الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / استعادة لنقاشات باتت حاضرة

استعادة لنقاشات باتت حاضرة

علي بدوان

تستعيد الساحة الفلسطينية، بل والعربية نقاشات طويلة طالما احتدمت في مراحل سابقة من عمر المقاومة الفلسطينية المعاصرة. وهي نقاشات متعددة برزت، برز فيها ما يتعلق بتحديد الأهداف الآنية التكتيكية للنضال الوطني الفلسطيني والأهداف الاستراتيجية، خصوصًا بعد العام 1968 عندما طرحت حركة فتح رؤيتها ومشروعها لبناء دولة ديمقراطية علمانية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وتزاحمت النقاشات إياها بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 عندما وقع التحول المفصلي الأول، فبدأ الحديث يتواتر عن إمكانية تحقيق تسوية في المنطقة انطلاقًا من القرار 242، وبناء دولة فلسطينية فوق الأرض المحتلة عام 1967. ولكن التحول المفصلي الثاني الجديد في الرؤية والنقاشات بدأ بعيد الانتفاضة الفلسطينية الأولى الكبرى، التي اندلعت شراراتها من مخيم جباليا في قطاع غزة أواخر العام 1987، فتصاعد الجدل الداخلي الفلسطيني الذي تغذى وزاد منسوبه بانطلاق الحركة الإسلامية في فلسطين واندماجها في العمل المباشر ضد الاحتلال تحت راية حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتين تحمل كلًا منهما برنامجًا متطابقًا في رؤيته العامة والاستراتيجية، ويدعو لبناء الكيان الفلسطيني على كامل أرض فلسطين التاريخية كامتداد للأمة الإسلامية، انطلاقًا من أن فلسطين (أرض وقف إسلامي لا يحق لأحد، كائن من كان، بالتنازل عن شبر منها).
فقد بدا من حينه وإلى الآن، أن ثلاثة نماذج تسووية شكلت ما يمكن أن نسميه (برنامج) للحل الفلسطيني، وإن بدت هذه النماذج مختلفة في الكثير من التفاصيل إلا أنها تتقاطع أيضًا مع بعضها عبر الرؤية البعيدة التي تنادي بفلسطين الكاملة وطنًا حرًّا وأبديًّا للشعب الفلسطيني. والنماذج الثلاثة هي “حل الدولة الديمقراطية” العلمانية الموحدة على كامل أرض فلسطين التاريخية، وحل الدولة الواحدة، وحل الدولتين.
حل الدولة الديمقراطيــــــــــة
بدأت حركة فتح عبر أدبياتها ومنذ انطلاقتها فجر الفاتح من كانون الثاني/يناير 1965 بالحديث عن تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني. وقدمت بدايات العام 1968 دعوتها لإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية موحدة.
أما مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية الموحدة، فكان قد طرح من قبل بعض القوى اليسارية عام 1969، وهو في حقيقته يشكل في جذره الأساسي برنامج الجناح التجديدي من الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) الذي بات منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي بأغلبية عربية بعد أن خرج منه الجناح الصهيوني بقيادة شموئيل ميكونيس تحت اسم (سياح). ومن المنطقي القول بأن برنامج الدولة الديمقراطية العلمانية الموحدة يتلاءم وينسجم مع فلسفة حزب راكاح الاجتماعية وجذوره الطبقية، باعتباره يضم عربًا ويهود داخل حدود العام 1948. وأضحى في حينه الكاتب الفلسطيني والأديب إميل حبيبي عضو المكتب السياسي لحزب راكاح دائم الحضور في أدبيات فصائل اليسار الفلسطيني في عقد أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن المنصرم. لكن التطورات التي أعقبت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 دفعت حزب راكاح وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية لبناء رؤية جديدة وإعادة إنتاجها عبر تبني مفهوم المرحلية في النضال الفلسطيني، وتحديد الأهداف الكفاحية للنضال الوطني الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة فوق الأرض المحتلة عام 1967، والذي ما لبث أن أصبح برنامجًا رسميًّا تبنته منظمة التحرير الفلسطينية بالدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في القاهرة في أيار/ مايو 1974. ولكن الخلاف بين رؤية راكاح وباقي فصائل المنظمة أن حزب راكاح بات يتحدث عن حل الدولة الفلسطينية فوق الأرض المحتلة عام 1967 كهدف نهائي للنضال الوطني الفلسطيني مسقطًا قضية حق العودة، وهو أمر انعكس على الحزب وفعالياته وحضوره داخل الوسط العربي في فلسطين المحتلة عام 1948، حيث وقعت تطورات إضافية دفعت باتجاه صعود الصوت العربي وانطلاقة الأحزاب العربية الصافية، بما في ذلك الحركة الإسلامية داخل مناطق 1948 بشقيها الجنوبي والشمالي.
حل الدولتيـــــــــــــــن:
وفي هذا السياق من الانتقالات التدريجية، بدأ يتبلور مفهوم حل الدولتين منذ أواخر العام 1988، وتحديدًا بعد الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني التي عقدت في الجزائر وكانت الانتفاضة الفلسطينية في أوج تصاعدها، فتم طرح مشروع حل الدولتين استنادًا لقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو أمر تحفظت عليه غالبية قوى وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ولم تصوت إلى جانبه سوى حركة فتح ذات الأغلبية في المجلس الوطني ومعها جماعة حواتمة والحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب الفلسطيني حاليًّا)، بينما اتخذت كلًّا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير الفلسطينية، وجبهة التحرير العربية موقفًا رافضًا للمشروع، وغابت عن أعمال المجلس في حينها كما هو معروف كلًّا من الجبهة الشعبية/القيادة العامة، ومنظمة طلائع حرب التحرير الشعبية (قوات الصاعقة). وقد أخذ مفهوم حل الدولتين بالتبلور أكثر فأكثر بعد الخطاب التاريخي الذي ألقاه ياسر عرفات في دورة أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي التأمت في جنيف بعد أن رفضت الولايات المتحدة إعطاء تأشيرة دخول لياسر عرفات، وفي الخطاب المذكور أعلن ياسر عرفات قبوله بالشروط الثلاثة المعروفة، ودعا بعد إعلانه قبولها دعوته لحل الدولتين. وللدقة والموضوعية فإن مجموعة حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني (فدا) التي كانت قد انشقت عن مجموعة حواتمة أوائل العام 1990 كانت الطرف الأول الذي بدأ بالترويج لمصطلح “دولتين لشعبين” عبر تعاميمها السرية التي كانت توزعها داخل تنظيم حواتمة قبل أن تتبلور كحالة تنظيمية وسياسية خرجت لاحقًا من جسم جماعة حواتمة. وفي تلك الفترة لم تكن حركة حماس قد بلورت مفاهيمها السياسية البرنامجية الآنية، سوى برنامجها العام الذي يقول بفلسطين وقف إسلامي.
وينطلق المتحفظون على مشروع حل الدولتين من قوى التيار القومي واليساري وحتى من بعض الجهات داخل حركة فتح من واقع أن هذا الحل يعني بشكل أو بآخر تنازل عن أكثر من (80%) من أرض فلسطين التاريخية. وشطب حق العودة الذي يمثل جوهر قضية فلسطين. وأن حل “دولتين لشعبين” يعني التفاوض على نسبة الأراضي التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية، وهنا يكمن الخطر الذي فتح شهية “تسيبي ليفني” زعيمة حزب كاديما لتقول: “الدولة الفلسطينية لجميع الفلسطينيين” ليصير الهدف من دولتين لشعبين التخلص المواطنين العرب الذين بقوا صامدين فوق أرض وطنهم بعد عام النكبة، وباتت أعدادهم تفوق مليون وأربعمئة ألف نسمة، وبالتالي الوصول إلى دولة يهودية خالصة.
وكما هو ملاحظ بالنسبة لحل الدولتين، فإن الحل يكاد يبدو مستحيلا بالشروط الأميركية والإسرائيلية، إذ لا تريد كل منهما إعطاء الفلسطينيين القدس، ولا الرجوع لحدود العام 1967 ولا تفكيك المستعمرات، بل هم يريدون دولة اسمية للشعب الفلسطيني بدل الحقوق، وليس دولة بحقوق (أكثر من حكام ذاتي بقليل وأقل من دولة بكثير) مع شطب حق العودة الذي يشكل لباب القضية الفلسطينية وعنوانها الأساس.
حل الدولة الموحدة:
بدأ الحديث عن حل الدولة الواحدة التي يحلو للبعض بتسميتها “الدولة الموحدة ثنائية القومية” في السنوات الأخيرة، من قبل بعض المثقفين الفلسطينيين واليهود داخل المناطق المحتلة عام 1948، ومن قبل بعض المثقفين الفلسطينيين في الشتات في سوريا والولايات المتحدة بشكل رئيسي. منطلقين من أن الوقائع على الأرض باتت تحفر أخاديدها، وأن الغالبية الساحقة من سكان الدولة العبرية من اليهود باتوا من مواليد فلسطين وبالتالي لم يعد أمامهم من موطن سوى مكانهم الراهن، الذي يفرض عليهم وعلى الفلسطينيين البحث عن حل عادل يتمثل بدولة موحدة لشعبين (بالرغم من التحفظ على كلمة شعبين، حيث لا تنطبق على اليهود في فلسطين كلمة شعب وإلا فنحن نخالف منطق الأشياء). وفي ذروة العدوان الصهيوني على قطاع غزة، وتحديدًا يوم الثالث عشر من كانون الثاني/يناير2009 أعلن تجمع للمثقفين يضم فلسطينيين مقره مدينة بوسطن عن نية عقده “مؤتمر دولي” لبحث مدى واقعية (حل الدولتين .. في فلسطين و”إسرائيل”) والمطالبة بدولة واحدة وفق قاعدة “مواطنة متساوية للفلسطينيين والإسرائيليين”، ودعي عدد من محاضرين جامعيين في الولايات المتحدة وغيرها للإسهام في النقاش بأوراق بحثية تتخذ الطابع الأكاديمي، منهم عرب ويهود و”إسرائيليون” والتأم عقد المؤتمر طيلة يومي (29 -30 آذار/مارس 2009). تجدر الإشارة إلى أن عددًا لا بأس به من المساهمين بأوراق “أكاديمية” في مؤتمر بوسطن قد تمت دعوتهم للمشاركة في ندوة يرعاها “معهد كارنيجي للسلام” بواشنطن بعد يومين من انفضاض مؤتمر بوسطن، لبحث آفاق “الدولة الواحدة”. وبالنسبة لمعارضي فكرة الدولة الواحدة فينطلقون من قناعتهم بأن طرح هكذا مشروع يجلب خسارة للنضال الفلسطيني بعد أن أصبح مطلب الدولة المستقلة فوق أراضي العام 1967 موضع إجماع دولي، وأن المجتمع الإسرائيلي الصهيوني غير جاهز أصلًا لهكذا حل. بينما تنطلق حماس والجهاد الإسلامي في رفضها المشروع من موقع رفضها المساس بإسلامية الأرض وعروبتها.

إلى الأعلى