المسلمين، وغير المسلمين، بل مع الحيوان والطير والنبات والجماد والبيئة كلها، والرحمة حقيقتها رقة في القلب، ودليل وجودها فيه ترجمتها على الواقع؛ لأن ما استقر في القلب فاض على الجوارح، فالرحمة لدى الإنسان لها جانبان جانب داخلي ويتمثل في تأثر القلب وانفطاره، وعامل خارجي ويتمثل في ما يقدمه الإنسان لغيره من مساعدة وعون وعطف، فالإنسان الذي لا يتأثر بمناظر ومشاهد البؤس والفقر والحرمان والمرض، ولا يتألم بصور ضحايا البغي والظلم والعدوان من قبل الإنسان للإنسان، فإنه إنسان فظ الجانب، غليظ الطبع، قاسي القلب، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض “.

د يوسف السرحني

إلى الأعلى