الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنسان قيمة تربوية!

الإنسان قيمة تربوية!

جواد البشيتي

الإنسان لا يُوْلَد ضعيفًا؛ وإنَّما يُصْبِح ضعيفًا؛ فظروف عيشه السيئة التي وَجَدَ نفسه فيها، ولم يُرِدْها أو يخترها أو يرغب فيها، هي التي تجعله ضعيفًا، وتجعل للأقوياء سلطانًا عليه، مع أنَّ تغييره لها بما يجعلها أفضل له، أو أقل سوءًا، ليس بالأمر المتعذَّر أو المستحيل.
هؤلاء المستضعفون يصارِعون من أجل البقاء بأسلحة بعضها من قبيل التفريط في أشياء يكفي أنْ يُفرِّط فيها أي إنسان حتى يَفْقِد إنسانيته، أو آدميته؛ فإنَّها الخرافة بعينها أن تتوقَّع ازدهارًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا لمجتمع عَمَّه الفقر بشروره كافة.
في ما يخصُّ هؤلاء البشر ليس في وسعي إلاَّ أنْ أقول كان الله في عونهم؛ لكنَّ ثمَّة بشرا، وفي مجتمعنا، يُشْبِهون أولئك، لجهة خواصِّهم الإنسانية والأخلاقية، مع أنَّ ظروف عيشهم أفضل بكثير، وتسمح لهم بأنْ يحيوا حياتهم بكثير من الكرامة والكبرياء وعزَّة النفس .. والقوَّة بكل معانيها الإنسانية والأخلاقية. إنَّ هؤلاء المتخلِّقين بأخلاق العبيد، وهم ليسوا بعبيد لجهة ظروف عيشهم، يستحقُّون اللعنة والازدراء، وغير جديرين بأنْ تشفق عليهم، أو تَجِدَ لهم أعذارًا.
إنَّهم أُناس يُوْصَفون، عادةً، بأنَّهم “ضعاف النفوس”، وتستبدُّ بهم “ثقافة” مدارها قيم ومبادئ من قبيل “لا خلاص إلا الخلاص الفردي، فاسعَ فيه، وإيَّاكَ أن تسعى في الخلاص الجماعي”؛ “اسْعَ في خطب ودِّ رئيسكَ، وولي نعمتكَ، ولو بما يعود بالضرر على رفاقِك”؛ “داهِن ذوي السلطان، وجاهِد في سبيل الفوز برضاهم، فقد تصبح مثلهم”.
وتُصَوَّر هذه الثقافة” المنتشرة في مجتمعاتنا على أنَّها “الحِكَم” التي لا يستنكف عن الأخذ بها، والعمل بمقتضاها، إلا كل أخرق عديم الطموح، ارتضى العيش أبد الدهر بين الحُفَر.
لعلَّ من أجمل الأقوال الشعرية للمتنبي قوله: “وتصغر في عين العظيم العظائم، وتعظم في عين الصغير الصغائر”!
و”العظيم” من البشر أو “الصغير” هو في الأصل والأساس عظيم أو صغير بالمعيار “التربوي”، فبحسب التربية التي يتلقاها الإنسان تتحدد طبيعة وخصائص علاقته ببيئته في تبدلها المستمر.
و”التربية”، في معنى من معانيها الكثيرة، هي “التجربة” إذا خرج منها الإنسان بالدروس والعبر، فلا قيمة للتجربة التي نخوضها أو نتعرض لها إذا لم تتمخض تربويا عن نتيجة كهذه، فالذي في عقله ضعف هو الذي يخوض التجربة ذاتها غير مرَّة وكأنَّه لم يخضها من قبل!
ونحن نقف على القيمة التربوية للإنسان في طريقة مواجهته مشكلات ومصاعب الحياة، وفي كيفية نظره إلى الأمور؛ ووزنه لها، وحكمه عليها؛ فرُبَّ مشكلة تافهة تقصم ظهر إنسان، ورُبَّ مشكلة كبرى تزيده قوة وصلابة.
والإنسان في مجتمعاتنا لا يتلقى من التربية إلا ما يجعله أقل قدرة على التكيُّف مع ما يطرأ على بيئته الاجتماعية من تغييرات، وعلى أن يسلك سلوكا يُعبِّر عن فهم صحيح لحقائق الحياة، فيظهر، عندما يقع في مشكلة ولو كانت تافهة، على أنَّه ضعيف الإرادة، مستسلم منقاد، سلبي في الإحساس والتفكير والعمل، وكأنَّ مشكلات الحياة يمكن أن تحل بالإهمال والنسيان وما يشبه الدعاء أو بقدرية يستصغر فيها نفسه ودوره وإمكاناته.
ويكتشف الإنسان مواطن الضعف والقوة في بنيته التربوية عندما يجد نفسه، فجأة، في بيئة اجتماعية جديدة لم يألفها من قبل، وتخلو من تلك القوى الاجتماعية التي كانت تمد له يد العون والمساعدة، وتُشْعِره بأنَّه في عيش سهل لا ينغِّصه منغِّص.
في هذه الحال فحسب، يكتشف الإنسان نفسه بنفسه، ويتعرف إلى وزنه الحقيقي، مختبرا نظرته القديمة إلى نفسه في كل ما انطوت عليه من أوهام وحقائق، فرُبَّ شخص ينظر إلى نفسه على أنَّه نابليون بونابرت، ويتوقع أن يعامله الناس على هذا الأساس. إنَّ هذا الشخص لن يغتسل، عقلا وشعورا، من هذا الوهم إلا عندما يختبره حيث تختبر كل الأوهام، وعندما يتمكن، في الوقت نفسه، من أن يخرج من تجاربه بالدروس والعبر التي ينبغي له الخروج بها إذا ما أراد أن يكون ابن الواقع، تفكيرا وشعورا وسلوكا.
والحياة، في الطريقة التي فيها نعيشها ونواجه مشكلاتها، هي، في المقام الأول، “وجهة نظر فلسفية”، فكل ما يحاوله الإنسان من محاولات يُعبِّر عن طريقة فلسفية في فهم الأمور، مهما صغرت أو كبرت، فعندما يشب حريق في منزلي قد أسارع في إطفائه في طريقة ما، أو قد ألجأ إلى الصلاة والدعاء فحسب، أو قد ألجأ إليهما مع الاستعانة بما يمكن أن يطفأه. هذا السلوك أو ذاك أو ذلك كشف عن معتقد فلسفي دفع إليه، فالإنسان، ولو لم يدرك ذلك، هو فيلسوف يعتقد بفلسفة ما في أيِّ سلوك يسلك.
لقد رأيت بشرا ينظرون إلى “الحبَّة” من المشكلات التي يواجهون على أنَّها “قُبَّة”، كما رأيت بشرا يستصغرون ويستتفهون حتى المصائب والويلات في حياتهم. وقد أثبت وأكد علماء النفس أنَّ “القلق الوجودي (أو الكوزمولوجي)” يضعف كثيرا “القلق الشخصي (أو المعيشي اليومي)” لدى الإنسان، فالذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض أو في الكون، نشوءا وتطورا ومصيرا، يشتد لديهم الشعور بتفاهة المشكلات والمصاعب التي نواجهها في حياتنا اليومية، ويصبح لديهم من قوة التوازن النفسي ما يقيهم اضطرابات وأمراض نفسية عديدة، يمكن أن تتسبب بها ضغوط العيش.
لو أنَّ الإنسان تلقى من التربية ما يمنعه من شغل ذهنه بتوافه الأمور، ومن الإحساس بلذة استقصاء أخبار الناس وأحوالهم وأمورهم الشخصية، لوجد نفسه أكثر انتماء إلى منطق الحياة، الذي كلما زاد الإنسان استمساكا به سما به، فكرا وشعورا وسلوكا، فقُلْ لي ما يشغل ذهنك أقول لك من أنت، فالبشر، من حيث مستوى حديثهم، في منزلة من ثلاث: منزلة دنيا، تشمل أولئك الذين يشغلون أنفسهم بالحديث عن أخبار الناس وأحوالهم الشخصية، ومنزلة وسطى، تشمل أولئك الذين يتحدثون عن “الأشياء”، ومنزلة عليا، تشمل أولئك الذين يتحدثون عن “المبادئ”.
وفي مجتمعنا يكثر أولئك الذين تلقوا من التربية السيئة ما يجعلهم يحتاجون إلى استقصاء الأخبار الشخصية للناس والحديث عنها كمثل احتياجهم إلى تنفس الهواء وشرب الماء، ففي هذا المجال الضيق والتافه من الحياة تكمن أسباب فرحهم وحزنهم، سعادتهم وتعسهم!
لقد غرست فينا التربية التي تلقيناها، والتي غدا تغييرها شكلا ومحتوى ضرورة حياتية وحضارية، الضعف الإنساني والفكري والأخلاقي والحضاري.. والسياسي، فأصبنا، في علاقتنا بالواقع وبحقائق الحياة، بما يشبه مرض الفصام، وكأننا “مخلوقات وهم” قُذف بها في معترك الحياة حتى تلقى حتفها في سرعة وسهولة!

إلى الأعلى