الخميس 17 أغسطس 2017 م - ٢٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كيف يمكن هزيمة داعش؟

كيف يمكن هزيمة داعش؟

” .. في الوقت الذي يعد وقوع ضحايا بشكل غير مقصود في الحرب امر يؤسف له، فان الضحايا غير المقصودة التي ترتبط بالغارات الجوية لا تقارن بالاعمال الوحشية التي يرتكبها داعش. فما هو المنطق وراء السياسة التي تقيد استخدام القوات الجوية لتجنب احتمالية وقوع اضرار مصاحبة في الوقت الذي تسمح فيه تلك السياسة بشكل يقين لداعش بارتكاب جرائم ضد الانسانية؟”
ـــــــــــــــــــــــــــ
تعكس التعليقات الاخيرة لوزير الدفاع الاميركي اشتون كاترين بشأن كفاءة الجيش العراقي حقيقة انه على الرغم من سنوات من التدريب على أيدي الاف من القوات الاميركية وقوات التحالف، فان الجيش العراقي غير قادر على صد هجوم لما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية (داعش). وبناء عليه فما الذي يجعل أي احد يعتقد انه بعد عدة اشهر اخرى من التدريب المماثل سوف يحقق نجاحا؟
مع ذلك، يتعين علينا الا نخلط بين اهداف العراق ومصالح الامن القومي الاميركي الحيوية. فعلى الرغم من ان الاثنين يمكن ان يتداخلان، الا انهما ليس نفس الشيء. فكل منهما يتطلب مقاربة استراتيجية وعسكرية وسياسية خاصة به. فمن المنظور الاميركي، ليس الهدف الاهم هو الحفاظ على الحكومة العراقية بل تدمير داعش.
يتبع التحالف الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة نموذج مكافحة التمرد المستخدم في العراق وافغانستان منذ اكثر من عقد من الزمن، غير ان تنظيم داعش ليس تمردا. بل هو حكومة ذات سيادة معلنة. وعلينا ان نتوقف عن محاولة خوض الحرب الاخيرة أي مكافحة التمرد وتطوير استراتيجية جديدة.
يمكن شل داعش عن طريق حملة جوية شاملة وقوية مصممة من أجل: 1) وقف تمدده، 2) شل وعزل قدرته على القيادة والتحكم، 3) تقويض قدرته على السيطرة على الاراضي التي يحتلها، 4) شل قدرته على تصدير الارهاب.
غير انه لانجاز تلك الاشياء، يجب ان تنفذ القوات الجوية ما يشبه بالعاصفة الرعدية وليس الرذاذ. في الحملة ضد داعش، فان متوسط الغارات الجوية يبلغ 12 غارة في اليوم. في حين كان متوسطها خلال عملية عاصفة الصحراء في العراق والكويت في عام 1991 هو 1241 وفي عملية قوات التحالف في كوسوفو في 1999 بلغت 298 وفي الـ30 يوما الاولى من عملية تحرير العراق في 2003 بلغت 691 غارة وخلال عملية الحرية الدائمة في افغانستان في 2001 بلغت 86 غارة.
في العقدين الاخيرين، تم تحقيق عدد من الانتصارات الاستراتيجية عن طريق القوات الجوية العاملة بجانب القوات البرية المحلية ـ ولم يكن أي منها أفضل من الجيش العراقي. فمن خلال القوات الجوية القوية بجانب قليل من المراقبة الجوية، حقق تحالف الشمال انتصارا على حركة طالبان باقل كلفة ممكنة في الدماء والاموال بالنسبة للولايات المتحدة. وفي البوسنة وكوسوفو وليبيا تم استخدام غارات جوية بشكل مماثل وبزيادة كبيرة عن الغارات التي يتم استخدامها ضد داعش.
مما يعقد محاولة هزيمة داعش هو التركيز المبالغ فيه على تجنب الاضرار الجانبية والاصابات. ففي الصراع المسلح يضع الجيش قواعد الاشتباك المصممة لموازنة الواجب الاخلاقي مع تقليل الاضرار والاصابات غير المقصودة باقل ما يمكن مقابل ما هو مطلوب لإنجاز المهمة. وقد افادت تقارير مؤخرا من قبل طيارين يقاتلون بالفعل ضد داعش ان القواعد الحالية تفرض قيودا مبالغ فيها بشكل يجعلها تعمل لصالح العدو. حيث أن مجموعة الاجراءات المملة وغير الضرورية المعمول بها تسمح لداعش باستغلال رغبتنا في تجنب وقوع ضحايا مدنيين في ان يرتكب التنظيم مذابح على الارض.
لدينا افضل طيارين مهنيين وافضل طائرات مقاتلة في العالم. وتتمثل افضل طريقة لتحسين كفاءة قواتنا مع الاستمرار في تقليل الاضرار الجانبية والاصابات لاقل ما يمكن تتمثل في السماح لهم باستعمال تقديراتهم وقراراتهم. وهذا ما يطلق عليه “قيادة المهمة” ويجب على وزارة الدفاع الاميركية (البنتاجون) ان تمكن طيارينا من عمل ذلك.
ان اسرع طريقة للقضاء على وحشية الحرب هو القضاء على مصدرها ـ والذي يتمثل في داعش في هذه الحالة ـ في اسرع وقت ممكن. فقد قوض التدرج كفاءة القوات الجوية في الحملة الجوية”الرعد المتدرحرج” في الفترة من 1965 الى 1968 إبان حرب فيتنام. وتزيد المقاربة المتدرجة الحالية من المعاناة وتزيد من الخسائر في ارواح الابرياء. وفي الوقت الذي يعد وقوع ضحايا بشكل غير مقصود في الحرب امر يؤسف له، فان الضحايا غير المقصودة التي ترتبط بالغارات الجوية لا تقارن بالاعمال الوحشية التي يرتكبها داعش. فما هو المنطق وراء السياسة التي تقيد استخدام القوات الجوية لتجنب احتمالية وقوع اضرار مصاحبة في الوقت الذي تسمح فيه تلك السياسة بشكل يقين لداعش بارتكاب جرائم ضد الانسانية؟
لا يجب ان تكون هذه حرب طويلة، كما يدعي اولئك الذين تستفيد سياستهم من هذا التأكيد اضافة الى اولئك الذين تتجذر خبرتهم في مكافحة التمرد. فعمليات مكافحة التمرد في العراق وافغانستان استمرت لثمان سنوات في الاولى و14 سنة في الاخيرة. واستمرت عاصفة الصحراء 43 يوما وعملية القوة المدروسة في البوسنة 22 يوما وقوات التحالف 78 يوما واستغرقت المرحلة الحاسمة من عملية الحرية الدائمة 60 يوما. ان حملة جوية قوية يمكن ان تدمر داعش الى الدرجة التي يمكن عندها للقوات العراقية والكردية ان تقضي على احتلاله.
فلنتوقف عن التقييد غير الضروري لميزتنا غير المتكافئة ونستمر في مهمة تدمير داعش باسرع ما يمكن عن طريق الاستخدام الامثل للقوات الجوية. ان اعداء اميركا يستغلون انسانيتنا لفرض ارهابهم. آن الأوان لتغيير الاستراتيجية.

ديفيد ديبتولا* لواء متقاعد في القوات الجوية الأميركية و
عميد معهد ميتشيل لدراسات الفضاء، خدمة واشنطن بوست ـ بلومبيرج نيوز خاص”الوطن”

إلى الأعلى