السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العنصرية والإرهاب

العنصرية والإرهاب

” لا معنى هنا لتكرار التشكي الذي ينم عن ضعف من أن الغرب يكيل بمكيالين وينظر للآخرين، ومنهم العرب والمسلمون، على أنهم أدنى وغير ذلك. إنما فقط من المهم التنبيه إلى أن تلك المحاولات التي برزت في الإعلام الأميركي تتساءل: لماذا لا يسمى ما جرى في شارلستون إرهابا؟ لا تعني تغيرا في هذا النهج ولا بداية انتفاء نزعات النازية والفاشية من الثقافة الغربية عامة.”
ـــــــــــــــــــــــــ
أثار الهجوم الإرهابي الذي شنه أميركي على المصلين في كنيسة للسود بمدينة شارلستون بساوث كارولينا جدلا خجولا في الإعلام الأميركي حول تسمية ما حدث “إرهابا”. وربما تكون تلك المرة الأولى التي يثار فيها هذا الجدل من منافذ إعلام رئيسية، وليس بعض الجماعات خارج السياق العام التي لها مواقف بعيدة عن مواقف المؤسسة. لكن ذلك في الواقع لا يعني أن الإعلام الأميركي ـ الرئيسي منه بالتحديد ـ والذي يعكس المزاج العام الغالب ويسهم في تشكيله في آن على وشك التغير أو الخروج من قمقم العنصرية والتحيز. ذلك ببساطة لأن هذا الإعلام، والأميركيين في الأغلب بل والغرب عموما، يرون الآخر بشكل مختلف. لهذا سئمنا من الحديث عن “الكيل بمكيالين” في كل ما يتعلق بمنطقتنا وبشعوب ودول العالم الأخرى غير الغربية والقوية.
تزامن حادث شارلستون، الذي قتل فيه إرهابي أميركي أبيض عددا من المصلين وقسا في الكنيسة التي يرتادها السود الأميركيون في المدينة، مع حادث اشعال إرهابيين صهاينة النار في كنيسة أثرية قرب مدينة طبرية وخطوا على بابها شعارات عنصرية بالعبرية. وما الاحتلال الصهيوني في فلسطين إلا “نتوء” أوروبي أساسا في منطقتنا، فكل ما ينطبق على الأميركيين والأوروبيين ينطبق عليه تماما. فكم من إرهابي صهيوني (غالبا أيضا أبيض من اليهود الاشكيناز المتطرفين) أحرق مسجدا في فلسطين أو قتل مدنيين مسالمين لتخرج سلطات الاحتلال بتبرير له أنه “مضطرب نفسيا” أو “مختل عقليا”؟ وأكثر ما يمكن الاعتراف به أنه “متشدد”! هذا بالضبط ما حدث مع الإرهابي الأميركي الذي هاجم كنيسة شارلستون، فالتوصيف الرسمي أنه “ربما كانت لديه أفكار عنصرية”.
ما يدعو للسخرية، أن الغرب الذي وصف الإرهاب بأنه تعد على المدنيين لأهداف سياسية لا يستطيع أن يقبل بهذا التوصيف إلا إذا انطبق على “الآخر”، لكن العنصرية ـ حتى لو كانت مستترة وتتخفى بالحذر من القانون ـ تأبى على هؤلاء أن يعترفوا بأن لديهم إرهابا لا يختلف كثيرا عن إرهاب أبناء منطقتنا أو غيرها. نعم، قد لا يكون الإرهاب الأميركي أو الغربي مغلفا بستار الدين لكن رأس حربة هذا “العالم الأول” في منطقتنا تصر على أنها “دولة يهودية” بما لا يجعلها تختلف عن داعش والقاعدة وغيرها من جماعات الإرهاب عندنا. أما الإرهاب في أوروبا وأميركا الشمالية فقد اكتفى بتصدير النموذج الصهيوني لنا، ولعل أفضل من سبر غور هذه المسألة هو المفكر المصري الراحل د. عبد الوهاب المسيري في .دراساته المختلفة وما تضمنه عمله الخالد “موسوعة المصطلحات والمفاهيم الصهيونية”.
حين يهاجم مهاجر روسي في السويد مثلا نساء مسلمات محجبات (من أصل عربي أو افريقي) ويكاد يقتلهن فلا يسمى الغرب ذلك إرهابا، وإنما يوصف الإرهابي الأبيض بأن لديه ميولا عنصرية أو أحيانا ـ وللسخرية المرة ـ معاد للهجرة (مع أنه هو نفسه مهاجر، لكن الهجرة يقصد بها “الآخر” غير القوقازي الأصل). هل يرى أحد خلافا بين هذه النظرة وهذا التوجه وما كانت عليه نازية هتلر وفاشية موسوليني؟ تلك النزعات لم تنته تماما من أوروبا، وما فعل النظام والحداثة سوى أن أبقاها تحت ستار من “الخوف من القانون”. ويعرف كل من يعيش في الغرب كيف أن هذا التوجه المستتر أكثر ايذاءً، خاصة مع تغليفه بلمسة من يتعامل مع “الآخر” وكأنه كائن دونه يستحق أن يعامل كما يعامل هؤلاء حيواناتهم الأليفة.
لا معنى هنا لتكرار التشكي الذي ينم عن ضعف من أن الغرب يكيل بمكيالين وينظر للآخرين، ومنهم العرب والمسلمون، على أنهم أدنى وغير ذلك. إنما فقط من المهم التنبيه إلى أن تلك المحاولات التي برزت في الإعلام الأميركي تتساءل: لماذا لا يسمى ما جرى في شارلستون إرهابا؟ لا تعني تغيرا في هذا النهج ولا بداية انتفاء نزعات النازية والفاشية من الثقافة الغربية عامة. هي فقط جزء من عملية اثبات تفوق يعزز تلك العنصرية الكامنة والتي تعبر عنها أفعال وسلوكيات جماعية وسياسات دول وكتل. المسألة ببساطة تكاد تشبه “نحن في الغرب من التقدم والتطور حد أننا نناقش عيوبنا ولا نخجل من انتقاد أنفسنا” ـ أليسوا هم “النوع الأرقى” بالتوصيف النازي؟!
أظن أننا في منطقتنا أكثر اتساقا مع أنفسنا، ليس فقط باعترافنا بأن بيننا من يرتكب الإرهاب بل إننا نواجه ذلك بوضوح وقوة. ليس فقط من أجل تنقية صورة دين الأغلبية (بذات الطريقة البيوريتانية التي يتبعها الغرب مع فكرة تفوقه) وإنما أيضا لاتقاء شر هذا الإرهاب واجتثاث جذوره. ولا تقتصر مواجهتنا على الفكر والدعوة وإنما تصل إلى أقصى أشكال المواجهة بالتصدي للإرهابيين بالقوة. وليس في هذا ادعاء فضل أو تميز، بل هو تقرير واقع ببساطة. فقد أدى الشحن الغربي بأننا “إرهابيون متخلفون غير حضاريين” إلى ردة فعل أقوى في مواجهة عيوب تبرز من بيننا فعلا. وهل هناك أدل على ذلك مما نحن فيه في شهر الصيام والعبادة من قتال وصراع فيما بيننا؟!

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى